يُعد الصرع أحد الأمراض العصبية الأكثر انتشارًا في العالم، فيصيب أكثر من 50 مليون شخص في العالم وفقًا لـمنظمة الصحة العالمية (WHO). يصيب الذكور والإناث، والأطفال والمسنين، والبعض يرى أن نسبته في المجتمع العربي أعلى من المجتمعات الأخرى. ويُعد سوء فهم هذا المرض لدى العامة في منطقتنا العربية أحد أبرز العوامل التي انعكست آثارها سلبيًا على مريض الصرع ومن حوله، فالصرع -دون غيره من الأمراض- ما زال يرتبط في أذهان الكثيرين من الناس بالخرافات والخزعبلات. مع أنه في الحقيقة مرض عصبي عضوي أو وظيفي ينشأ من المخ. وللصرع -إن لم يُعالج- مضاعفات تجعل من حياة مرضى الصرع وأسرهم معاناة مريرة، ما يجعل من الضروري الإسراع في علاجه لتجنب آثار المضاعفات.
ما هو مرض الصرع؟
الصرع نوبات عصبية متكررة تصيب الجسم كله أو جزءًا منه، نتيجة اضطراب النشاط الوظيفي لبعض مراكز المخ، فتحدث شحنات كهربائية في المخ فجأة وغير منضبط. وتبدأ النوبة فجأة وتتوقف فجأة، وقد تكون مصحوبة بنقص في درجة الوعي إلى حد الغيبوبة الكاملة، مع ظهور تغيرات غير طبيعية في النشاط الكهربي للمخ عند تسجيله بواسطة تخطيط الدماغ الكهربي.

وغالبًا ما يصيب الصرع الأطفال في مرحلة مبكرة، ما يؤثر في ذكاء الطفل وتدهور مستواه الدراسي، كما يؤثر أحيانًا في سلوك الطفل النفسي وعلاقاته بالآخرين.
أسباب الصرع: لماذا يحدث المرض؟
تعود الإصابة بالصرع إلى عوامل أو أسباب متداخلة لا يمكن الاكتفاء بواحدة منها فقط، وهي:
-
الوراثة: هل الصرع مرض وراثي؟ نعم، تؤدي الوراثة دورًا، وهي وراثة متنحية وليست سائدة، أي أنه ليس من الضروري أن ينتقل المرض من الآباء إلى الأبناء في كل الحالات.
-
الأمراض الالتهابية: مثل الالتهاب السحائي أو التهاب الدماغ أو خراج المخ.
-
نقص الأكسجين: قد يسبب عسر الولادة نقص الأكسجين نتيجة لالتفاف الحبل السري حول عنق الرحم أو انفصال المشيمة، ما يؤدي إلى حدوث تلف جزئي بخلايا المخ، فيجعلها بؤرة صرعية نشيطة.
-
رضوض الرأس: اصطدام الرأس بقوة مباشرة نتيجة للتعرض لأحد الحوادث.
-
التشوهات الخلقية: مثل التشوهات والأورام الوعائية.
-
أورام المخ: سواء كانت أولية أو ثانوية، فكلا النوعين يسبب الصرع.
-
اضطرابات التمثيل الغذائي: مثل نقص سكر الدم أو نقص الكالسيوم في الأطفال حديثي الولادة.
-
الإدمان: إدمان المشروبات الكحولية والمواد المخدرة.
ماذا يحدث داخل المخ أثناء النوبة؟
يتميز مخ مريض الصرع بمرور شحنة كهربية تُشوش على الشحنات الكهربية الطبيعية الصادرة عن جذع المخ، ويستعين الطبيب بجهاز تخطيط المخ لتوضيح ذلك. مخطط المخ الكهربائي هو جهاز تخطيط لذبذبات المخ الطبيعية وما يظهر بها من اختلال، وكذلك تخطيط الذبذبات غير الطبيعية المسؤولة عن الصرع. والذبذبات غير الطبيعية تنتج إما عن اختلال المركز الرئيس للمخ، أو عن وجود بؤرة في خلايا المخ تنبعث منها شحنات كهربية تتداخل مع الذبذبات الطبيعية.

