مسحراتي العروبة.. فؤاد حداد

من منا لا يعرف المسحراتي، ذلك البشوش الذي يدق بطبلته في ليالي رمضان ليوقظ النائمين، لصلاة القيام وتناول السحور، وعلى الرغم من تغير الزمن الذي أصبح فيه الصائمون ينامون بعد صلاة الفجر متمتعين برخصة تناول الطعام والشراب طوال الليل، إلا أن هذه المهنة لم تختفي وتبقى رؤية المسحراتي وهو يجوب الشوارع ليلاً من أجمل المشاهد التي تطفي على شهر رمضان دفئاً وسحراً خاصاً.

واليوم أكتب لكم عن مسحراتي الكلمة، الشاعر الكبير فؤاد حداد الذي أبدع في ديوانه الأشهر "المسحراتي"، والذي تحول بعد ذلك إلى برنامج إذاعي ثم تلفزيوني، يوقظ في المستمعين الهمم ويعلمهم معنى حب الوطن، الوطن العربي الكبير....

هو فؤاد سليم أمين حدّاد، المولود بحيّ الظاهر بالقاهرة في 28 تشرين الأوّل/ أكتوبر1928، والده من بلدة "عبيه" بلبنان، وأسرته مسيحيّة بروتستانتيّة.

اهتمّ الوالدان بتعليم سليم حتّى تخرّج من الجامعة الأميركيّة في بيروت، متخصّصاً في الرياضيّات الماليّة، وجاء إلى القاهرة ليعمل مدرّساً بكليّة التّجارة بجامعة فؤاد الأوّل "جامعة القاهرة حاليّاً"، ويحصل على لقب البكويّة، وعندما أُنشئت نقابة التجاريّين في مصر، منحتْه العضويّة رقم واحد.

أمّا والدته زكيّة، فهي من مواليد القاهرة في 19 حزيران/ يونيو 1907، جاء أجدادها السريان الكاثوليك إلى مصر واستقرّوا فيها وولد أبواها في القاهرة، أبوها من عائلة أسود التي جاءت من دمشق الشام وأمّها من عائلة بولاد من حلب، وفي المعتقل تحوّل "فؤاد حدّاد" إلى الإسلام.

يقول فؤاد حدّاد عن نفسه:

"أنا مصريّ من أصلٍ شاميّ لا يغتفر احتشامي

هينطلق من حيشاني صوت الجموع المفرد" 

تعلّم في مدرسة الفرير ثمّ مدرسة الليسّيه الفرنسيّتين، اطّلع مبكّراً على التراث الشعريّ العربيّ في مكتبة والده، وكان منذ طفولته يريد أن يصبح شاعراً، ولمّا سُئل عن السبب أجاب "لأساعد النّاس حتى تكون حياتهم أفضل". 

بدأ فؤاد حدّاد النشاط الأدبيّ تزامناً مع نشاطه السياسيّ كشيوعيّ حتى النّخاع، عام 1944 وهو تلميذٌ بالمدرسة حيث كان ينشر قصائده في الدوريّات الأدبيّة والجرائد الحزبيّة، وأوّل دواوينه كان اسمه "أفرجوا عن المسجونين السياسيّين"، وقد اختار هذا الإسم الجريء في تلك الفترة انطلاقاً من موقفٍ وطنيٍّ وسياسيّ واضح، وقد صدر هذا الديوان عام 1952 تحت اسم "أحرار وراء القضبان"، وبسبب الرقابة والإسم الأصليّ صار اسماً للمقدّمة.

اعتُقل فؤاد حدّاد للمرّة الأولى من عام 1953 إلى 1956م، وقد أفرج عنه لمدّة شهرين فقط عام 1954، وخرج من المعتقل ليكتب كما لم يكتب من قبل، وصدر ديوانه الثاني "حنبْني السدّ"، وكتب بعدها محتفياً بكلّ حركات التحرّر الوطنيّ من كلّ أنحاء العالم.

