يستخدم المحللون الفنيون عدّةَ أساليب لتحليل الأسواق. لكن، كيف يمكن الاستفادة من هذه المعرفة لتحقيق الأرباح وخفض المخاطر. إن أيَّ إدارة مثابِرَةٍ للأصول تتطلبُ إدارَةً لرأس المال. إن الاستثمار أو المتاجرة كيفما اتفق، اعتمادًا على البديهة أو على إشاعةٍ أو على نظريات لم تُختَبَر، طريقٌ نحو الكارثة. إنه سببُ خسارةِ معظم المستثمرين أو المتاجرين لأموالهم.
يستخدم المستثمرُ المعتمدُ على التحليل الأساسي النسبةَ بين السعر والأرباح (مضاعف الربحية) أو نسبة الدّين – وهلم جَرًّا – بينما المحللُ الفنيُّ يستخدم مؤشرَ القوةِ النسبيةِ (RSI) أو مسارَ السعر (Price trend) أو التقلبَ (Volatility). كلاهما سيكون مقتنعًا أنه يقوم بالتحليل الصحيح، والواقع أن كلاهما مخطئ!
في الحالتين قد يكون الأسلوبُ صحيحًا، لكنَّ حصد المال يتطلب نظامًا مُختَبَرًا.
هناك عدّة خرافات عن الاستثمار يذعن لها المستثمر دون مزيدٍ من التحليل. للمتاجرة أو للاستثمار بنجاح، نحتاج أن نعرف ليس فقط مدى ربحية النظام بل ومخاطر فقدان رأس المال أيضًا. ألَّا يكونَ لديكَ فَهْمًا جيدًا لأساليبَ مُجَرَّبَةٍ معناه أن تُحَلِّقَ في فضاءِ الأوراق الماليةِ وأنت مَعصوبَ العَينَين.
كيف نستخدمُ هذه الأساليب؟! علينا أن نَستَحدِثَ نِظامًا.
ينبغي أن يتضمّن النظامُ ليس فقط أسلوبًا للربح، وإنما وسائلَ للحَدِّ من مخاطر الخسارة. وَجهَي الاستثمار في الجملة الأخيرة غايَةً في الأهمية.
ما الذي يجعل النظام ضرورة؟
ليس ثَمَّة سوق للأسهم تظل صاعدة للأبد. إن استراتيجية الشراء والاحتفاظ (Buy-and-hold) الشهيرة جدًا في الولايات المتحدة الأميركية اليوم بُنِيَتْ على شُذوذٍ إحصائيٍّ Statistical anomaly، فهي استراتيجية مبنية على انحياز لبقاء أسواق الولايات المتحدة وكذلك المملكة المتحدة حال زوال باقي الأسواق، لأنهما الدولتان الوحيدتان في التاريخ حتى الآن اللتان لم تَخْتَفِ أسواقُهُما بالكلية في لحظةٍ ما، تسبب هذا في بزوغ افتراضٍ مُضَلِّلٍ فَحواه أن أسواق الأسهم الأميركية والأسهم عموماً سوف تستمر بالضرورة في الارتفاع، تذكر جيدًا أنَّ أي خطةٍ تَستبعدُ وسائلَ لَجمِ المخاطر تؤول إلى الخُسران.
في المقابل، معظم الأساليب الفنية والأساسية ليست مربحةً من تلقاء نفسِها مع مرور الزمن، أكثر المفاهيم الخطأ شيوعًا بين المستثمرين والمتاجرين أن الأسواق تتحرك وفقاً لمنطق وأنه عبر اكتشاف هذا المنطق، والتصرف بناءً عليه، فإن الأرباح سوف تكون مُتَّسِقَة وضخمة، يُسَلِم ذلك المفهوم بأن ثمة صيغة رياضياتي سحرية موجودة في مكانٍ ما يمكنها التنبؤ بالأسواق. هذا الاعتقاد ليس صحيحًا، ليس ثمة منطقٍ سِحرِيٍّ للأسواق سوى حقيقة كونها تتحرّك "أحيانًا" في مساراتٍ محددةٍ وأنها تبقى تكرارًا ومِرارًا في نطاقات متاجرة.
