يبدو أن الـNFT والفن الرقمي يتجهان نحو الاستدامة والاندماج الوثيق مع التقنيات الحديثة، وذلك من خلال الانتقال من التركيز على المضاربة السريعة إلى إثبات الملكية الفكرية ومحاولة التكامل مع الذكاء الاصطناعي، وإيجاد الطرق لتطوير التجارب الافتراضية التفاعلية التي تتجاوز حدود الصورة الرقمية التقليدية، وفتح مجالات جديدة للاستخدامات العملية في الشركات والألعاب، وعدم الاقتصار على اللوحات الفنية.
وفي هذا المقال نلقي الضوء على مستقبل الـNFT والفن الرقمي، وكيف يعيد الـNFT تعريف مفهوم الأصالة في عصر النسخ الرقمي، وكيف يتحول من أداة للمضاربة المالية السريعة إلى قيمة استثمارية مستقرة، وكيف يساهم الفن الرقمي في تمكين الفنانين من الدول التي لا تمتلك أسواقًا فنية قوية.
ما هو الـNFT وكيف يحمي حقوق الملكية الفكرية؟
الـNFT هو اختصار لعبارة الرموز غير القابلة للاستبدال، الذي يعبر عن الأشياء الفريدة التي لا يمكن تعويضها بمثلها، مثل اللوحات الفنية الشهيرة التي لا يمكن استبدالها بنسخة مقلدة مهما كانت جودتها. ويتم تسجيل رموز الـNFT على شبكة البلوكتشين، وهي شبكة عالمية تشبه الدفتر الرقمي العام، والتي تحظى بأمان كبير وموثوقية عالية، ويصعب تزويرها أو التعديل عليها، وبالتالي تحمي حقوق الفنانين والمبدعين من خلال 4 طرق أساسية كالتالي:
- إثبات الأصالة والمنشأ: يتم تسجيل هوية المبتكر الأصلي للعمل وتاريخ إنشائه من خلال الـNFT، وبالتالي يستطيع أي شخص التأكد من المالك الحقيقي ولا يستطيع أي مدعٍ أن ينسب العمل لنفسه.
- العقود الذكية التلقائية: في هذه الخطوة يتم كتابة عقد ذكي ووضع شروط الملكية، ويتم تنفيذ العقد بشكل تلقائي دون الحاجة إلى وسطاء أو محامين.
- العوائد المالية المستقرة: من خلال التسجيل والعقد الذكي، يضمن الفنان الحصول على عوائده ونسبة أرباحه في كل مرة يُعاد فيها بيع عمله، بعكس النظام التقليدي.
- منع التزوير الرقمي: رغم أن أي شخص يستطيع نسخ الصورة الرقمية، فإن الـNFT يحمي صك الملكية، وبالتالي تكون أي نسخة مقلدة أو منسوخة بأي طريقة بلا قيمة، لأن شبكة البلوكتشين تعترف بمالك الصك الأصلي فقط.

كيف يعيد الـNFT تعريف الأصالة في عصر النسخ الرقمي؟
سيعيد الـNFT تعريف مفهوم الأصالة من خلال نقلها من شكل الشيء إلى ملكية الشيء نفسه، ففي الماضي كان العمل الفني الأصلي هو النسخة الوحيدة التي تلمسها يد الفنان، أما اليوم فقد غيرت التكنولوجيا هذا المفهوم، وهو ما يمكن توضيحه كالتالي:
- أولًا، الفصل بين رؤية العمل وامتلاكه: قديمًا كان امتلاك العمل هو الأساس، مثل شراء اللوحات الأصلية وتعليقها في مكان خاص حيث لا يراها إلا مالكها، أما اليوم فيمكن لملايين الأشخاص تحميل نفس الصورة ونشرها، إلا أن الـNFT سيثبت الملكية لصاحبها الأصلي كونه يملك النسخة الأصلية الموثقة مهما شاهدها الجميع.
- ثانيًا، شهادة ميلاد رقمية: أكثر فائدة يقدمها الـNFT للأعمال الرقمية هي البصمة الفريدة التي يستحيل تزويرها، والتي يتم تسجيلها في البلوكتشين الذي يراه العالم كله، وبالتالي يكون من المستحيل مسح اسم الفنان الأصلي أو تعديله، مما يجعل الأصالة حقيقة رقمية دائمة.
- ثالثًا، القيمة في العقد: لم تعد الأصالة مرتبطة بالجودة، وإنما القيمة الحقيقية تكمن في العقد الذكي الذي يبرمه الفنان أو مالك العمل، وهو ما سيثبت تسلسل الملكية من الفنان إلى المشتري دون انقطاع.