اعتُقل فؤاد حدّاد للمرّة الثانية من نيسان/ أبريل 1959 إلى نيسان/ أبريل 1964م، وفي هذه السنوات الخمس كتب كثيراً رغم التعذيب والقهر، بل تفجّرت بداخله طاقاتٌ فذّة وصنعتْ تراثاً فريداً، ففي أيّام التعذيب في معتقل العَزَب، قرّر أن يكتب كلّ يوم قصيدة ليرفع من الروح المعنويّة لزملائه.

على مدار حياته، تنقّل فؤاد حدّاد بين الشيوعيّة والصوفيّة:

"واللي كفرت بالاشتراكيّة

والمكنة التشيكوسلوفاكيّة

بالتّذكرة كما بالتّزكية

بالمتشقلب بالمعدول

دلدول دلدول

كان عندي طاقيّة

طاقيّة شقيّة

من شقاوتها بقتْ طرطور"

من وحي تهاويم التصوّف وملكوته، كتب ديوان "المسحّراتي" الذي لحّنه وغنّاه سيّد مكّاوي، وديوان" الحضرة الزكيّة":

"يا أهل الأمانة والنّدى والشوق، يا مجمّعين

الشمل في الحضرة الزكيّة، أوِّل ما نبدي

القول نصلّي على النّبي

المصطفى سيّد ولد عدنان

كان ياما كان الليل وكان الليل

أخضر مندِّي بيسمع القرآن"

لقد كتب فؤاد عن كلّ شيء وعن كُل الناس، بنفَسٍ مصريٍّ وعربيّ وأمميّ، كانت فلسطين همّه الشخصي. 

وكتب مقدمة ديوان"المسحراتي" الروائي خيري شلبي، وجاء فيها: إن من يقرأ شعر فؤاد حداد، لابد أن يتغير تغيراً جذرياً، لا بد أن تنتفي من داخله، كل مشاعر الخور والهزيمة، والتحلل وعدم الشعور بالمسؤولية، قادر على تحدي الصعاب، أصبح إنساناً مسؤولاً بحق عن كرامته".

وفكرة المسحراتي تنطلق من فكرة مبتكرة ونادرة لا مثيل لها في تاريخ الشعر العربي، فإذا كان المسحراتي في التراث الديني يوقظ الناس يقظة مادية ليتناولوا طعام السحور وليلحقوا بصلاة الفجر، فإن المسحراتي عند فؤاد حداد هو الشاعر نفسه، يشد ويوقظ الأمة يقظة معنوية من نوم طال أمده، يوقظها على الحقائق الجوهرية التي يجب التنبيه إليها

فيقول المسحراتي:

مسحراتي في الطريق الصعب

منقراتي وكل دقة بقلب

إحنا الشعب

المصري أول سيرة الإنسان

إحنا من صخر العزيق والصبر

وإحنا من طل وندي المواويل

زي ما اتعود علينا النيل

زي ما اتعود علينا العطش

يمكن خطأنا في الزمان الطويل

كان من سبيل الرحمة والحنية

يصعب علينا في يوم نفارق عيالنا

وماجاش في بالنا

زي العرق: الدم يبني البيوت

لم يعش فؤاد حداد حياة طويلة، فقد رحل قبل أن يبلغ الستين، في الأول من مايو سنة 1985م، وهو المولود في سنة 1928، لكن رغم هذه الحياة القصيرة نسبياً، وكذلك رغم سنوات الاعتقال التي أمضاها في السجن، كان أغزر الشعراء كتابة للشعر، وعندما مات ترك عشرات الدواوين المخطوطة التي لم تنشر في حياته، ونشرت كاملة بعد ذلك تحت إشراف أسرته، وكانت آخر أبياته التي تركها على المكتب ليلة وفاته، يوم الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر1985م، هي الملخّص الوافي لسيرته:

"مات اللي كان حالف يموت ولا يقطَع دابر

أمل المساكين في الأكابر"

بقلم الكاتب


كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر