جولتنا اليوم ستكون لمسجد عالماً فقيها اشتهر بورعه وتقواه وعلمه ومحبه كل من عرفه وعندما مات تحول إلى مقصد للتبرك للكافة من البسطاء و حتى الملوك، هو الإمام الليث ابن سعد الذي تقع مقبرته و مسجده بشارع الإمام الليثي بين شارع السيدة عائشة و عين الصيرة بالفسطاط ويعتبر من الآثار الإسلامية الفريدة
ولكن من هو الامام الليثي
هو شيخ الإسلام أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي القلقشندي ولد 94 هجريا وتوفي 175 هجريا وهو فقيه ومحدث وإمام أهل مصر في زمانه، وصاحب أحد المذاهب الإسلامية، ولد في قرية قلقشندة بالقليوبية وأسرته أصلها فارسي من أصبهان، وكان أحد أشهر الفقهاء في زمانه،
وما ان يذكر الليث حتى يذكر معه كرمه وعطاياه للكبير والصغير، فقد كان أبوه واسع الغنى يملك ضيعة خصبة تنتج خير الثمرات من زرع وفاكهة ونشأ فى هذه الأجواء يحب الحياة ويقبل عليها غير مسرف فيها ولا ممسك وكان مثله الأئمة العظام جعفر الصادق وأبوحنيفة وقيل في سيرته: أنه لم تجب عليه زكاة قط لأنه كان كريما يعطي الفقراء في أيام السنة فلا ينقضي الحول عنه حتى ينفقها ويتصدق بها.
مات الليث في النصف من شعبان سنة خمس وسبعين ومائة أي قبل وفاة الإمام مالك بأربع سنوات وأقيمت له جنازة كبيرة في مصر وقد تلقى الليث العلم على أيدى علماء مصر ثم رحل عن مصر وهو في العشرين إلى مكة للحج سنة 113 هـ فسمع من علماء الحجاز. ثم عاد إلى مصر وقد علا ذكره حتى استقل بالفتوى في زمانه وعظمه أهل مصر حتى أن ولاة مصر وقضاتها كانوا يرجعون إلى رأيه ومشورته بل وتولى قضاء مصر في ولاية حوثرة بن سهل في خلافة مروان بن محمد كما عرض أبو جعفر المنصور عليه ولاية مصر فاعتذر.
كان لليث مجلسا يعقده كل يوم ويقسمه إلى أربعة أقسام الأول للوالي يستشيره في حوائجه فكان الليث إن أنكر من القاضي أو الوالي أمرا كتب إلى الخليفة فيأتي أمر العزل والثاني لأهل الحديث والثالث عام للمسائل الفقهية يفتي السائلين والرابع للناس ممن يسألونه المال فلا يرد أحدا مهما كبرت حاجته أو صغرت.
لم يهتم الليث بن سعد بتصنيف المصنفات، فلم يصل لأيدينا سوى شذرات مما نقل من علمه أمثال كتابي «عشرة أحاديث من الجزء المنتقى الأول والثاني من حديث الليث» الذي كان مضمونًا في كتاب «الفوائد» لابن منده و«جزء فيه مجلس من فوائد الليث بن سعد»
وهو من فقهاء التنوير وراوى أحاديث الجمال والمحبة.. فهو قد اشتكى للخليفة من أحد ولاة مصر الذين أمروا بهدم بعض الكنائس فعزله الخليفة عن الولاية وأمر بإعادة بناء الكنائس القديمة وإضافة كنائس جديدة
ووضع خارطة إصلاح مصر فى مقولته الشهيرة لهارون الرشيد قائلا:
صلاح بلدنا بإجراء النيل وإصلاح أميره ومن رأس العين يأتى الكدر فإذا صفا رأس العين صفت السواقى.
ويقول الإمام الشافعى عن الإمام المصرى الليث بن سعد هو نصير الفقراء وظهير الضعفاء. عزيز النفس. صافى الوجدان و كان الشافعى يقول: "الليث أفقه من مالك إلا أن قومه أضاعوه وتلاميذه لم يقوموا به".
