لقد ضرب زعماء الخوارج النقود بأسمائهم وألقابهم وشعاراتهم ، مستغلين إياها بوصفها وسيلة إعلامية دعائية ، يستطيعون عن طريقها توصيل أفكارهم ورسالتهم إلى الناس ، من أجل إقناعهم بأنهم ذوو سلطة وحق .
اقرأ أيضاً الخوارج في العصر الأموي.. تعرف الآن
الخوارج الذين ظهرت لهم نقود تحمل شعارات
لم تعد نقود الخوارج تظهر بعد مرحلة الإصلاح النقدي حتى العام 128هـ، على الرغم من إستمرار وجودهم الفكري والثقافي ، فضلاً عن أن أنصارهم وجماعاتهم المنتشرين في أنحاء متفرقة من العالم الإسلامي ، ولكن ليس على أساس أنهم يشكلون دولة لها سلطة إصدار نقود .
وما زالوا يتحينون الفرص لمعاودة الكرة من جديد ، حتى كان لهم ما يبتغون.
اقرأ أيضاً أسعار المواد غير المنقولة (العقارات) في العصر البابلي القديم
بداية حركة الخوارج
لقد بدأت حركة الخوارج تمارس نشاطها داخل وحول الموصل منذ النصف الثاني من سنة 126هـ/743م ، وقد ذكر البلاذري أن شخصاً يدعى بسطام الشيباني ينتمي إلى حركة خارجية هي "البيهسية " نسبة إلى "أبو بيهس".
كان ناشطاً في منطقة أذربيجان منذ منتصف العام 126هـ ،قد قام بمحاولة غزو الموصل المجاورة ثلاث مرات ، تمكن في المرة الثالثة من السيطرة على المدينة.
وفي رمضان من العام 126هـ نجح سعيد بن بحدل من الدخول إلى الموصل ، بعد مدة قصيرة من نشاطه في منطقة الجزيرة ، وقد إلتقى هناك أبا كرب الذي كان يسمي نفسه أمير المؤمنين وكان يدّعي قيادة مجموعة الخوارج، ولكن الطرفين إتفقا على أن يقود سعيد بن بحدل الدخول في الموصل التي تركها بعد بضعة أيام إلى شهرزور بعد أن طلب أهل الموصل ذلك منه.
وقد مات سعيد بن بحدل في مطلع العام 127هـ/744م . وقد إستلم بعدها الضحاك بن قيس الشيباني قيادة الخوارج.
لقد إستطاع الضحاك في السنة اللاحقة 127هـ/744م أن يدخل الكوفة وواسط ، وقد إستنجد به من قبل السكان في الموصل ، إذ ترك إقامته في الكوفة وتوجه إلى الموصل ، فتمكن من الأنتصار على الوالي الأموي "القطران بن أكمه" وقتله في منتصف سنة 128هـ/746م.
ويبدو أن أهل الموصل الذين طلبوا من سعيد بن بحدل الإنصراف عن الموصل لم يكونوا مقتنعين بأنه قادر على أن يحكمهم ، وأن يقف في وجه الوالي الأموي أو القوة الأموية ، أما عندما رأى أهل الموصل سطوة الضحاك وقوته إستنجدوا به ضد الوالي الأموي القطران بن أكمة.
وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن أهل الموصل كانوا في حالة تذمر شديدة من الحكم الأموي ، وينتظرون من يخلصهم منه ، ومما يعزز هذه الفكرة هو أن والي الموصل هشام بن عمرو رفض السماح للخليفة مروان الثاني بالدخول إلى الموصل والإختباء عنده بعد هزيمته في معركة الزاب، وسرعان ما رفع الرايات السود إستقبالاً للعباسيين.
تمكن الخليفة مروان الثاني من التحرك من بلاد الشام إلى الضحاك في بلاد الجزيرة وقتله في معركة بين الطرفين قرب "كفر توثا" في نهاية عام 128هـ/745م ، وقد قاد الخوارج بعد الضحاك شيبان بن عبد العزيز اليشكري وآخرين من قادة الخوارج الذين تراجعوا وتحصنوا في الموصل ، وقد حاصرهم مروان ما بين تسعة أشهر إلى سنة بحسب المصادر التاريخية التي إختلفت في ذلك حتى دحروا عن الموصل، وقد قُتل شيبان أخيراً في عُمان.
لقد عاد الخوارج إلى مسرح الأحداث منذ العام 126هـ/743م ، كما مر أعلاه وقد تمكنوا في العام 127هـ/744م من إجتياح والسيطرة على تكريت والكوفة وواسط والتحرك نحو الموصل ؛ ولكنهم لم ينجحوا في ضرب نقودٍ تمثلهم إلا في سنة 128هـ/ 745م في كل من الكوفة والموصل.
