عندما نذكر كلمة المسرح، أول ما يخطر في بالنا هو مسرحيات عادل إمام، سعيد صالح، سمير غانم أو مسرح مصر، أو المسرحيات الكوميدية المصرية التي تربينا عليها في طفولتنا أو الأعياد. وعىل الرغم من أن ذلك لا يقلل على الإطلاق من قيمة «أبو الفنون»، فمن غير المنصف حصر كلمة المسرح في تلك النوعية من العروض فقط.
وعلى الرغم من القيمة الكبيرة لهذه الأعمال في المشهد الفني، فإن عالم (أبو الفنون) أوسع وأكثر تنوعًا مما قد يبدو للوهلة الأولى، من بين هذه الأشكال المسرحية المبتكرة يبرز نوع فريد يُعرف بمسرح البلاي باك (Playback Theatre)، وهو شكل حديث نسبيًا يعتمد على الارتجال والتفاعل المباشر مع الجمهور بطريقة مؤثرة وعميقة.
في هذا المقال، سنغوص في تفاصيل مسرح البلاي باك هذا النوع المسرحي المميز، مستكشفين نشأته، خصائصه، أهميته، وكيف يسهم في بناء جسور من الفهم والتواصل الإنساني، فتابع معنا.
مسرح البلاي باك playback
مسرح البلاي باك أو إعادة التشغيل، هو مسرح مشتق من المسرح الارتجالي، ولكنه على الرغم من ذلك، فإنه يختلف عن المسرح الارتجالي، ويرتكز أساس مسرح البلاي باك على أن يروي أحد الحضور من الجماهير موقفًا ما أو قصة شخصية مر بها وتركت بداخله أثرًا، وقد يكون سلبيًا أو حزينًا، وبعد أن ينتهي من روايته، يعيد الفريق المسرحي تمثيل تلك القصة أو ذلك الموقف، بناءً على الارتجال من الممثلين، وبصورة جماعية، وذلك بعد أن يتولى الميسر «وهو ما يشبه قائد الأوركسترا» سؤال الشخص الذي يحكي القصة عن بعض التفاصيل التي قد يحتاج إليها فريق التمثيل، لينتج في النهاية تمثيل وتجسيد لقصة ومشاعر الشخص الراوي.

مؤسس مسرح البلاي باك ومتى تأسس؟
تأسس مسرح البلاي باك على يد الثنائي «جوناثان فوكس» و«جو سالاس» في عام 1975 في أمريكا، وتحديدًا في مقاطعة «دوتشيس» في نيويورك، ويمكننا القول إنهم جمعوا خبراتهم في إناء واحد، نظرًا لأنَّ «جوناثان فوكس» كان يدرس المسرح الارتجالي والحكي، في حين كانت «جو سالاس» متخصصة في الموسيقى والأنشطة التدريبية. اتُّخذت المدينة المذكورة مقرًا للمسرح، ثم لاحقًا أُنشئت فرق مسرحية حول العالم تعتمد ذلك النمط المسرحي.
سمات مسرح البلاي باك
لمسرح البلاي باك خصائص وسمات عدة تُميِّزه عن غيره من أنواع الفنون المسرحية، وتلك الصفات هي:
- لا نص للعرض: عروض البلاي باك لا يوجد لها أي نصوص مكتوبة، فالنصوص التي يؤديها الممثلون هي روايات يسردها الجمهور؛ لأنَّ العرض يعتمد أساسًا على مشاركة الجمهور لمواقف وأحداث شخصية مرُّوا بها، وتختلف تلك الأحداث من شخص لآخر، فهي ترتبط بما عاشه الشخص الذي يروي القصة.
- الأداء المباشر: ما يميز عروض البلاي باك، وما يجعلها صعبة أيضًا، هو أن التمثيل فيها يكون بعد أن يحكي راوي القصة بصورة مباشرة.
- الميسر أو الموصل: هو شخص في فريق البلاي باك، غالبًا ما يكون أكثر أعضاء الفريق خبرة، وظيفته هي تيسير الجلسة أو العرض المسرحي، دعوة الأشخاص لرواية قصصهم، الاستفسار عن قصصهم وتجميع التفاصيل التي قد يحتاجها فريق التمثيل.
- الموسيقى: غالبًا ما يرافق فريق البلاي باك عازفون لتأدية موسيقى حية في أثناء التمثيل، لتعزيز أجواء ومشاعر القصة التي يتم روايتها.
- ديكور بسيط: لا تحتاج عروض البلاي باك إلى ديكور معقد، وقد لا تحتاج لديكور أصلًا؛ لأن الديكور معتمد على النص الذي ستؤديه، وفي البلاي باك لا يوجد نص.
- لا أزياء أو مكياج: وكذلك الأمر، لا توجد في عروض البلاي باك أقنعة يتم ارتداؤها، إذ تقوم الفكرة في عروض البلاي باك على التجرد والاقتراب من حالة الشخص الراوي لا الابتعاد عنه بأقنعة.
- التناغم في التمثيل: وما يجعل مسرح البلاي باك مميزًا وصعبًا في ذات الوقت هو تناغم الممثلين وتأديتهم القصص المروية كأنهم قد تدربوا عليها مرات ومرات، على الرغم من كونها أول مرة يسمعون فيها تلك القصة، وذلك يعني التدريب الشاق والقوي قبل العروض.