نعم لقد أضعنا هذا الإمام الفقيه المحدث الكريم، واسع العلم شديد الهمة، سخى القلب والروح واليد، وللأسف مازلنا نضيع هذا الفقيه العالم المصلح الحالم، تاركين أثره ومدرسته الفقهية الرفيعة لتغوص فى النسيان وتذبل عبر الأزمان، فبرغم شهرة الإمام الليث بن سعد الكبيرة لكن تلامذته لم يحفظوا أثره، حتى أن الإمام الشافعي الذى حاول أن يجمع من تراثه وآثاره قدر ما يستطيع عانى كثيرا فى سبيل هذا الغرض، ويستمر التجاهل المرير الذى ضيع جهد الإمام كما يستمر الجهل بقيمته حتى عصرنا الحاضر ليعاني الأديب الكبير عبدالرحمن الشرقاوى وهو يجمع ما ورد عنه ليضمنه فى كتابه الممتع "الأئمة التسعة" من نفس المأساة التى عانى منها الإمام الشافعي، حتى أنه حينما ذهب إلى مسجد الإمام بالقاهرة وجد جامعه وقد ضربه الإهمال وتسللت إليه الماعز "فأكل ما بالمكتبة من كتب ومخطوطات وكنوز علمية ثمينة.
وكانت وفاته عام 175هـ/ 791م، وقال خالد بن عبد السلام الصدفي: "شهدت جنازة الليث بن سعد مع والدي فما رأيت جنازة قط أعظم منها رأيت الناس كلهم عليهم الحزن وهم يعزي بعضهم بعضا ويبكون فقلت: يا أبتِ كأن كل واحد من الناس صاحب هذه الجنازة. فقال: يا بني لا ترى مثله أبدا وصلى عليه موسى بن عيسى الهاشمي والي هارون الرشيد على مصر.
دفن الليث بن سعد في مقابر الصدفيين و دفن بالمقبرة الصغرى في ضريح الإمام الشافعي و كان قبره في البداية على هيئة مصطبة حتى بنى أبو زيد المصري أحد كبار تجار مصر عليه قبة بعد سنة 640 هـ وصار مسجدا ثم تعاهد بعده عدد من الأعيان تجديد القبة ثم أضاف لها الأمير يشبك بن مهدي سنة 884 هـ مئذنة في عهد السلطان الملك الأشرف قايتباي ثم جدد السلطان قنصوه الغوري المسجد في رجب 911 هـ، ومن بعده جدده الأمير موسى جوريجى ميرزا مستحفظان في ذي القعدة سنة 1138 هـ و المـسـجد قامت ببنائه وتجديده وزارة الأوقاف وذلك في عـهـد خديوي مصـر عبـاس حلمي الثاني ســنة 1322 وذلك يظهر من الكتابة الكوفية على المنبر..
وصف الجامع:
يتكون الجامع من مستطيل تتقدمه عدة مداخل، تهبط إلى المدخل الأول عدة درجات، ويلي المدخل الخارجي باب آخر يؤدي إلى طرقة كبيرة بها عمودان رخاميان، ثم يتأتي الباب الثالث الذي جدده السلطان الغورى سنة 911 هجرية، وقد ركب على هذا الباب مصراعان من الخشب ذي الزخارف المحفورة حفراً عميقا، نقلا إليه من مسجد الإمام الشافعي ومؤرخ سنة 608 هجرية، ويؤدى الباب إلى المسجد المستطيل وينتهى بحائط القبلة حيث يوجد المحراب والمنبر وداخل المسجد يوجد ثلاثة مقامات مقام الامام الليثي وسيدى شعيب وسيدي جعفري ويقال إنهم ابناؤه.
ويقال إن مسجده وضريحه مكان مستجاب فيه الدعاء لذا كان ملجأ على حد سواء للبسطاء والملوك فقد كان ملوك مصر يقصدونه للزيارة والتبرك خاصة السلطان قايتباي والسلطان الغوري وطلب ما يتمنون، لكن مع مرور الزمن أصبحت تلك المقامات منسية ولا يعرفها الكثير منا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.