على خشبة «مسرح الطليعة» بقاعة «زكي طليمات»، توقفت أمام لافتات العرض المسرحي التي تحمل عنوان المسرحية، ليتبادر إلى ذهني سؤالان بديهيان: لماذا لا يكون العنوان «شفيقة ومتولي»؟ وما الذي سيتغيَّر لو تحول إلى «متولي وشفيقة»؟
وبين هذين السؤالين، قدم لنا المخرج المتميز «أمير اليماني» إجابة ثورية بامتياز؛ لوحات مسرحية سريالية بُنِيَت على حذر ووعي جمالي بالمعنى الكامن خلف سلطة الموروث، وما يمكن أن تحمله الكلمة والصورة البصرية معًا في آن، وهي تحاول تفكيك هذا الموروث.
يقدّم العرض المسرحي معالجة سريالية لقصة «متولي وشفيقة» تعيد تفكيك الموروث الذكوري عبر طرح نقدي يحمّل المجتمع مسؤولية العنف ضد المرأة، ويبرز قدرة المسرح على إعادة قراءة التراث برؤية فكرية معاصرة.
مسرحية «متولي وشفيقة» هي عرض مسرحي مصري حديث يُقدم على مسرح الطليعة، يناقش قصة التراث الشعبي الشهيرة عن العار والقيود المجتمعية ضد المرأة، ويركز العرض على الصراع النفسي لمتولي وندمه، مسلطًا الضوء على أبعاد السلطة الذكورية وتداعياتها الدرامية، وهو من إخراج أمير اليماني وبطولة يسرا المنسي ومحمد فريد.
أبرز تفاصيل مسرحية «متولي وشفيقة»
- مكان العرض: مسرح الطليعة بالعتبة (قاعة زكي طليمات)، البيت الفني للمسرح، القاهرة.
- تاريخ العرض: تم افتتاحها في عيد الفطر المبارك مارس 2026.
- فريق العمل:
- تأليف: محمد علي إبراهيم.
- إخراج: أمير اليماني.
- البطولة: يسرا المنسي (شفيقة)، محمد فريد فؤاد (متولي)، أحمد عودة (دياب)، إسلام مصطفى، صلاح السيسي.
- القصة والهدف: لا تقتصر المسرحية على سرد القصة الفلكلورية، بل تعيد مساءلة الموروث الشعبي الذي ينفي المرأة ويقمعها، بتقديم شخصية متولي في حالة ندم ورفض لما حدث، وليس فقط كأنه بطل ذكوري.
خلفية قصة شفيقة ومتولي
تستند المسرحية إلى القصة الشعبية التي تدور عن شفيقة التي تضطرها الظروف للانحراف، ويعود شقيقها متولي من الخدمة العسكرية ليقتلها دفاعًا عن الشرف، وهي قصة تم تقديمها سابقًا في فيلم شهير عام 1978، بطولة سعاد حسني وأحمد زكي، كما تمت معالجتها مسرحيًا بواسطة الكاتب شوقي عبد الحكيم.

قراءة سريالية في تفكيك سلطة الموروث ومحاكمة الذات
يبدأ الحدث المسرحي، ويستمر في بيت «متولي» بعد ارتكابه جريمة قتل «شفيقة»، وهو ما تؤكده الجمل الحوارية في النص المكتوب ببراعة من المؤلف «محمد علي إبراهيم»، من ناحية التعامل مع الأمر باعتباره جريمة، حتى لو كان محوًا للعار في منظور مجتمع البطل، وهي النظرة التي يحاكمها البطل نفسه، وهو يترنح بين صورته كونه قاتلًا وصورة البطل الذكوري الثائر لشرفه وكرامته.
يستفيق «متولي» من كابوسه محاصرًا بين جدران بيته؛ تلك الجدران الطينية التي اعتلتها وتخللتها جذور الأشجار التي مثَّلت قواعدها «أشباح متولي»، التي ارتدت ملابس طينية لتتماهى مع الجدران والأرض من ناحية، وتتماهى من ناحية أخرى مع المعنى المجرد للإنسان بعيدًا عن نوعه.
ذلك التكوين البصري الملغم بالرموز الذي قدمه مصمم الديكور «د. محمد سعد»، وتضافرت معه عناصر الأزياء للمصممة «غادة شلبي»، ليكونا معًا عالمًا سرياليًا ينقلنا -بصفتنا متفرجين- إلى حالة التهيؤ والرغبة الملحة في التفسير، مع استدعاء إلزامي للموروث.
عبقرية الإخراج في ترويض الشحنات العاطفية
أجاد مخرج العرض، بتقسيم شخصية «شفيقة»، ليجسد أبعادها الثلاث: «الطفلة، والقاصر، والمرأة». وهو التقسيم الذي سمح له أن يقطر لنا الشحنات العاطفية التي ساعدته على بناء فكرته، لى جانب أبطال التعبير الحركي؛ تلك الأشباح التي استخدمها ببراعة لتكون صوت ضمير البطل أحيانًا، وقضاته أحيانًا أخرى، بل وحولتنا جميعًا -المجتمع- إلى محاصرين بمفاهيمنا الذكورية في قفص الاتهام.
مجموعة من الأسئلة التي يطرحها العرض، وهو يضع «متولي» على رأس المسؤولية المجتمعية والدرامية، حول «الجهادية» أو السخرة في الصورة الأساسية للموروث، وحول ضرورة منطقية للدفاع عن البيت أو العائلة بعدِّها الجذر الأصلي للوطن الشخصي، ومفاهيم القصاص المجتمعي من المرأة، حتى ولو كانت ضحية غدر من «ضباع» هي أبعد ما تكون عن الإنسانية.
وتبرز كذلك الدلالة الخفية بأننا جميعًا معرضون للسقوط، وهي المقولة التي أظهرها المخرج ببراعة في أحد لحظات العرض، التي ينتظر فيها البطل، فور عودته المتخيلة، للقصاص من شفيقة؛ ليطرق طرقًا محمومًا على باب الدار من الخارج، في اللحظة التي يتحول فيها الخارج إلى الداخل، ويتحول فيها العالم الخارجي إلى عالمه الداخلي؛ لينفتح الباب أمام صورة أخرى للمرأة، وهي حبيبته «نوارة»، دعوة مفتوحة لتلقي ما هو أكثر من ذلك بحضور هذا العرض الفريد.
وفي النهاية، لا يسعني إلا أن أقف احترامًا لطاقم العمل، متمنيًا أن تستمر على مسارحنا تلك العروض المميزة التي تقدم حالة فكرية وفنية متماسكة، ومعبرة في الوقت ذاته عن قدرة المسرح على أن يدفع عقولنا وأرواحنا إلى الأمام.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.