كما ضربوا في العام 133هـ/750م نقداً فضياً حمل أسم " تنبرك "، وتعليل ذلك هو أن الخوارج لم يستقم لهم الوضع في العراق ( الكوفة وواسط ) إلا في شوال من العام 127هـ/744م، وتحتاج عملية ضرب النقود إلى الوصول إلى حالة من الإستقرار والإستتباب الأمني والإقتصادي والسياسي.
كما أن عملية ضرب النقود تحتاج إلى الوقت اللازم لتوفير المواد الخام ، وتوفير قوالب السك التي تحمل الأفكار والمعتقدات الخاصة ، فضلاً عن توفير الظروف الملائمة لإكساب النقد الجديد الثقة اللازمة في الأوساط التجارية ، وعند المتعاملين به .
دراهم الكوفة 128هـ
ضربت الكوفة في هذه السنة نوعين من الدراهم ، الأول من ضرب الخوارج بزعامة الضحاك الشيباني، والثاني من ضرب الأمويين بعد إسترجاع المدينة.
وقد ذكر الدكتور عبد الرحمن فهمي أن درهم الخوارج في الكوفة قد يكون ضرب على يد الضحاك أو خليفته أبي حمزة ، ولكن الأرجح أن يكون الضحاك هو الذي أمر بضرب الدرهم أو من قبل عامله على الكوفة المثنى بن عمران الذي عينه الضحاك بعد مقتل ملحان الشيباني.
لا سيما وأن الخوارج قد وصلوا إلى أوج قوتهم في عهد الضحاك ، إذ أن مثل هذا الأمر يحتاج إلى دولة قوية .
لقد كانت سيطرة الخوارج على الكوفة منذ منتصف العام 127هـ ، مما يعني أنهم ضربوا نقودهم في المدينة في النصف الأول من العام 128هـ ، في حين ضرب الأمويوننقودهم في المدينة بعد ذلك التاريخ على يد يزيد بن عمر بن هبيرة.
إذ نجد أن طراز الحلقات الذي ظهر على درهم الكوفة الأموي إستمر في العام التالي 129هـ، ولم يكن إستمراراً لطراز الحلقات التي ظهرت على درهم الكوفة في العام 127هـ، مما يعني وجود مدة من إنقطاع ضرب الدراهم الأموية ، وهي المدة التي سيطر فيها الخوارج على المدينة.
دراهم الخوارج
إن درهم الخوارج في هذه السنة كان فريداً ووحيداً ، ولم تختلف نصوصه عن الدرهم الأموي العادي إلا في أمرين: الأول هو العبارة المتجددة في هامش الوجه " بالكوفة سنة ثمان وعشرين ومئة " .
الأمر الثاني هو إضافة هامش ثانٍ على الوجه نقش فيه شعار الخوارج المعروف منذ بداية حركة الخوارج زمن الإمام علي ( رض) وهو " لا حكم إلا لله ".
وقد جاء هذا الهامش محصوراً في الجهة العليا من الدرهم بين حلقتين من الحلقات الأربع على وجه الدرهم ، فوق عبارة "بسم الله "،أما الدوائر فكانت دائرتين بدل ثلاث على الوجه . في حين بقي ظهر الدرهم على حال الدرهم الأموي العادي من دون أي تغيير في النصوص أو الدوائر أو الحلقات .
رصدت 21 قطعة من هذا الدرهم ( بينها درهم محفوظ في المتحف العراقي برقم 52842) ، تراوحت أوزانها بين 2.54-2.95غم ، بمعدل 2.81غم ، وتراوحت أقطارها بين 24-26ملم ، بمعدل 25ملم (أنظر الجدول ، أرقام 416-431 ؛ صورة رقم 100 ).
وبهذه القياسات لم يختلف درهم الخوارج كثيراً عن الدراهم المتداولة في تلك الحقبة .
لم تحمل دراهم الخوارج الخاصة بسنة 128هـ عبارات مثل " أمير المؤمنين" أو بسم الله – ولي الأمر " أو حتى أسم الضحاك أو خليفته أبي حمزة الخارجي ؛ التي ظهرت على نقود الخارجية على الطراز الساساني ، ولعل السبب في ذلك هو أن الحركة الخارجية التي ظهرت على يد الضحاك بن قيس كانت حركة موحدة الصفوف.
