في أحضان الطبيعة الغنَّاء، حيث تتهادى الأشجار وتصفو الأرواح، تتوارى الألقاب، وتخفت ضوضاء السلطة، وتبدأ النفوس في العودة إلى فطرتها الأولى.
هناك، بعيدًا عن القصور والمنافسات والمشاحنات، يستعيد الإنسان لقاءه بذاته الحقيقية، ويختار الحياة التي يُحسن عيشها، لا الحياة التي فُرضت عليه. ومن هذا المنطلق يبرز السؤال الجوهري الذي لا ينفك يرافق التجربة الإنسانية عبر العصور: هل تُغيِّر السلطة النفوس؟ وهل السعي خلف العرش واللقب قادر على تشويه الإنسان، حتى يُنسيه من يكون؟ أم أن العودة إلى الطبيعة كفيلة بأن تُعيد إليه نقاءه، وتحرره من صراع لا نهاية له؟
في غابات آردِن، تذوي الخصومات، وتسقط الأقنعة، ويكتشف كل إنسان شغفه الحقيقي بعيدًا عن الضغوط. وحين صفَت القلوب، وعاد كل واحد إلى طبيعته الأولى، غدا الجميع مؤهلين للعودة من جديد إلى القصر، لا بوصفهم متنافسين على السلطة، بل بشرًا يعرفون أنفسهم حقًّا.
وهذه الرؤية الإنسانية العميقة هي جوهر مسرحية «كما تشاء»، إحدى أشهر الكوميديات الرومانسية التي كتبها وليام شكسبير.
من هو شكسبير؟
يُعد وليام شكسبير (1564 - 1616م) أعظم كاتب مسرحي وشاعر في تاريخ اللغة الإنجليزية على الإطلاق، ويُعرف بلقب «شاعر أفون الملحمي». ولد في بلدة «ستراتفورد أبون أفون»، ومنها انطلق ليغزو العالم بكلماته التي لم تفقد بريقها رغم مرور قرون طويلة، حيث استطاع أن يمزج بين الفلسفة العميقة والبلاغة الشعرية الفذة.

كتب أعمالًا خالدة تنوعت بين التراجيديا والكوميديا والمسرحيات التاريخية. وقد تميَّز بقدرته الفريدة على تصوير النفس البشرية بكل تناقضاتها؛ فكتب عن الحب والغيرة، والطموح والسلطة، والخير والشر، مستخدمًا لغة شعرية عميقة وشخصيات نابضة بالحياة، ولا تزال أعماله تُقرأ وتُعرض حتى اليوم لما تحمله من أفكار إنسانية تتجاوز الزمان والمكان.
المسيرة المهنية والمسرح العالمي
انتقل شكسبير إلى لندن في ريعان شبابه، حيث برز كممثل وكاتب مسرحي طموح، وأصبح شريكًا أساسيًا في فرقة «رجال اللورد تشامبرلين» المسرحية. ارتبط اسمه بمسرح «غلوب» الشهير، وهو المكان الذي شهد ولادة أعظم نصوصه التراجيدية والكوميدية، والتي كانت تُعرض أمام مختلف طبقات المجتمع، من الفلاحين إلى الملوك، مما جعل أدبه عابرًا للحواجز الطبقية.
الإرث الأدبي والتنوع الفني
ترك شكسبير خلفه ثروة أدبية تضم نحو 38 مسرحية و154 سونيتة شعرية، وتنوعت أعماله بين المآسي الوجودية مثل «هاملت» و«ماكبث»، والكوميديا الرومانسية مثل «حلم ليلة في منتصف الصيف»، والمسرحيات التاريخية التي أرخت لملوك إنجلترا. تميزت نصوصه بقدرة فائقة على سبر أغوار النفس البشرية، وتجسيد صراعات الحب، والغيرة، والطموح، والخيانة بصدق مذهل.

تأثيره المستمر في العصر الحديث
لا يزال تأثير شكسبير ممتدًا حتى يومنا هذا في عام 2026، ليس فقط في المسارح، بل في اللغة الإنجليزية نفسها؛ فقد ابتكر مئات الكلمات والتعبيرات التي نستخدمها اليوم دون أن ندرك أصلها الشكسبيري. تُترجم أعماله إلى كل لغات العالم الحية، وتُعاد صياغتها في السينما والدراما باستمرار، مما يثبت حقيقة المقولة التي قيلت في حقه: «شكسبير ليس لعصر واحد، بل لكل العصور».
نبذة عن مسرحية «كما تشاء»
تدور أحداث المسرحية حول الصراع على السلطة، والغيرة بين الإخوة، والحب الذي ينمو في أحلك الظروف.

