في عام 2022، كشف مسؤول تنفيذي رفيع في جوجل نفسها أمام مؤتمرًا TechCrunch أن نحو 40% من الشباب الأمريكي من الجيل Z باتوا يستخدمون تيك توك وإنستغرام للبحث عن الأماكن والمعلومات بدلًا من البحث على جوجل أو خرائط جوجل، وهو اعتراف داخلي نادرًا ما يصدر من شركة تحتكر نحو 90% من سوق البحث العالمي.
منذ ذلك الحين لم تتباطأ الأرقام، بل تسارعت. واليوم، يكتب ملايين المستخدمين استفساراتهم اليومية في شريط البحث داخل تيك توك أو يوتيوب -أفضل مواقع البحث- ويحصلون على إجابة بصرية، وعاطفية، وشخصية خلال ثوانٍ. السؤال الحقيقي ليس هل هذا يحدث، بل لماذا يحدث الآن بهذه السرعة، وماذا يعني ذلك لطريقة تعاملنا مع المعرفة والمعلومة من هذه اللحظة فصاعدًا.
تحول سلوك الجيل Z في البحث الرقمي: نهاية عصر الشريط الأبيض
ثمة فارق جوهري بين البحث بالنص والبحث بالصورة المتحركة، وهذا الفارق تحوّل إلى هوة كاملة بين جيلين. حين تكتب «أفضل مطعم ياباني في الرياض» في جوجل، تحصل على قائمة روابط، نجوم تقييم، وعنوان، الأمر نفسه في حالة البحث على جوجل بالصور، أما حين تكتب العبارة ذاتها في تيك توك، فستحصل على شخص حقيقي يمشي داخل المطعم، يشم الطعام، يعلّق بصوت حماسي أو يحذّر بصدق من تجربة سيئة.
وفق دراسة حديثة أجرتها مؤسسة Adobe يثق 62% من مستخدمي تيك توك بالمحتوى الذي يصدر من أشخاص حقيقيين أكثر مما يثقون بنتائج محركات البحث التقليدية، وهذا لا يعد تفضيلًا جماليًا، بل تحول في معيار «الدليل» الذي يقنع الإنسان بأن المعلومة صحيحة وقابلة للتصديق.
كيف تفوقت المكتبة المرئية على الموسوعات التقليدية؟
يوتيوب لم ينتظر تيك توك ليُدرك أنه محرك بحث، فهو المحرك الثاني من حيث الحجم عالميًا منذ سنوات، بأكثر من 3 مليارات عملية بحث شهرية وفق بيانات حديثة Semrush. الفارق أن يوتيوب نضج ليصبح وجهة للبحث العميق؛ من يريد تعلم لغة، إصلاح محرك سيارة، أو فهم أزمة اقتصادية، يذهب إلى يوتيوب لا إلى موسوعة.
وقد نشرت جامعة ستانفورد دراسة أظهرت أن 76% من الطلاب الجامعيين الأمريكيين يعدون يوتيوب مصدرًا تعليميًا أساسيًا يعادل المحاضرات أو يتفوق عليها في الوضوح. وما أضافه الذكاء الاصطناعي مؤخرًا هو تحسين نتائج البحث داخل المنصة نفسها، بما جعل استرجاع المحتوى أكثر دقة وأسرع من أي وقت مضى، وهو ما يُقلّص الحاجة للخروج إلى جوجل أصلًا.
في ما يلي مجموعة من الأسباب التي عززت تفوق المكتبة المرئية:
- تجاوز حاجز اللغة والاصطلاح: على عكس الموسوعات التي تعتمد على لغة أكاديمية قد تكون معقدة، يوفر يوتيوب شرحًا بصريًا يكسر حواجز الفهم؛ فالمشاهد يرى كيفية التنفيذ عمليًا، مما يحول المعلومة النظرية إلى مهارة تطبيقية فورية.
- التحديث اللحظي للمعلومات: بينما تحتاج الموسوعات والمقالات التقليدية إلى دورات تحديث طويلة، يتميز يوتيوب بالديناميكية؛ فالمحتوى المرتبط بالبرمجيات أو الأزمات الاقتصادية المتلاحقة يتم تحديثه عبر صناع المحتوى خلال ساعات، مما يجعله مرجعًا أكثر معاصرة.
- التعلم التفاعلي والاجتماعي: تتيح ميزة التعليقات في يوتيوب تحويل البحث إلى تجربة جماعية؛ حيث يمكن للمستخدم قراءة تجارب الآخرين مع المعلومة المقدمة، أو طرح أسئلة إضافية يحصل على إجاباتها من صانع المحتوى أو من مجتمع المهتمين بالمجال ذاته.
- الفهرسة الذكية داخل الفيديو: بفضل ميزة (Chapters) أو الفصول، لم يعد المستخدم مضطرًا لمشاهدة فيديو مدته ساعة للوصول إلى معلومة محددة؛ إذ تتيح التقنيات الحديثة الانتقال مباشرة إلى الجزئية المطلوبة، مما منح الفيديو مرونة «الفهرس» الموجود في الكتب الضخمة.
