مسألة الأجناس الأدبية هي من أقدم المباحث في مجال الشعريات، فمنذ أرسطو في كتابه «فن الشعر» حتى أيامنا هذه، لم ينقطع الجدال في تعريف الأجناس الأدبية وعددها وعلاقاتها فيما بينها. وقد تعدَّدت المدارس النقدية التي اهتمت بقضايا «التجنيس» في الأدب من واقعية إلى تاريخية، فنظريات نفسية، ومن شكلانية إلى بنيوية وسيميائية ونقد ثقافي وغيره.
مفهوم نظرية الأجناس الأدبية
يقصد بنظرية الأجناس الأدبية في مختلف هذه المدارس تلك القوالب الفنية المجردة والعامة للأدب بصرف النظر عن المؤلف أو العصر أو المكان أو اللغة. أي، هي نظرية «جامعة مانعة» كما يقول العرب القدامى من جهة أنها تجمع النصوص المختلفة لتردها إلى المشترك، ومن جهةٍ، كونها تمنع التباسها بغيرها. فالجنس الأدبي من هذه الناحية هو تصنيف إجرائي ومقولة تُمكننا من ضم عدد من النصوص بعضها إلى بعض بناء على مشتركات بينها وخصائص تميزها عن غيرها.

وبناءً على هذا التحدي، طرح النقد الحديث أسئلته المتعلقة بنظرية الأجناس الأدبية ولخصها في الإشكاليات التالية:
ماذا يعني الجنس الأدبي؟ وكيف يُمكن تصنيف الأجناس بدقة واعتمادًا على معايير مضبوطة وواضحة في ضوء تداخلها وتغيرها المستمر وتفاعلها فيما بينها؟ وما العوامل الفنية والسياقات الاجتماعية والثقافية التي تُسهم في تشكل جنس أدبي جديد وولادته؟
دور علم البيولوجيا والبنيوية في تصنيف الأجناس
وقد كان للطفرة العلمية الحديثة وتنافذ العلوم بعضها على بعض دور كبير في تطور النقد الأدبي، لا سيما مع المدارس البنيوية التي استفادت في «نظرية الأجناس» من علم البيولوجيا الذي صنف الكائنات الحية تصنيفًا دقيقًا بناء على خصائصها المشتركة، فالكائنات تنقسم إلى أجناس، وكذلك هي الأجناس الأدبية الحديثة في تصور البنيوية، إذ نجد مثلًا السرد أو الحكي أو القص جنسًا نثريًّا تتفرع عنه أنواع وأنماط متشابهة ومتباينة في آن، منها الرواية والرواية القصيرة والقصة والقصة القصيرة والومضة القصصية. فهي متشابهة بحكم وحدة الأصل القصصي الذي يجمعها، وهي متباينة بسبب الخصوصيات والمسارات التي تجعل كل شكل منها منفردًا ومختلفًا.
هيمنة الرواية الأدبية على النوفيلا
تربعت الرواية على عرش الأدب عامة، واستحوذت على كل أنواع السرد قديمها وحديثها وهضمتها لما تتميز به من مرونة أجناسية وقدرة على التطور ومضمونًا، وقد نجحت الرواية في أن تصنع جمهورها الخاص في الغرب كما في العالم العربي، وأن تكتسب بعدًا إنسانيًا كونيًا لا تقف اللغة حاجزًا أو عائقًا أمام انتشاره، وهو ما جعل جائزة نوبل للآداب تُسند إلى أدباء من أنحاء العالم ومن خارج الفضاء الأوروبي واللاتيني يكتبون بلغاتهم القومية الخاصة، منهم الأديب المصري الكبير نجيب محفوظ.

وقد تدعم موقع الرواية بين الأجناس القصصية مع المدونة النقدية التي رافقتها، وسهلت استقبالها وفهم تجاربها المتنوعة وتقنياتها.
نجيب محفوظ ورواد الرواية القصيرة -النوفيلا- في العالم العربي
بالتوازي مع حضور الرواية، نجحت النوفيلا التي اتخذت لها مسارًا خاصًا في افتكاك موقع لها، خاصة أن روادًا التزموا بالكتابة في هذا النوع، من أشهرهم في العالم إدغار آلان بو، والفرنسي غي دو موباسان، والروسي أنطون تشيخوف، وفي العالم العربي محمود تيمور، ويوسف إدريس، وزكريا تامر، ويحيى حقي، وعلي الدوعاجي.
الرواية القصيرة بين رحابة الرواية وكثافة القصة
في المقابل، تقف الرواية القصيرة أو «النوفيلا – Novella» في منطقة وسطى بين رحابة الرواية وكثافة القصة القصيرة، بين طول الرواية وقصر القصة القصيرة. هذا النمط السردي الذي يتميز بطوله المتوسط يبدو جنسًا أدبيًا قائمًا بذاته، له خصائصه البنائية والفنية التي تميزه وتمنحه هويته الفريدة، وعلى الرغم من أنَّ كثيرًا من النقاد والقراء يتحفظون عليه ويسارعون إلى رده إلى المتعارف من الأنواع القصصية، فهو عند بعض النقاد تنويع على الرواية، وعند آخرين لا يعدو أن يكون قصة.