ولم تشهد أية إنقسامات أو إنشقاقات ، إذا إعتبرنا أن تعدد الشعارات هو للدلالة على خلافات سياسية وإنشقاقات داخل الحركة الأم. من ناحية أخرى فإن المدة الزمنية التي ظهر فيها الخوارج في نهاية الحكم الأموي قد إقتصرت على إقليم العراق، في حين كان الخوارج قبل عام 77هـ/696م قد وصلوا إلى مناطق مختلفة من شرق العالم الإسلامي وضربوا فيها نقوداً منها كرمان ، سجستان ، بيشابور وغيرها .
دراهم تنبرك(133هـ)
ضربت تنبرك طرازاً واحداً من هذا الدرهم ، لم يختلف عن الدرهم الخارجي من ضرب الكوفة 128هـ إلا في الطريقة التي نقش فيها شعار الخوارج " لا حكم الا لله " في الهامش الثاني للوجه ، إذ جاءت كلمات الشعار الأربع موزعة بين حلقات الوجه الأربع ( لا 5 حكم 5 الا 5 لله 5 ).
كما أن نصوصه لا تختلف عن درهم الكوفة 128هـ إلا في عبارة " بتنبرك سنة ثلث وثلثين ومئة "، أما الحلقات والدوائر الأخرى فضلاً عن قالب الظهر فلا تختلف شيئاً عن درهم الكوفة السابق الذكر، وقد سجل خطاً إملائياً في كلمة " ودين " في هامش الظهر.
إذ حذف منها حرف الدال ، لتصبح " وين " . والمعروف أن الأخطاء الإملائية ما كانت لتظهر في ظل وجود سلطة مركزية قوية ، بل تظهر في حال فقدان السيطرة الإدارية والمالية والإقتصادية .
الوزن تراوح بين 2.9-2.94غم ، القطر 25ملم (صورة رقم 48 ؛ شكل رقم 11) .
ولكن اللغز الذي يحتاج إلى الحل هو أين ضرب هذا الدرهم ؟، وما هي الظروف التي ضرب فيها ؟ هل إستطاع الخوارج في هذه السنة أن يؤسسوا دولة لهم أو سلطة على غرار ما فعله الضحاك الشيباني في الكوفة؟ وأين تم ذلك ؟ ( سيتم التطرق إلى هذا الموضوع في الفصل السادس عن مدن الضرب ) .
اقرأ أيضاً سعر الفضة بالنسبة للذهب في العصر البابلي القديم
فلس الضحاك 128هـ
مركز الوجه : الله / احد الله / الصمد ( داخل دائرة )
هامش الوجه : بسم الله لا اله الا الله وحده لا شريك له ( داخل دائرة من الحبيبات الصغيرة )
مركز الظهر : محمد / رسول / الله ( داخل دائرة )
هامش الظهر (8h ) : امر الضحاك بضرب هذا الفلس بالموصل ( داخل دائرة من الحبيبات الصغيرة ). (أنظر الجدول ، رقم 1002 ، شكل رقم 39).
رصدت 12 قطعة من هذا الفلس تراوحت أوزانها بين 2.1-5.22 غم ، وتراوحت أقطارها بين 19-22ملم. وإن جميع ما نشر عن فلس الضحاك في المصادر الحديثة حتى الآن هو من قوالب مختلفة عن بعضها البعض ، مما يدل على كمية الإنتاج الكبيرة من هذا الفلس ، ويتوقع أن يكون إصدار هذا الفلس في النصف الثاني من العام 128هـ/745م ، أي بعد السيطرة على الموصل .
من أهم ميزات فلوس الضحاك
لم ينقش الضحاك شعار الخوارج على هذا الفلس على غير عادة الخوارج الذين حرصوا على نقش شعارهم على نقودهم ، ربما لأن الفلس يُعدّ من النقود المساعدة التي تفيد في شراء الحاجيات البسيطة.
ولكن إذا كان الهدف من نقش الشعار هو الدعاية للمبادئ والأفكار التي يحملونها ، فهذا يجب أن ينطبق على كل من الدراهم والفلوس معاً . لقد إكتفى الضحاك بوضع أسمه على الفلس للدلالة على حركته، وربما كانت أغلب نقود الناس في تلك الحقبة هي الدراهم ،وليست الفلوس ، ذلك لأن الفلوس محدودة التداول من الناحية الجغرافية ، أما الدراهم فهي الأوسع إنتشاراً .
من ناحية أخرى فإن هذا الفلس لا يحمل نمط الفلوس المضروبة في الموصل من حيث وجود الأشكال الهندسية على الوجه والظهر ، مما يشجع على القول بأن هذا الفلس لا ينتمي إلى مدرسة الموصل في ضرب الفلوس ، وربما كان ضربه قد تم خارج الموصل ، أو ضربه نقاش ليس موصلياً ممن وفدوا مع الضحاك لأحتلال الموصل في ذلك الوقت
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.