تبدأ القصة داخل القصر، في فضاء تسوده المؤامرات والظلم والنفي، ثم تنتقل إلى غابة آردِن، بوصفها فضاءً بديلًا تنكشف فيه الحقائق، وتعود الشخصيات إلى طبيعتها الإنسانية بعيدًا عن الألقاب والقيود الاجتماعية.
ومن خلال هذا الانتقال المكاني، يعالج شكسبير قضايا إنسانية عميقة، مثل: السلطة وتأثيرها في النفوس، والهوية والتنكر، والصداقة، والتسامح، واكتشاف الذات.
وتنتهي الأحداث بنهاية سعيدة ينتصر فيها الحب، وتُستعاد العدالة، وتعود الشخصيات إلى القصر بعد أن تعلَّمت معنى الحرية والصدق.
أحداث مسرحية «كما تشاء»: مشاهد خالدة
تبدأ قصة «كما تشاء» بأخوين من سلالة واحدة: الدوق المنفي، وهو الحاكم الشرعي، وأخيه الدوق فريدريك، الذي طمع في السلطة فانقلب عليه، وانتزع الحكم منه ظلمًا، ثم نفاه إلى غابة آردِن بعيدًا عن القصر والمدينة.
ورغم هذا الظلم، عاش الدوق المنفي في الغابة حياة هادئة، تحيط به جماعة من الرجال الأوفياء، ووجد في الطبيعة عزاءً عمَّا فقده من قصر وعرش.
في القصر بقيت روزاليندا، ابنة الدوق المنفي، لأن فريدريك لم يسمح لها بمرافقة أبيها. وكانت تعيش مع ابنة عمها سيليا، ابنة الدوق فريدريك، التي أحبتها حبًا شديدًا وواستها في حزنها، ولم تفارقها أبدًا.
وفي القصر أيضًا عاش أورلاندو، الشاب النبيل الطيب، مع أخيه الأكبر أوليفر، الذي كان يكرهه ويحسده، حتى حاول إيذاءه وقتله أكثر من مرة، الأمر الذي دفع أورلاندو إلى الهرب طلبًا للنجاة.
وفي أثناء ذلك، أُقيمت مباراة مصارعة في القصر، شارك فيها أورلاندو وانتصر بشجاعة، فأثار إعجاب الجميع، ولا سيما روزاليندا، التي أحبته من أول نظرة وقدمت له سلسلة من الذهب علامة على إعجابها، لتتقد منذ تلك اللحظة شرارة الحب بينهما.
غير أن هذا الحب زاد من مخاوف الدوق فريدريك، فقرر نفي أورلاندو، ثم نفى روزاليندا نفسها، خشية أن يتحول هذا الارتباط إلى تهديد لسلطته.
ورفضت سيليا أن تترك روزاليندا وحدها، فهربت معها إلى غابة آردِن، وتنكرَت روزاليندا في زي شاب أطلقت على نفسها اسم غانيميد، في حين تنكرت سيليا في زي فتاة ريفية وسمَّت نفسها أليينا، ورافقهما مهرج القصر توتشستون. وكان أورلاندو قد سبقهم إلى الغابة، ليبدأ هناك بكتابة أشعار الحب وتعليقها على الأشجار تعبيرًا عن شوقه لروزاليندا.
هناك، رأت روزاليندا هذه الأشعار وهي متنكرة، فعرفت أن حب أورلاندو لم يتغير. فتقربت منه في هيئة غانيميد، وادعت أنها قادرة على معالجة الحب، وطلبت منه أن يتخيلها روزاليندا ويكلمها كما لو كانت حبيبته، فاتخذت من هذا التنكر وسيلة لاختبار صدق مشاعره، في حين كان هو يبوح بحبه دون أن يدرك حقيقتها.
وفي تحول درامي موازٍ، جاء أوليفر إلى الغابة بحثًا عن أخيه، فتعرض لهجوم لبوة، وكاد يهلك لولا أن أورلاندو أنقذه، رغم كل ما فعله به سابقًا. عندها تغيَّر قلب أوليفر، وندم على أفعاله، وتحوَّل الحقد إلى محبة، ونشأ الحب بينه وبين سيليا. أما الدوق فريدريك، فقد خرج إلى الغابة بنية إيذاء أخيه، لكنه التقى رجلًا ناسكًا حكيمًا أثَّر في نفسه، فتاب عن ظلمه، وتخلى عن الحكم، وأعاده إلى صاحبه الشرعي.
وفي الغابة، كشفت روزاليندا أخيرًا عن حقيقتها، فتزوجت من أورلاندو، وتزوج أوليفر من سيليا، وتزوجت فيبي من الشاب الذي أحبها حقًا. وهكذا عادت العدالة إلى نصابها، وانتهت الخصومات، واجتمع الحب بعد طول فراق.
وتختتم المسرحية برسالة إنسانية واضحة مفادها أن الإنسان، حين يبتعد عن السلطة والغيرة، ويقترب من الطبيعة والصدق، يستعيد جوهره الإنساني الأصيل، كما يشاء القلب، لا كما تأمر القوة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.