ما أهمية مسرح البلاي باك؟
بعد أن تحدثنا عن ماهية مسرح البلاي باك وخصائصه، لا بد أن يأتي في بالنا سؤال مهم، وهو ما أهمية مسرح البلاي باك؟ وأهمية ذلك المسرح في التالي:
- التفاهم والتواصل: قد يكون لديك رأي ما في أمر معين، وقد لا تستطيع شرحه لمن حولك، أو أنك لا تقدر أن تصف تأثير ذلك الأمر على مشاعرك سواء بالإيجاب أو السلب، حينئذ يأتي دور مسرح البلاي باك ليوصل لغيرك ما تشعر به، أو يوصل لك ما يشعر به غيرك، وبعدها نتمكن من التفاهم والنقاش الحقيقي، فعلى سبيل المثال، قد يساعدك مسرح البلاي باك أن تفهم ما تشعر به المرأة إذا كنت شابًا أو العكس.
- التعليم: مسرح البلاي باك أرض خصبة لكي تتعلم معلومة ما جديدة، سواء بالتلقي كمتفرج، أو بالتمثيل كعضو فريق، فكما يُقال إنك إذا أردت أن تتعلم شيئًا فعليك أن تشرحه لغيرك.
- الاندماج: قد يسهم البلاي باك في دمج الأقليات أو اللاجئين والمهاجرين بين المجتمعات، فهو ببساطة، يجسد لك ما يعيشونه من إيجابيات وسلبيات وأحلام وطموحات وغيرها.
- فض النزاعات: جزء من أسباب حدوث المشكلات، هو أننا لا نستطيع فهم وجهة النظر المقابلة، ولا شيء أفضل من البلاي باك في حل تلك المشكلات، فهو يجسد ببساطة المشكلة ويجعلها من لحم ودم، فتفهم بسهولة وجهة النظر المقابلة، والعكس صحيح.
فرق مسرح البلاي باك في مصر
كما كان للمسرح حضور قوي في مصر منذ عقود، فإن البلاي باك يتمتع بالحضور نفسه في مصر، وتوجد فرق مصرية تقدم ذلك النوع من العروض، ومنها فريق «مسرح نواة المجتمعي التفاعلي» المؤسس في 2017 في نحو 16 محافظة مصرية، ويهدف إلى التوعية بالقضايا السكانية كالعنف ضد المرأة وختان الإناث وتنظيم الأسرة والممارسات الضارة ضد الفتيات أو الأطفال.

وأيضًا من الفرق المتخصصة في ذلك النوع من المسرح، فريق «الفن للسلام» في صعيد مصر -وتحديدًا في محافظة قنا- الذي يعتمد على استخدام الفنون في مناقشة قضايا المجتمع بطابع فني إبداعي يراعي أبعاد المشكلة وأسبابها، والتوعية ضد خطر المخدرات.
ختامًا، يُقدم مسرح البلاي باك (Playback Theatre) تجربة فنية وإنسانية فريدة، فتتحول القصص الشخصية العادية إلى لوحات مسرحية حية ومؤثرة تنبض بالحياة على يد الممثلين المرتجلين، إن أهمية هذا النوع المسرحي لا تكمن فقط في جانبه الفني الإبداعي، بل تمتد لتشمل قدرته على تعزيز التعاطف، وتعميق الفهم المتبادل بين الأفراد والمجتمعات، ومعالجة القضايا الاجتماعية الشائكة بطريقة تفاعلية ومبتكرة. وفي عالم يزداد فيه التشابك والتعقيد، يظل مسرح البلاي باك أداة قوية للاستماع، والمشاركة، والشفاء الجماعي، مؤكدًا أن لكل قصة قيمة، ولكل صوت الحق في أن يُسمع ويُرى.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.