- تعدد زوايا الرؤية: في الموسوعة التقليدية، أنت تقرأ وجهة نظر واحدة أو تعريفًا محددًا، أما في يوتيوب، فيمكنك البحث عن الموضوع ذاته لتجد عشرات الخبراء يشرحونه بأساليب ومناهج مختلفة، مما يمنح الباحث عمقًا معرفيًا وتعددًا في المصادر لا توفره النصوص الجامدة.

تأثير الذكاء الاصطناعي في تحسين تجربة البحث داخل يوتيوب
يمثل الذكاء الاصطناعي القوة الخفية التي منحت يوتيوب القدرة على التحول من مجرد منصة لمشاركة المقاطع إلى محرك بحث ذكي فائق الدقة، حيث تسهم تقنيات تعلم الآلة في فهم «سياق» البحث وليس فقط الكلمات المفتاحية.
وبفضل معالجة اللغات الطبيعية (NLP)، أصبح بإمكان المنصة تحليل المحتوى الصوتي داخل الفيديو وتحويله إلى بيانات نصية قابلة للفهرسة، مما يتيح للمستخدمين الوصول إلى اللحظة المحددة التي تُذكر فيها المعلومة المطلوبة دون الحاجة لمشاهدة المقطع كاملًا.
هذا التطوير يقلل بدرجة كبيرة زحام النتائج غير ذات الصلة، ويجعل استرجاع المحتوى التعليمي والتقني أسرع وأكثر كفاءة، مما يعزز مكانة يوتيوب كوجهة أولى للبحث العميق الذي يتجاوز مجرد الترفيه.
خوارزمية تيك توك و«الاكتشاف الاستباقي»: حين تجيبك المنصة قبل أن تسأل
الميزة التنافسية الخفية لتيك توك ويوتيوب ليست فقط في طريقة عرض النتائج، بل في أنهما لا ينتظران السؤال. خوارزمية التوصية في تيك توك -التي باتت تُدرَّس في أكاديميات التقنية الكبرى كنموذج مرجعي- تبني ملفًا سلوكيًا للمستخدم يُمكّنها من تقديم محتوى لم يبحث عنه بعد لكنه يريده حتمًا.
هذا ما يُسمى «الاكتشاف الاستباقي»، وهو نقيض تجربة جوجل التقليدية التي تعتمد على نية البحث المُعلنة صراحةً. وفي تقرير حديث صادر عن شركة Exploding Topics تم توثيق متوسط الوقت الذي يقضيه مستخدم تيك توك داخل المنصة بما يتجاوز 95 دقيقة يوميًا، وهو رقم يعني أن المنصة صارت بيئة معيشية متكاملة، لا أداة بحث عابرة تُفتح وتُغلق. حين تعيش داخل منصة بهذا الحجم من الوقت، تتلقى إجابات لأسئلة كثيرة دون أن تكلف نفسك عناء صياغتها.

ميزة AI Overviews: محاولة جوجل لاستعادة الهيمنة أمام تيك توك
بالتأكيد جوجل ليس غافلًا عن هذا التحول، وردّه الأكثر حدة كان «AI Overviews»، الميزة التي أطلقها في مؤتمر Google I/O عام 2024 والتي تضع ملخصًا بالذكاء الاصطناعي مباشرة في أعلى نتائج البحث قبل أي رابط.
الهدف الضمني واضح: إبقاء المستخدم داخل جوجل بدلًا من الخروج نحو يوتيوب أو تيك توك. لكن ثمة مفارقة مثيرة؛ الجيل الذي تحاول جوجل استعادته لا يثق بالنصوص الطويلة أصلًا، وتقديم نص أكثر ذكاءً لا يعيده بالضرورة.
وفق استطلاع لـ HubSpot يفضل 87% من الجيل Z مشاهدة فيديو قصير على قراءة مقال لأداء المهمة ذاتها. هذا لا يعني نهاية جوجل التي تجاوزت إيراداتها 307 مليارات دولار في 2023، لكنه يعني أن الهيمنة المطلقة على عملية البحث البشري باتت للمرة الأولى منذ عقود مهددة بشكل جدي وقابل للقياس بسبب سلوك الجيل Z.
يقول بنيدكت إيفانز، محلل التقنية الاستراتيجي ومؤسس شركة a16z للأبحاث المستقلة. «نحن لم نعد نعيش عصر محركات البحث بمعناها الكلاسيكي، بل عصر محركات الاكتشاف. المستخدم الجديد لا يعرف دائمًا ماذا يريد أن يسأل، لكن الخوارزمية تعرف ما يحتاجه قبله، وهذا هو الانتقال الحقيقي».
إنَّ ما يحدث اليوم يتجاوز كونه مجرد تغيير في الأداة التقنية المستخدمة، بل هو تحول جذري في طبيعة العلاقة بين الإنسان والمعلومة. فبعد عقود من ارتباط المعرفة بمبدأ «ابحث عن المصدر، تحقق من الرابط»، نشأت أجيال جديدة تبحث عن إجابات بصرية وعاطفية أكثر سرعة وتفاعلية.
ويعكس هذا التحول انتقالًا من عصر محركات البحث الكلاسيكية إلى عصر محركات الاكتشاف التي تعتمد على الخوارزميات الاستباقية في تقديم المعرفة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.