بين الذكاء الاصطناعي والحرف اليدوية مستقبل الوظائف في خطر

نسمع كثيرًا في السنوات الأخيرة أن العصر الحالي هو عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ونقرأ تقارير عن استبدال العنصر البشري في أعمال كثيرة بتكنولوجيا متقدمة توفر الوقت والمال والمجهود وتزيد الأرباح والعوائد، كما تقدم جودة ودقة كبيرة في المنتجات وأيضًا تلبي احتياجات ورغبات المستهلك.
وفي ظل هيمنة شركات التكنولوجيا حاليًّا على النصيب الأكبر من الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة في سوق الأعمال في جميع أنحاء العالم، وفي ظل خسارة كثير من الموظفين لوظائفهم واستبدالهم بالآلات والتكنولوجيا، نرى أن ظاهرة البطالة تتزايد يوميًّا.

وعلى الرغم من التقدم التكنولوجي الحالي، نرى أن الأزمات الاقتصادية العالمية تزيد؛ ذلك لأن معظم أصحاب رؤوس الأموال يتجهون للاستثمار معظم مدخراتهم في قطاع التكنولوجيا، وأيضا الكثير من الدول تتجه لفرض التكنولوجيا الحديثة لتستخدم في كثير من الدوائر الحكومية وخفض العنصر البشري العامل في المؤسسات الحكومية.

حينئذ يكمن سؤال هؤلاء الذين يفقدون وظائفهم بسبب استبدالهم بالروبوتات أو برامج الحاسوب أو اندثار وظائفهم نتيجة استحداث وظائف أخرى تديرها البرامج والتطبيقات والذكاء الاصطناعي، من أين يحصلون على دخل يكفي سد احتياجاتهم اليومية سواء الشخصية أو الأسرية؟

هل يمكن الاستغناء عن العنصر البشري مع ظهور الذكاء الاصطناعي؟

نرى جميعنا أنه في الدول التي تُسمى نامية هناك ظاهرة متأصلة من عشرات السنوات، وهي تعدد الوظائف لكل فرد، إذ يعمل الفرد في أكثر من وظيفة وفي عدة مجالات مختلفة لتحسين دخله وسد احتياجاته، هذه الظاهرة هي حل لما يحدث الآن. كيف؟

ولنفترض أن أستاذ كاف، موظف بشركة ما، يعمل في وظيفة محلل بيانات، وهو على رأس عمله منذ 15 عامًا، فهو صاحب خبرة ومهارة تمكِّنه من أداء وظيفته بالشكل والجودة والوقت المطلوبين، ومنذ نحو شهر اشترت الشركة التي يعمل بها برنامجًا يعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات بحجة أن هذا البرنامج يوفر الوقت ويعطي نتائج صحيحة بنسبة خطأ لا تتعدى 1%. ويوفر تكلفة كثيرة على الشركة، ولذلك وضعت الشركة عدة خيارات كالتالي:

أولًا) تدريب الأستاذ كاف على استخدام البرنامج الجديد مع خفض الراتب.

ثانيًا) نقل الأستاذ كاف لقسم آخر داخل الشركة مع خفض الراتب.

ثالثًا) فصل الأستاذ كاف من مهام وظيفته واستبداله بالبرنامج.

وكان القرار النهائي هو فصل الأستاذ كاف من مهام وظيفته؛ هنا فوجئ الأستاذ كاف بقرار فصله من عمله الذي يتقنه طول 15 عامًا، وأن سوق العمل الآن يتجه لاستبدال وظيفته ببرامج حديثة تعمل بالذكاء الاصطناعي فقلَّ عدد الوظائف المعروضة، ثم إن مستوى الرواتب لنفس المسمى الوظيفي ونفس عدد سنوات الخبرة أصبح أقل من ذي قبل، ولا يوجد طلبٌ على وظائف لنفس الوظيفة التي يعمل بها في معظم الشركات ومع استمرار الكثير من الشركات بفصل واستبدال الموظفين من وظائفهم؛ وفي النهاية أصبح عدد العاطلين عن العمل كبيرًا، والشركات تصبح أكثر جشاعة واستغلال.

