مزامير القاهرة

ربما جلست يوماً والسماء مكحلة بالنجوم، والرياح تجري، وتحمل بين طيّاتها نسمةً باردة في ليل يوليو تستمع إلى ما تطيب له نفسك من المزامير والموسيقى والغناء..

إن كنت من مواليد العقد الخامس أو السادس من القرن العشرين، فستطيب نفسك وتطرب لسماع أم كلثوم وعبد الحليم ومن على شاكلتهم..

وإن تدنّى ذوقك الموسيقيّ قليلاً طبقاً لمجريات الأمور لذلك العصر، واتجهت إلى موسيقى الشعب في ذلك الوقت فستجدها المواويل لمحمد طه وغيره الكثير..

ولكن مهما تدنّى ذوقك في تلك الفترة، فستجد كل أنواع الموسيقى تعبّر عن وضع اجتماعيّ حقيقي سواء أكان عاطفياً كقصائد الشعر الفصحى والعامية لأم كلثوم وعبد الحليم، أم اجتماعياً كمواويل التراث كشفيقة ومتولي، ولسانك حصانك، أم سياسياً كأغاني عبد الحليم، وغيره عن الاشتراكية والأمجاد الباهتة لعبد الناصر.. 

ستجد تلك الفترة بأكملها لم يشبها فساد كلمات إلّا قليلاً؛ نظراً لرفض المجتمع لهذا اللون المبتذل من الغناء..

وإن كنتَ من مواليد العقد السابع والثامن ستجد نفسك معلقاً بأنواع جديدة من الموسيقى للكثير، لعلّ أبرزهم في تلك الفترة عمرو دياب، ومحمد منير، وحميد الشاعري، وغيرهم...

اتّسمت موسيقى تلك الفترة بالرومانسية، وخلت من أي محتوى إلّا محتواها الرومانسيّ رغم قوة الموسيقى..

ولكن ما أن تتدنّى بذوقك لتلك الفترة حتى تجد ترّهات كثيرة لا محلّ لها من الإعراب، أبرزها أحمد عدوية مثل (كله علي كله - دبح كبشه- السح الدح امبو).. 

كان ذلك اللون المبتذل جديداً في تلك الفترة، ولذلك لاقى الكثير من النجاح وترديد الناس له.. 

كان ذلك بعد انتهاء حربٍ، ومرحلة تاريخية لمصر، وبداية عصر آخر لعلّ أبرز ما يسمّى به عصر التائهين.. 

لم يعُد هناك محتوى يذكر اللهم إلّا القليل! ولكن وإن كان هناك موجات غضب لتلك الأغاني في تلك الفترة سريعاً ما تلاشت، وأصبح السح الدح أمبو تراث من التراث الشعبي..

ويا للأسف إن كنت من مواليد آخر عقد القرن العشرين وأول عقد بالقرن الواحد والعشرين..

ستفتح عينيك أيضاً على ألوان الغناء للعقد السابق، ولكن ومع انحدار الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، انحدر الذوق العام لدرجة كبيرة لينمّ هذا عن محتوى صفري وغير موجود لثقافة شعب..

لتجد الآن أناساً، وليسوا أناساً، يعتلون المنصات العامة ككبار القوم، ويلهث وراءهم ملايين الأشخاص لسماع ضوضاء لا علاقة لها بالغناء.. 

من حيث كلمات لا أستطيع أن أسميها كلمات وموسيقى سفيهة سفاهةً أعجز عن وصفها، لا أدري ما هو الانحطاط القادم في ثقافتنا إن كان هناك بقية منها.. 

بنهاية العقد السابع والثامن أصبح المحتوى الشعبي تراثاً، وكذلك لما يليه كأحمد عدوية وغيره فهل تصبح المهرجانات يوماً تراثا نبكي عليه؟ 

هل يصبح حمو بيكا هو رائد من روّاد الغناء الشعبيين ومن أكابر صنّاع التراث؟

يا لها من خيبة، وتدنٍ كبير، وندبة عار في التاريخ الغنائي...!

أنا لا أرفضها بشكلٍ قاطع وكامل، ولكن أيضاً لا يصلح أن يكون ذلك اللون هو الاختيار الأول للجميع..

ربما هو الاختيار الأول في الأفراح والمناسبات نظراً لموسيقته، ولكن بعيداً عن هذا فعبث يا ولدي وأيّ عبث !.

ونهايةً أصبحت الموسيقى تعبّر بشكلٍ كبير عن جزء من ثقافة الشعوب..

 

اقرأ أيضاً

- فنانة شهيرة  لقبت ب"قمر الزمان"قتلتها الغيرة، ومنعتها أم كلثوم من الغناء....من هي؟

- الذاكرة الشعبية وأعلام الغناء الشعبي السوري... المطرب الفنان إلياس حاصود المعروف أبو سهيل

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Oct 30, 2022 - عبدالحليم عبدالرحمن
Oct 26, 2022 - عبدالحليم عبدالرحمن
Oct 5, 2022 - أ.د. ناصر أحمد سنه
Sep 12, 2022 - هاني ميلاد مامي
Sep 10, 2022 - محمد عبدالقوي العليمي
Sep 7, 2022 - عزت عبد العزيز حجازي
Sep 1, 2022 - هاجر المدودي
Aug 6, 2022 - يوسف إبراهيم عبدالعاطي
Sep 25, 2020 - عبدالشافى هلال
نبذة عن الكاتب