من منا لا يحب الكوميديا والضحك؟ فالضحك يسري عن القلب ويغير المزاج، ويبعث السعادة، وقد عبر كثير من الفلاسفة والمفكرين عن معنى الضحك، مثل: الفيلسوف الألماني (إيمانويل كانت) الذي يقول: "إن الضحك هو نتيجة شيء نتوقعه ينتهي فجأة بلا شيء".
و(السير فيليب سيدنى) الكاتب الإنجليزي الشهير يقول: "إن الضحك ينبع من أشياء غير مناسبة وغير طبيعية بالنسبة لنا".
والضحك يكمن في إحساسنا بالتحرر من التحفظ والوجوم، والضحك مرتبط بالكوميديا التي تفجر الضحك داخلنا، وقد كان أرسطو أول من نظر للمسرح ووصف الكوميديا بأنها تعالج عيبًا أو قبحًا لا يسبب ألمًا أو ضررًا؛ فالألم والضرر يسببان التعاطف، والعاطفة أعدى أعداء الكوميديا والضحك، فالكوميديا هي اللمسة الخفيفة، واللعب بعكس التراجيديا التي تقوم على الصراع الدرامي والمفارقة والتأزم والكوميديا أيضًا، تقوم على المفارقة ولكنها مفارقة هزلية لا تعتمد كثيرًا على نمط معقد في العلاقة بين الشخصيات، وفي أقل أنواع الكوميديا مثلًا نجد أن البناء يعتمد في الغالب على سوء التفاهم أو عن جهل الشخصية بماهية الأشياء.
وبصفة عامة فإن بناء الكوميديا المسرحية غالبًا ما يكون خط أو خيط يعلق عليه الكاتب عددًا من الحوادث المسلية المتضاربة والمفاجئة التي تؤدي بعضها إلى بعض، والتي توضح جوانب الضعف الإنساني وتسلط الضوء على العيوب فى حياد تام، مع عدم ازدراء الشخصية حتى لا يتعاطف الجمهور معها وتتحول إلى تراجيديا، وإن كان البعض يسمون هذا النوع من الكوميديا الذي يؤدي إلى تعاطف الجمهور بالكوميديا السوداء لكنها في الحقيقة ليست كوميديا الضحك المتعارف عليها.
والكوميديا لها عدة أنواع وأشكال، مثل كوميديا الأخطاء أو ما يسمى حوار الخلف خلاف وكوميديا المزاج التي تركز على نقطة مميزة للشخصية مثل الرجل الغيور أو البخيل والكسول ومحدث النعمة وفي المسرح العربي مثلًا يكثر استخدام شخصية الرجل الذي يحسد أو النحس، وذلك عند احتكاك كل شخصية من هذه الشخصيات بالمواقف المختلفة، وهناك أيضًا كوميديا الفارس التي تعتمد على مؤثرات مبالغ فيها، ويكثر فيها المفاجآت واستخدام الإكسسوارات المضحكة في الملابس والأدوات.
قد يتخيل البعض أن كتابة الكوميديا كونها تعتمد على نمط غير معقد وحوادث مسلية أمر سهل، فما عليه إلا أن يلتقط بعض الحوادث العجيبة، ويقدمها وهذا طبعًا لا يمت للعمل الفني بصلة؛ فالعمل الفني سواء كان دراما أم كوميديا لا بدّ له من بناء وشكل محدد ببداية ووسط ونهاية وموضوع، والاختلاف بين كل عمل وآخر هو كيفية بناء العمل ومضمونه، والكوميديا بالذات تحتاج إلى الذكاء والحكمة، فالذي يكتب للكوميديا يقوم بعملية تشريح لعيوب الشخصيات والمجتمع بدقة شديدة دون إبداء رأيه، فهو يقدم الشخصيات التي تجهل نفسها، وتجهل الأشياء الطبيعية حولها وتتصرف دون وعي مما يسبب الضحك تلقائيًا فالمضحك إذا كان على وعي وتعمد الإضحاك انقلبت الكوميديا من خفة الظل إلى ثقل الظل، ولم تحقق هدفها، الحديث عن الكوميديا ومقوماتها وأساليبها حديث يطول شرحه، ولا يتسع المقام لاحتوائه في مقال ولكن عزاؤنا أن نكون قد قدمنا صورة عامة لأهم النقاط التي تبنى عليها الكوميديا وفن الإضحاك.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.