مستقبل الوظائف مع الذكاء الاصطناعي

حينئذ يكمن أمام الأستاذ كاف حلَّان:

الأول هو العمل في وظيفة أخرى براتب أقل وعدد ساعات أكبر وفي مجال مختلف.

الثاني هو ممارسة مهن وحرف يدوية، كيف هذا؟

الأمر سهل جدًا، إذ لا يمكن استبدال السباك أو النجار أو الحداد وغيرهم من أصحاب الحرف بالتكنولوجيا. فأنت لا تستطيع استئجار روبوت كي يصلح أنبوب المياه في شقتك كمثم إنك لا تستطيع أن تستخدم برنامج أو تطبيق للحام وصيانة باب بيتك مثلًا، أنت مضطر لاستخدام عامل أو مهني لديه خبرة للقيام بذلك العمل، فتصبح التكنولوجيا عاجزة أمام العنصر البشري.

ويصبح من الضروري توافر أصحاب المهن والحرف في المجتمع، مثل المزارعين والنجارين والصباغين وغيرهم، هذه الفئة من أصحاب المهن تُعدُّ مهمة جدًّا لاستمرار المجتمعات، واقتصاد الدولة، بل والاقتصاد العالمي.

أصحاب الحرف اليدوية في أمان

إن التكنولوجيا الحاديثة مهمة جدًّا، لا يمكن إنكار ذلك؛ واستخدام التكنولوجيا الحديثة مهم جدًا في أمور كثيرة، ولكنه في الوقت نفسه سلاح ذو حدين إذا لم يتم توظيفه والاستفادة منه بالشكل الصحيح وبما يدر على المجتمعات التقدم والرفاهية ويسد التقصيرات الموجودة بالعنصر البشري، فستصبح تلك التكنولوجيا مصدرًا لانعدام تلك المجتمعات.

يمكن التغلب على ظاهرة ضعف الاقتصاد وقلة الدخل وزيادة البطالة بتوطين المهن والحرف في المجتمعات، فكما أن الشركات دائما ترغب في توظيف أصحاب المهارات التقنية؛ المجتمع دائمًا يرغب في وجود أصحاب المهن والحرف.

الآن على كل فرد من أفراد المجتمع مهما كانت درجته الوظيفية أن يتعلم مهنة أو حرفة تكون ملاذًا آمنًا له وقت التدهور الاقتصادي أو الكوارث الاقتصادية، ومع قلة فرص العمل واندثار الكثير من الوظائف في المستقبل القريب سيكون فرضًا على كل موظف تعلم مهنة أو حرفة تعينه على سد احتياجاته المعيشية، ولذلك أنصح بأن تبدأ بتعلم مهنة أو حرفة وتعليم أولادك مهنة أو حرفة، لا نفرق هنا بين رجل أو امرأة أو رب أسرة أو ربة أسرة أو أطفال أو كبار، الكل يبدأ بتعلم مهنة وحرفة.

في النهاية، يظهر أن مستقبل الإنسان المهني يعتمد على قدرته على التكيّف لا المنافسة مع التكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي ليس خصمًا يجب مقاومته، بل أداة يجب توظيفها بذكاء. ومع ذلك، تظل الحرف اليدوية والمهن العملية الحصن الأخير الذي يصون كرامة الإنسان الاقتصادية. إن الجمع بين المعرفة التقنية والمهارة اليدوية هو ما سيخلق التوازن في سوق العمل القادم، ويمنح المجتمعات مرونة في مواجهة الأزمات الاقتصادية؛ لذلك فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الآلات، بل في الإنسان المتقن لعمله.

إذا كان لدى أي قارئ لهذا المقال فكرة أو توجيه أو نصيحة، أرجو ألا تحتفظ بها، وسأكون سعيدًا بأن تشاركني ملاحظاتك وتعليقاتك.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة