السفر من الأمور الممتعة وخاصة إذا كان من أجل المتعة فقط ومن باب تغيير الروتين. لكنه لا يصير كذلك حينما يكون لحاجة ملحة وضرورية، مثل السفر من أجل تلقي العلاج من علة ما أو من أجل الاغتراب وهو موضوع مقالنا.
قال الشاعر:وارحل فإن أرض الله واسعة الفضاء.....طولا وعرضا شرقها والمغرب. وذلك ليحث من ضاقت به سبل العيش في وطنه ليسافر ويجد ما يأمل هناك في بلد الغير والتي يأمل أن ينال المغترب منها الخير. ونسلط الضوء على سلبيات الاغتراب حتى يتريث من يتسرع في اتخاذ مثل هذا القرار المهم والبدء فيه دون إتخاذ أي تدابير أو مشورة كفيلة بإرجاعه لجادة الصواب.
والمعاناة الأولى التي يواجهها المغترب هي في كيفية التأقلم مع التقاليد والعادات والتي لا تمد في الغالب الأعم بتقاليده وعاداته بأي صلة، وتتمثل تلك المعانة في كثير من الأمور والمسائل مثل طريقة الأكل والشراب واللباس والتحدث والنوم والعبادة..فما يألفه يستغربه أهل البلد وما يستغربه يألفونه.
ونجد معاناة أخرى وهي الصدمة الحضارية من كيفية التأقلم أيضاً على وسائل المواصلات والاتصالات والدراسة واللغة.
وكذلك المعاناة الثالثة وهي مهمة من حيث أنها تمس كيان المغترب وتهز كبريائه وهي ما يلاقيه من تحرشات وعنصرية وحقد وحسد وظلم سواء من زملاء الوظيفة أو عموما من أبناء البلد أحياناً.
وكذلك نجد أن المغترب يعاني من حيث التفكير ويتساءل هل فعل الصواب حينما قرر الاغتراب كحل لمشاكله المادية والحياتية!
وتأتي المقارنة لذهن المغترب والتي تزيد من معاناته وهي أن يقارن بين وطنه وبين هذا البلد الذي هو فيه من أجل التكسب وعيش الحياة الكريمة، ومن ثم لا تلبث ألا تفارقه المقارنة حتى تحول حياته لجحيم لا يطاق وفي نهاية الأمر يرسي على بر فكرة ويطمئن نفسه بها، حيث يقول:لو كان لي وطن ما كنت لأعاني بل إن ما أسميه وطنا هو سبب معاناتي وحينها كمعظم المغتربين أمثاله يبدأ في اتخاذ البلد التي هي ليست وطنه وطناً. ويتناسى عمداً وطنه وما كان بحثاً للراحة المعيشية وسبل الرغد يصبح بحثاً عن الهوية، وتحولاً عن الهوية الأم إلى الهوية التي أعطت المغترب بعض أو كثير مما حلم به.
وأيضاً نجد المغترب يحاول أن يعيش حلمه ويحققه وفي نفس الوقت حلم غيره من أفراد أسرته من أب وأم وإخوة.
والذين يظنون أن الاغتراب جنة الله في الأرض للمسافرين عليه أن يراجع نفسه قليلاً ويسألها ما هدفه من الاغتراب.. ومتى وكيف سيحققه.. فإن وجد بعض الغموض في بعض إجاباته مثل أنه لا يملك شهادة جامعية تجعله ذا اختصاص وله فرصة في وظيفة لائقة ومربحة تساعده وتساعد أسرته سريعاً دون أن تنال من كرامته شيئاً أو إذا كانت إجابته أنه سيسافر عبر الطرق غير الشرعية سواء بقوارب الموت أو بطرق الصحاري أو بالاندساس في محرك باخرة أو صندوق سيارة..إلخ الأفضل له حينها التراجع عن مثل هذه الأمور.
وأحياناً ما نفقده ليس كمالاً.. ومهما فقدنا من أحلام ومن طموحات إلا أنها لا تمثل مقدار عشر من أرواحنا وأعمارنا الفتية وهوياتنا ومبادئنا من أجل عمر حتماً له أجل.
رائع
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.