- رابعًا، تحويل التكرار إلى ميزة: قديمًا كان تكرار أو نسخ العمل يُعد تعديًا على الفنان، أما في الحاضر فإن كثرة النسخ والمشاركة تزيد من شهرة العمل الفني، وكلما انتشرت الصور المقلدة ارتفعت قيمة النسخة الأصلية التي يحمل صاحبها رمز الـNFT.
كيف يتحول الـNFT من أداة مضاربة مالية سريعة إلى قيمة استثمارية مستقرة؟
مع استمرار ربط الـNFT بالأصول الحقيقية وتقديم فوائد ملموسة للفنانين والمقتنين، فإنه يتحول من سوق المضاربة السريعة القائم على بيع العمل بأعلى سعر إلى مرحلة الاستثمار الدائم والمستقر من خلال المحاور التالية:
- ربط الـNFT بأصول حقيقية: لم يعد الـNFT يُستخدم فقط في الأعمال الرقمية، وإنما في صكوك ملكية العقارات والسبائك الذهبية والسيارات الفاخرة، بالإضافة إلى النسخ الرقمية للوحات التقليدية، لكي تثبت أصالتها وتسهل بيعها عالميًا.
- تقديم امتيازات حقيقية: مع حقوق وامتيازات الملكية، يشتري المستثمر تذكرة عضوية دائمة حيث الأرباح الدورية في المشاريع الفنية وحق التصويت والمشاركة في إدارة الصناديق الفنية الرقمية، والدخول الحصري والمجاني للعديد من الفعاليات والمؤتمرات على أرض الواقع.
- الاندماج مع المؤسسات التقليدية: بدأت كثير من المؤسسات المالية والفنية التقليدية اعتماد الـNFT، مثل المتاحف ودور المزادات العريقة وصناديق الاستثمار التي بدأت تدرك الفن الرقمي الموثق كجزء من المحفظة الاستثمارية.
- نضج البنية التحتية الرقمية: في هذه المرحلة بدأت تظهر قوانين وتشريعات واضحة لتنظيم تداول الأصول الرقمية على مستوى العالم، وبالتالي بدأ المضاربون غير الجادين يبتعدون عن الساحة لصالح المستثمرين المؤسسين والجامعين الحقيقيين، وهو ما ساعد في تقليل تذبذب الأسعار وخلق سوق مستقر.
كيف يساهم الـNFT في تحقيق ديمقراطية الفن؟
يساعد الـNFT على تحقيق مبدأ ديمقراطية الفن وإلغاء سلطة الوسطاء التقليديين، وبالتالي يفتح الباب أمام أي فنان من أي مكان في العالم بغض النظر عن موقعه أو خلفياته الاجتماعية، من خلال المحاور التالية:
- كسر الحدود الجغرافية والطبقية: لا يحتاج الفنان من أي مكان في العالم أن يعرض لوحته في معرض كبير أو يسافر بها إلى دولة معينة، حيث يستطيع الوصول إلى منصات الـNFT وبيعها لأي مشترٍ، وهو ما يحقق مبدأ تكافؤ الفرص.
- التخلص من سلطة حراس البوابة: يتيح الـNFT للفنانين الاتصال مع الجمهور والمجتمعات الفنية والمعجبين والمشترين مباشرة، وبالتالي لم يعد الفنان مجبرًا على تعديل اختياراته أو مواضيعه أو أسلوبه ليرضي مالك صالة العرض أو الناقد الفني أو غيرهم.
- إنهاء استغلال الوسطاء: بعد أن كان الوسطاء يستغلون الفنانين ويحصلون على نسب كبيرة قد تصل إلى 50% من أسعار الأعمال، فإن الـNFT يمنح الفنان القيمة المالية الكبرى للعمل ويضمن له حقوقه في نيل أرباحه بشكل تلقائي عند إعادة بيع العمل مستقبلًا.
- إتاحة اقتناء الفن للجميع: من ناحية الجمهور، أصبح الأمر أكثر سهولة في اقتناء الأعمال الفنية الكبرى من خلال تقسيمها إلى أجزاء صغيرة، وبالتالي يستطيع أي شخص عادي أن يمتلك جزءًا من اللوحة ويشارك في سوق الاستثمار الفني كالمحترفين.

في النهاية، يظهر مستقبل الـNFT والفن الرقمي كأحد أكثر التحولات الثقافية والتكنولوجية إثارة في عصرنا الحديث؛ وأصبح تحولًا جذريًا يقودنا نحو مأسسة الإبداع، وتوثيق الحقوق، وتمكين المبدعين من تخطي الحدود التقليدية وحراس البوابات الجغرافية والطبقية.
كيف ترى تأثير التقاء الذكاء الاصطناعي مع تقنيات الـNFT على مستقبل الفن؟ وهل تعتقد أن الأصول الرقمية ستتفوق يومًا ما على الأصول التقليدية؟ لا تنسَ مشاركة المقال على منصات التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.