مسرحية سما هي عرض مونودراما مسرحي يُعرض على خشبة مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية يوميًا في تمام التاسعة مساءً (فيما عدا الإثنين). العرض من بطولة الفنانة مروة عبد المنعم، وتأليف سونيا بوماد، وإخراج أيمن مصطفى، ويسلط الضوء على صراع المرأة مع قسوة العادات والتقاليد المجتمعية البالية انطلاقًا من قصة درامية ونفسية لامرأة تحاول الانتحار رميًا تحت عجلات القطار.
في هذا المقال، نحلل أبعاد تجربة مسرحية (سما) التي تدعونا لإعادة النظر في مفاهيمنا حول الهوية، والحرية، والتحديات النفسية والاجتماعية التي تواجه المرأة في سعيها للتحرر من قيود الماضي المظلم.
يقف المسرح دائمًا مرآة عاكسة لصراعات النفس البشرية وتناقضات المجتمع، وفي قلب القاهرة، يقدم مسرح الهناجر تجربة استثنائية بالعرض المسرحي (سما).
هذا العمل المونودرامي الجريء لا يكتفي بسرد قصة معاناة فردية، بل يغوص بعمق في تشريح العادات والتقاليد البالية التي تكبل حرية المرأة وتقمع فطرتها. في مزيج فني متكامل يجمع بين قوة النص وعبقرية الإخراج والبراعة التمثيلية، تتحول خشبة المسرح إلى ساحة محاكمة قاسية للموروثات الثقافية.
يتحول مسرح الهناجر إلى محطة قطار تقع في المسافة بين العرض المسرحي ومحاكمة التقاليد المجتمعية، ويُعرض على خشبة مسرح الهناجر بدار الأوبرا يوميًا في تمام الساعة التاسعة، فيما عدا الإثنين من كل أسبوع، العرض المسرحي «سما»، وهو عرض مونودراما من تأليف الكاتبة «سونيا بوماد» وإخراج «أيمن مصطفى»، وبطولة الفنانة «مروة عبد المنعم».
وفي عمل مسرحي ممتاز، يمكن للقطار المندفع من عمق العملية المسرحية باتجاه الجمهور أن يدهس البطلة التي تحاول الانتحار تحت عجلاته القاسية، لكنه في الوقت نفسه سيكمل وجهته باتجاه الصالة؛ ليصدم وعينا كمتفرجين، ويتركنا نتحسس أجسادنا وعقولنا وأرواحنا المنتهكة باسم العادات والتقاليد المشوهة.
رحلة البطلة: محاكمة قاسية للموروثات والتقاليد
«امرأة مصرية بلكنتها الفلاحية تحمل طفلًا وتحاول الانتحار على قضبان القطار القادم من بعيد، ومن الواضح أيضًا أنها مجنونة». ببداية كهذه يأخذنا العرض إلى الغوص في رحلتها الطويلة من قريتها في مصر إلى بلاد الغرب، محاكمًا -عبر جنونها- أشباح حياتها منذ تربَّت في مجتمع يلفظ الأنثى باعتبارها عورة أو جريمة، مرورًا بقسوة الختان حفاظًا على العفة، ثم معاملتها «كالصبيان» بحرمانها وتعنيفها على كل غريزة أنثوية فطرية، لينتهي المطاف بزواجها الإجباري من رجل في عمر والدها وهي ما زالت طفلة.
ومرَّت خمسة عشر عامًا قبل أن يأخذها الزوج كمن يقتلع نبتة من طينتها إلى بلاد الغرب، لتكتشف هناك صدمتها القاسية بجملة كاشفة لحجم صراعها الشخصي: «كل حاجة قولتيلي عليها عيب... ما طلعتش هنا عيب». والجملة، على لسان البطلة، على الرغم من خروجها بلسان الجنون، تكشف عمق الصراع القيمي بين ثقافتين: ما تربينا عليه، سواء كان حقيقيًا أم مزيفًا، وبين ما نحاول بناءه من مفاهيم شخصية حول الذات وقيمتها.

تكامل العناصر الفنية: السينوغرافيا وكسر الجدار الرابع
تكاملت عناصر العرض المسرحي لتعزيز رسالة الكاتبة اللبنانية المبدعة «سونيا بوماد» التي حملت على عاتقها قضية المرأة في سياقها الحضاري وصراعها مع المحددات المشوهة بفعل البيئة المحيطة، معبرة عن الجوع الإنساني بمعناه العام: الجوع العاطفي والمادي والشخصي.
وإلى جانب التصميم الرائع للديكور للمبدع «فادي فوكيه»، وهو العنصر الذي جاء متماشيًا مع الرؤية الإخراجية لمخرج العرض بامتياز، فقد جسدت قضبان السكة الحديدية التي امتدت لتكسر الحاجز الوهمي بين المسرح والجمهور إلى صالة العرض منطقة فنية استغلها المخرج ببراعة بحوار مباشر بين بطلة العرض وجمهوره.
الإضاءة لـ«أبو بكر الشريف»، والاستعراضات لـ«محمد بيلا»، وجميع العناصر في الفضاء المسرحي كانت تتضافر لاختراق الوعي وتفكيكه عبر عمل فني بامتياز، كأن القطار القادم من عمق المسرح لم يُصنع خصيصًا لدهس بطلة العرض التي تنهي جميع قضاياها مع الله والإنسان والعالم، حتى مع ذاتها المنسحقة تحت وطأة التحرر من ذنب أن تقتل طفلتها.
أداء مروة عبد المنعم: تمكن مدهش في تجسيد المونودراما
أظهرت الفنانة «مروة عبد المنعم» تمكنًا مدهشًا من جوانب الشخصية على تعقيداتها، وعلى الرغم من الصعوبة التي يواجهها الفنان في عروض المونودراما، فإنها تنتقل بسلاسة بين تصاعد الخط الدرامي/النفسي للشخصية، والتحولات التي تطرأ عليها مع تطور الحدث المسرحي؛ فبين مشاهد استدعاء معاناتها في الماضي، وبين قسوة رحلتها في بلاد غريبة تحت عصمة زوج جردها حتى من صورتها المبنية عن عفة المرأة وغيرة الرجل، وبين تعلقها الطفولي بالبراءة ممثلة في حب الطفولة المفتقدة -البراءة الغائبة-، حملتنا بحمولة شعورية وفنية جديرة بانتزاع إشادة الجمهور خلف كل مشهد.
وأخيرًا، لا يسعني سوى أن أدعو المشاهد لحضور عرض في مجمله يثير عديدًا من القضايا التي يجب أن تشغل حيزًا جادًا من وعينا المعاصر، آملًا أن يظل مسرحنا المصري رائدًا في عمليات التنوير وتفكيك ما رسخته بيننا ظروف اجتماعية دفعتنا بعيدًا عن هويتنا؛ فالحرية الحقيقية، كما تصدق المقولة دائمًا، تبدأ من المسرح.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.