تُبنَى عملية كسب المال على استخدام نقاطَ دخولٍ وخروجٍ خاضعة للسيطرة جيدًا، خاصةً تلك النقاط التي تحد من مخاطر الخسارة المحتملة وهي النقاط التي ستتفاعل مع الظروف المتغيرة الحادثة في السوق. أيُّ نظامٍ، سوف يساعد المستثمر أو المتاجر في تَحَيُّنِ (timing of) نقاط الدخول إلى السوق والخروج منه.
النظم الاجتهادية والنظم اللا اجتهادية
Discretionary versus non-discretionary systems
النظم الاجتهادية هي الخطوة التّالية في تطوير خطة استثمارية بعد فهم أساليب الاستثمار المعتمدة على التحليل الفني والأساسي، يمكن أن يكون النظام اجتهاديًا أو لا اجتهادي أو مزيجًا بينهما، في النظم الاجتهادية تتحدد نقاط الدخول والخروج بالبديهة، بعبارة أخرى، يمارس المتاجر أو المستثمر اجتهادًا لتكوين رأيه عند تنفيذ الصفقات. النظم اللا اجتهادية هي تلك النظم التي تُحَدَّد فيها نقاط الدخول والخروج آليًّا باستخدام حاسوب.
هل فَكَّرتَ لحظةً في المُتاجر الاجتهادي النمطي؟!
ربما يتصرف المتاجرُ الاجتهاديُّ الحَقُّ مثل رَجُلٍ يظهر في إعلانٍ في التلفاز عن مضادات الحموضة، يحمل في يديه هاتفَين أو ثلاثة ويصرخُ في أحَدِها أمرا مَن على الطرف الآخر للهاتف بالشراء ويصرخ في آخر آمرًا إياهُ بالبيع، كُل هذا مصحوبًا بشاشاتِ حواسيبَ تعرض أسعارَ رسومٍ بيانيةٍ لأوراقٍ ماليةٍ في شتى أرجاء العالم، مع هواتف لا تَكُفّ عن الرنين، ونشراتِ أخبارٍ من قنواتِ تلفازٍ اقتصاديةٍ، ولائحةَ اتصالٍ ضخمةً بأُناسٍ من مُختَلَفِ التخصصات. هذا النوع من المتاجرين يبحث بشكلٍ عام عن الضربات الحاسمة. إنها صورة ذهنية بارزة. هناك عددٌ من المتاجرين الاستثنائيين من هذا الطراز. إن لديهم الحدسُ الفطريُّ الذي يُمَكِّنُهُم من فعل ذلك باستمرار وبنَسَقٍ مُربِح.
معظم الناس ليس لديهم لا الوقت، ولا المعرفة، ولا عناوين الاتصال، ولا الأدوات، ولا سرعة التفكير، ولا الجرأة الكافية للقيام بذلك، معظم الذين يحاولون التداول بهذا الأسلوب إما أن يدمروا صحتَهم أو يفلسوا... ليس لديهم طريقة لتقييم ما يفعلونه سوى الرصيد الذي في حسابهم بنهاية اليوم، يبدو الأمر بالنسبة لهم كما لو كانت الإثارة أهم من تحقيق الأرباح.
في المقابل يكون المتاجر اللا اجتهادي عادةً هادئًا، يقوم بحساباته، ومن المرجح أن يراه البعض مُمِلًا، معظم المستثمرين والمتاجرين الناجحين يستخدمون نظمًا لا اجتهادية، بعض هؤلاء الناجحين مهندسون والبعض الآخر يملك عقلًا من نفس النوعية، مُلِمًّا بالإحصاءات والنظم. لقد درّسوا الأسواقَ وأساليبَ تحقيق الأرباح بِشِقَّيها الفني والأساسي، وكذلك قاموا بتجريب التقنيات باستخدام الأساليب الإحصائية المعاصرة، لقد أدركوا أنه ما من شيءٍ يتسم بالكمال، وأن الأسواق تغيّر خصائصها بمرور الزمن. مع ذلك، عبر جريب أساليبهم واستراتيجياتهم استنبطوا نظامًا آليًّا: يقلل مخاطر الخسارة لأدنى حدود ممكنة، ويعظم العائد لأقصى حد ممكن.