إن فهم الرواية القصيرة أو «النوفيلا» يتطلب تجاوز إشكالية التعريف القائم على عدد الكلمات ومعايير الكم فحسب، إلى الغوص في عمق بنيتها السردية، وتقنياتها، وطريقة معالجتها للأحداث والشخصيات، وقدرتها على تحقيق أثر فني عميق، وانتهاء بالوقوف على الرؤية الثقافية والخلفية الفلسفية التي تحكمها.
الخصائص البنائية والمعايير الفنية والجمالية للقصة القصيرة
تواجه الرواية القصيرة -النوفيلا- اليوم صعوبات في تقبلها في العالم العربي لأسباب، منها أنها لا تزال في مرحلة البدايات ولم تشتهر شهرة بقية الأجناس السردية، ومنها كذلك أنها تفتقر إلى مدونة نقدية تسندها، وقد تصطدم بتصنيف أجناسي يُقصيها من دائرة الأنواع السردية أو يُرجعها إلى أصل أعلى «الرواية»، أو يرتد بها إلى فرع أصغر «قصة قصيرة».
والحال أنها، كما يقول الكاتب العراقي شاكر الأنباري: ذلك النص الذي «لا يمكن النظر إليه على أنه حجم لقصة قصيرة، ولا يمكن النظر إليه على أنه حجم لرواية طويلة، وهو حجم غير محكوم بعدد معين من الكلمات، فالفن لا يخضع لمثل هذه القيود الصارمة».
وقد ذهب النقاد الذين اهتموا بها إلى محاولات لوضع خطوط تمايز بينها وبين الرواية من جهة، والقصة القصيرة من جهة أخرى. ذلك أن الرواية القصيرة تقع على التخوم تمامًا لنظرية الأجناس الأدبية، فهي تأخذ من القصة بعض خصائصها، وفيها من ملامح الرواية الشيء الكثير، وقد توظف تقنيات سينمائية مثل الكتابة المشهدية وتصوير الحدث من زوايا مختلفة ووجهات نظر متعددة، وقد نجد فيها بعض التقنيات المسرحية كتقنية القناع والمراوحة بين الظهور والتخفي.
تحليل الدكتور أبو المعاطي الرمادي لخصائص الرواية القصيرة
بعيدًا عن المعايير الكمية التي تحصي عدد الكلمات أو عدد الصفحات، ذهب الباحث المصري الدكتور أبو المعاطي الرمادي في أطروحته التي نال بها درجة الدكتوراه سنة 2003، إلى تحديد المعايير التالية التي تجعل من نص ما رواية قصيرة حسب رأيه، وهي: حجم وجيز / استهلال ذو طبيعة خاصة / لغة شعرية مكثفة / ازدواجية الدلالة والإيحاء والرمز / نوعية خاصة من الأبطال / حبكة مركزية واحدة مع مسارات فرعية ثانوية / اختزال وإضمار في الأحداث / وجهة نظر خاصة للواقع / وصف موجز / مكان وزمان لهما طبيعة خاصة / ملمح السخرية أو السوداوية / إثارة الأسئلة دون الاهتمام بطرح الأجوبة / تجريب تقنيات سردية جديدة.

مستقبل الرواية القصيرة وإيقاع العصر
بينما نبَّه نقاد آخرون، منهم الباحث والكاتب والناقد العراقي حكمت الحاج (مدير موقع كناية)، ومنيب محمد مراد (مدير تحرير موقع باحثو اللغة العربية)، إلى أن الرواية القصيرة -النوفيلا- قد تكون أكثر انسجامًا مع إيقاع العصر السريع. أي إن القارئ نفسه تغير بسبب ضغوط الحياة المتزايدة ونسقها المتسارع، فهو قارئ متعجل قد لا يجد وقت فراغ كافيًا لقراءة نص طويل، وبذلك يرى هؤلاء النقاد أن الرواية القصيرة شأنها في ذلك شأن كل الأجناس الأدبية، قد تتولد من سياقات اجتماعية وثقافية جديدة، وقد تكون اليوم أكثر انسجامًا مع حاجات المجتمع وشواغله. أي لا بد من الاعتراف اليوم بوجود أنماط مختلفة من القراء، فمقابل القارئ النهم المتأني والمتفرغ الذي يقرأ رواية ذات صفحات كثيرة، يوجد قارئ متعجل يفضل الروايات القصيرة أو «النوفيلا» التي تناسب وقته الضيق.
واستنادًا إلى كل هذه الآراء، يمكن التأكيد على أن الرواية القصيرة أو «النوفيلا» هي أكثر بكثير من سرد نثري متوسط الطول، إنها نمط فني متكامل، له تاريخه العريق، وخصائصه الفنية المتميزة، وقدرته الفريدة على تقديم تجربة قرائية مكثفة وعميقة يكون فيها القارئ شريكًا فعليًا في بناء الأحداث وتخيل الوقائع واستكمال الوصف.
بتركيزها الحاد، وبنائها المحكم، وتقنياتها السردية المتنوعة، ومرجعياتها الفلسفية المختلفة، وكثافتها الرمزية، تقدم «النوفيلا» رؤية فنية للعالم تختلف نوعيًا عن تلك التي تقدمها القصة القصيرة أو الرواية. إنها تقترح على قارئها «رؤية جمالية» جديدة من خارج الأجناس المألوفة وطرائق الكتابة المعهودة.
ولذلك يرى كثير من النقاد أن الرواية القصيرة سيكون لها مستقبل واعد، خاصة أنها نص يمكن نشره وقراءته إلكترونيًا مع تنامي الإقبال على الوسائط الحديثة التي بدأت في تعويض الورق والكتاب شيئًا فشيئًا. وقِصَرُها الذي كان عائقًا في انتشارها بالأمس قد يكون سبب ازدهارها غدًا مع هذا التحول الذي يشهده عصرنا من النشر الورقي إلى النشر الإلكتروني ومن القراءة إلى التصفح.
👏🌹
كل الشكر
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.