يطل علينا الأديب والمسرحي المصري نعيم الأسيوطي كقامة إبداعية استثنائية استطاعت أن تمزج بين العمل المؤسسي الثقافي وبين غزارة الإنتاج الأدبي الذي يغوص في تفاصيل الروح البشرية. في مشروعه الإبداعي، لا سيما في مسرحية «الرَّحايا»، يتجاوز الأسيوطي حدود الحكاية التقليدية ليقدم لنا حالة ذهنية معقدة عن الإنسان المحاصر بين تروس الحياة والسلطة. في هذا المقال، نبحر في عالم نعيم الأسيوطي ونحلل ملامح عبقريته المسرحية والقصصية.
تقدم «الرَّحايا» رؤية مسرحية ذهنية تجعل الإنسان نموذجًا مسحوقًا داخل منظومة سلطة تدور به في حلقة عبثية تكشف اغترابه وعجزه.
نبذة عن الكاتب نعيم الأسيوطي
يُعد «نعيم الأسيوطي» واسمه الحقيقي عبد النعيم علي محمد (من مواليد مدينة أسيوط عام 1951 م) قامة إبداعية مصرية متعددة المواهب، حيث برز كأديب، وقاص، ومسرحي، وباحث في التراث الشعبي، واتسمت مسيرته المهنية بالثراء، إذ زاوج بين العمل الثقافي المؤسسي داخل أروقة وزارة الثقافة المصرية وبين الإنتاج الأدبي الغزير الذي نال عنه تكريمات عدة.

تميز بمشروعه الفكري الذي يهدف إلى توثيق الذاكرة الثقافية وصيانة التراث غير المادي، مما جعله واحدًا من أبرز الوجوه الثقافية في صعيد مصر، وحصل على عدد من الجوائز والدروع، ونال التكريمات، من الهيئة العامة لقصور الثقافة وعلى مستوى مصر.
أهم المناصب التي تولاها
- مدير عام المستشفى الجامعي بأسيوط، وهي وظيفته الرئيسة.
- عضو «اتحاد كتاب مصر».
- محاضر مركزي بالهيئة العامة لقصور الثقافة.
- رئيس تحرير مجلة اللقاء لفرع ثقافة أسيوط من عام 2013 : 2015.
- رئيس مجلس إدارة نادي أدب قصر ثقافة أسيوط.
- أشرف على إصدار عدد من السلاسل الثقافية والمجلات الأدبية الإقليمية.
أهم أعمال نعيم الأسيوطي في المسرح والدراما الحركية
- «شموع» (دراما حركية - الجزء الأول، صدر عن الهيئة العامة للكتاب عام 2007 م).
- «رحلة الملك تختوخ» (مسرح، صدر عن دار البيان عام 2009 م).
- «الرحايا» (دراما حركية - الجزء الثاني، صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2020 م).
أهم أعماله في المجموعات القصصية
- «دائرة السكر» (مجموعة قصصية، صدرت عن دار هيباتيا عام 2011 م).
- في القصص القصيرة جدًا:
- «عشق» (صدرت عن دار الإسلام بالمنصورة عام 2013 م).
- «الحاوي» (صدرت عن دار الإسلام عام 2014 م).
- «محكمة» (صدرت عن دار الإسلام عام 2017 م).
أهم أعماله في الحكايات والتراث
- «من حكايات العمة بهية» (صدرت عن المركز الأدبي للتنمية الثقافية بأسيوط عام 2016 م).
قراءة نقدية في مسرحية «الرحايا»
يبدأ النص من غلافه؛ الكرسي الوحيد تحت بقعة ضوء خافتة يلقي بظلاله الطويلة والمشوهة على الأرض.

الكرسي هنا ليس أداة للراحة، بل هو بؤرة السلطة أو رمز الانتظار العبثي.
العنوان «الرَّحايا» يوحي بالدوران اللانهائي، بالطحن، وبفقدان الجوهر؛ فالرحايا لا تنتج شيئاً دون أن تُهشم أجزاءً أخرى، وهو ما يضعنا مباشرة أمام نص يعالج "طحن" الإنسان داخل تروس الحياة أو السلطة أو الزمن.
أولًا: المسرح الذهني وانكسار الواقعية
ينتمي نعيم الأسيوطي في «الرَّحايا» إلى تيار يمزج بين الواقعية الفجة والرمزية الذهنية. النص لا يسعى لتقديم حكاية تقليدية (بداية، عقدة، حل)، بل يقدم "حالة".
الشخصيات داخل "الرحايا" ليست شخوصاً نامية بالمعنى الكلاسيكي، بل هي "نماذج" إنسانية تعاني من حصار الوجود. الحوار لديه ليس مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل هو أداة لكشف العجز؛ حوارات دائرية تعكس دوران "الرحايا" التي تطحن الأحلام والآمال.
ثانيًا: صراع السلطة والجسد المستلب
استكمالًا لمشروعه الذي بدأه في نصوصه القصصية (مثل الحاوي)، يبرز في «الرَّحايا» مفهوم "الجسد كموضوع للقمع". الشخصية المسرحية هنا محاصرة بظلالها، محكوم عليها بالبقاء في مساحة ضيقة (الكرسي/ المسرح/ الغرفة)، مما يحيلنا إلى رؤية "ميشيل فوكو" حول الانضباط والعقاب. "الرحايا" هي تلك المؤسسات غير المرئية التي تعيد تشكيل وعي الفرد قسراً، وتجعل من صراخه مجرد صدى لا يسمعه أحد.
ثالثًا: الزمكان كزنزانة شعورية
الزمن في المسرحية ليس خطيًا، بل هو زمن سائل يذوب فيه الماضي بالحاضر.

المكان يبدو مفتوحًا لكنه في الجوهر "مغلق"؛ تمامًا كأجواء "صمويل بيكيت". هذا الضيق المكاني يعزز الشعور بالاغتراب؛ فالشخصيات تتحرك داخل "الرحايا" لكنها لا تبرح مكانها، مما يولد حالة من الكوميديا السوداء التي تضحكنا على مآسينا الشخصية.
رابعًا: اللغة المسرحية.. من البيان إلى التفتت
- يستخدم نعيم الأسيوطي لغة مسرحية تمتاز بـ "اقتصاد التعبير".
- الجمل قصيرة، مشحونة بالدلالات، وتعتمد على "البياض" أو الصمت المسرحي .
- الصمت في «الرَّحايا» فعل درامي لا يقل أهمية عن الكلام؛ فهو يمثل لحظة الإدراك بالفراغ، أو لحظة العجز عن مواجهة طحن الأيام.
خاتمة رؤيتي النقدية
إن مسرحية «الرَّحايا» لنعيم الأسيوطي هي صرخة جمالية ضد التنميط. إنها نص يدعو المشاهد/ القارئ لا ليتفرج، بل ليتأمل موقعه الخاص داخل "رحايا" العالم المعاصر. هل نحن المحركون لتلك الرحايا؟ أم نحن الطحين الذي يخرج منها بلا ملامح؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.