القواعد هي هيكل أيّ نظام
أحد أمثلة القواعد هي: اشتَرِ حين يتخطى متوسطٌ متحركٌ متوسطًا متحركًا آخرَ، صعودًا. المتغيّرات Variables هي الكميات المستخدمة في القواعد – متوسطان متحركان مثلًا – أما المَعلَمات Parameters فهي القيم الفعلية المستخدمة في المتغيّرات، يومان وسبعة أيام. يشمل أيُّ نظامٍ كلَّ هذه العوامل وتتحدّد فائدتها بتجريب مختلف القواعد والمتغيّرات والمعلمات عبر أسواقٍ متباينةٍ وأيضًا عبر ظروف متفاوتة للأسواق.
أيُّ نظامٍ لا اجتهاديّ بالكامل نظامٌ يُدار تلقائيًّا عبر بيانات السوق التي يُزَوَّد بها بشكلٍ مستمر. إذا نصت قاعدتنا على الشراء عندما يَعتَلِي متوسطُ يومين المتحرك متوسطَ السبعة أيام المتحرك مثلًا فإن أمر الشراء سَيُوضَع تلقائيًا عند تحقق الشرط. فور تحديد المتاجر للقاعدة التي ينبغي اتباعها، يتحول النظام إلى وضعية القيادة الآلية ولا يصدر المتاجر أية أوامر.
يمكن لأيِّ مستثمر أو متاجر أن يستخدمَ نظامًا جُزئيَّ الاجتهاد. إن النظامَ الجزئي الاجتهاد يُوّلِّدُ إشاراتٍ بحيث يتصرف المستثمر بناءً على ثقته الشخصية في تلك الإشارات وخبرته معها. نظرًا لكونه مرتبطًا ببعض الاجتهاد، فإن هذا النظام لا يمكن اختباره بدقة لأن المشاعر قد تتدخل في قرارات المتاجرة وتتسبب في أخطاء غير قابلة للقياس الكمي. أيُّ النظامين أفضل؟ لنلقي نظرة.
فوائد النظام اللا اجتهادي
أيُّ نظامٍ لا اجتهاديّ آلِيّ يقدم أفضلية رياضياتية لكونه يتحدد بالتجريب والتعديل. تلك هي الفكرة وراء أعمال نوادي القمار وشركات التأمين، فكلٍّ منهما يربح من صفقات صغيرة رابحة كثيرة وصفقات خاسرة عارضة.
عبر استخدام أيِّ نظامٍ لا اجتهاديّ نتجنب العواطف، وهذه ميّزة لأن المتاجرين كثيرًا ما يخسرون أموالهم جراء قرارات عاطفية. يقلص النظام اللا اجتهادي مآزق التداول الخفية مثل الإفراط في المتاجرة، أو التصرف قبل الأوان، أو عدم التصرف، أو صناعة القرارات بشكل مطرد.
المتاجرة باستخدام نظامٍ آلي مُصَمَّم جيدًا يمنع أيضًا الخسائر الكبيرة ومخاطر التلف Risk of Ruin والتي لم يَقِسها معظمُ المتداولين كَمِّيًّا أو يفهموها قبل ذلك. لَجمُ المخاطر هو أهم مزايا أيِّ نظامٍ آلِيّ.
المتاجرة باستخدام نظامٍ لا اجتهادي يمنحنا أيضًا اليقين وينمي الثقة وينتج توترًا أقل. رغم أن أيَّ نظامٍ لا اجتهاديّ لا يستطيع التنبؤ بالمستقبل؛ أي لا يعلم الغيب، إلا أنه يستطيع هيكلة كيفية التفاعل مع النتائج المحتملة. إنه يقدم لائحةَ استجاباتٍ للأحداث الخارجة عن سيطرة المرء.
المآزق الخفية في النظام اللا اجتهادي
رغم مزاياه، إلّا أن نتائج الاستقراء الرياضي الناجمة عنه لن تكون هي ذاتها نتائج التجارب، فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفيًّا. كلما كان النظام مُستَمثَلًا Optimized أو مُرَنسَمًا Curve-fitted (مرسوم كأنسب منحنى للبيانات) كانت موثوقيته أقل في المستقبل. أشار بعض الباحثين إلى أنك ينبغي أن تتوقع نصفَ الأرباح وضِعفَ النَّزفِ (Drawdown) الظاهرَين في الاختبارات المطبقة على بيانات من الماضي. كون النظام مُجَرَّبًا يجعل مصمم النظام يتوقع نتائج تكون في الغالب غير واقعية. ينبغي أن يحرص المصمم على ألّا يخسر الثقة في النظام حينما لا تتحقق توقعات غير واقعية. كثيرًا ما ستحقق النظم اللا اجتهادية أرباحًا ضخمة المبالغ خاصّةً عند استخدام نظام اتباع المسار Trend following. يخسر المتاجر حينئذٍ مقاديرَ صغيرةً انتظارًا للكتلة الكبرى التالية من الأرباح وانتظارًا أيضًا للوقاية من أية خسائر كبيرة. أيّ أن الجهد الخلاق يَنصَبُّ على تصميم النظام، أمّا تشغيله فأمرٌ مُمِلّ. أضف إلى ذلك أن بعض تصميمات النظم تسمح بحالات نَزفٍ كبيرة لكن يبقى النظامُ في نهاية الأمر قادرًا على تحقيق الأرباح.
حينئذ، تكون مشكلة المتداول العاطفية أنه ينتظر النزفَ حتى يُستَرَدَّ بالكامل، في ذات الوقت الذي ربما يفقد خلاله ثقته في النظام. فقدان الثقة ينتج عنه الاستخفاف بالقواعد أو الاستسلام، ربما في اللحظة التي يكون فيها النظام على وشك أن يصبح مُجدِيًا. رغم أن أيَّ نظامٍ يتعدل وفقًا لأي سوق متغيرة إلا أنه يتطلب تحديثاتٍ دوريةً، وغالباً ما يصبح هذا الأمرُ مَصدَرَ إرباكٍ للمصمم.
هل حان الوقتُ لتحديث نظامٍ متدني الأداء بسبب سوق متغيّرة؟ ثم، هل فترة الأداء الباهت تمثل الوقت الذي ينبغي للمتاجر أن يجلسَ فيه متحليًا بالصبر منتظرًا أن يضربَ النظامُ ضَربَتَهُ؟ عادةً، ليس لهذه الأسئلة إجابات محدّد.
تَذَكَّرْ أن النظام ينهار إذا لم يُتَّبَع بِدِقَّة. لهذا تُجرَى التجارب، وأية انتهاكات للقواعد المستخلصة من التجريب تقضي على قيمة النظام. هذا الأمرُ يتطلبُ انضباطًا كبيرًا.
إن استخدام أيّ نظام لا اجتهادي ليس سهلًا وإلا لاستَخدَمهُ كُلُّ أحد. مطلوب الكثير من العمل لإيجاد نظامٍ واختباره وتعديله وتجريبه بطريقة صحيحة ومقنعة.
يميل العديد من الناس للارتجال مع النظام ورؤية ما إذا كان ذلك سيفضي إلى نتيجةٍ أم لا. ذلك الأسلوب يترك المتاجر في ((اللا مكان))!
أيّها المتداول: إذا أردتَ تعظيم أرباحَك وتقليل خسائرك، استخدم نظاماً مُختَبَرًا!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.