تشخيص الصرع: كيف يتحقق الطبيب من الحالة؟
إن الفحوص اللازمة لمريض الصرع هي:
-
تخطيط الدماغ (EEG): وهو يساعد على إثبات التشخيص وتحديد نوعية الصرع.
-
الأشعة الطبقية (CT Scan) والرنين المغناطيسي (MRI): وتُستخدم في الحالات التي يشك الطبيب في أنها ناتجة عن سبب عضوي مثل أورام المخ. ويُفضل التصوير بالرنين المغناطيسي (Magnetic Resonance Imaging - MRI) لدقته في إظهار تفاصيل الدماغ.
-
الفحص المعملي للدواء: يهدف هذا النوع من الفحص إلى ضبط جرعة الدواء.
أنواع نوبات الصرع
تتعدد أنواع نوبات الصرع، وفهمها ضروري لاختيار العلاج المناسب. من أنواع النوبات الصرعية:
-
النوبات الصرعية الكبرى «التشنج العام» (Generalized tonic-clonic seizure): يترافق فيها التشنج مع فقدان الوعي.
-
النوبات الصرعية الصغرى (نوبات الغياب - Absence Seizures): ومنها الغيبوبة الصرعية، وتتميز بفقدان وعي قصير جدًا مع التحديق في الفراغ.
-
النوبات الجزئية (البؤرية): سواء البسيطة أو المركبة، وخاصة الصرع الصدغي، الذي قد يترافق بتصرفات لا إرادية.
-
النوبات الاختلاجية العضلية (Myoclonic Seizures).
-
الصرع الانعكاسي (Reflex Epilepsy): يكون نتيجة استجابة لمنبّه معين كالصوت أو الضوء، وتُسمى النوبات الضوئية «صرع التلفزيون».
الإسعافات الأولية لنوبات الصرع: ماذا تفعل عند حدوث نوبة صرع؟
من أهم المعلومات التي يجب أن يعرفها الجميع هي كيفية التصرف الصحيح أثناء نوبة الصرع لضمان سلامة المريض:
افعل
-
ابق هادئًا: معظم النوبات تنتهي خلال دقائق.
-
أبعد الخطر: أزل أي أجسام حادة أو صلبة من محيط المريض.
-
احمِ الرأس: ضع شيئًا ناعمًا ومسطحًا تحت رأس المريض، مثل سترة مطوية.
-
راقب الوقت: حاول تسجيل وقت بدء وانتهاء النوبة.
-
وضعية الإفاقة: بعد انتهاء التشنجات، أدر المريض برفق على جانبه للمساعدة على التنفس.
لا تفعل
-
لا تقيد المريض: لا تحاول تثبيت حركته بقوة.
-
لا تضع أي شيء في فمه: هذا قد يسبب إصابات خطرة في الفم والأسنان أو اختناق.
-
لا تعطه ماءً أو دواءً: حتى يستعيد وعيه بالكامل.

اتصل بالإسعاف إذا:
-
استمرت النوبة لأكثر من 5 دقائق.
-
كانت هذه أول نوبة صرع للشخص.
-
تكررت النوبات بشكل متلاحق دون استعادة الوعي بينها.
-
حدثت إصابة خطيرة أثناء النوبة.
-
كان المريض يعاني من حالة طبية أخرى مثل السكري أو أمراض القلب، أو كانت المريضة حاملًا.
برنامج علاج الصرع
يتألف برنامج علاج الصرع من أربع مراحل رئيسة:
-
مرحلة التشخيص: التأكد من إصابة المريض بنوبات صرع حقيقية، وتحديد نوعها وأسبابها عبر الفحص السريري وتخطيط الدماغ الكهربائي.
-
مرحلة التقويم: دراسة الظروف العائلية والوراثية والاجتماعية والنفسية والبيئية المحيطة بالمريض.
-
مرحلة المعالجة: تكون ذات أبعاد ثلاثة:
-
دوائية: باستخدام الأدوية المضادة للصرع (Antiepileptic drugs - AEDs) التي يصفها الطبيب.
-
نفسية تأهيلية: لمساعدة المريض على التكيف مع المرض.
-
اجتماعية: لتوعية المحيطين بالمريض وكيفية دعمه. إضافة إلى الأدوية، توجد علاجات أخرى مثل نظام الكيتو الغذائي للأطفال، تحفيز العصب المبهم، وجراحة الصرع في حالات معينة.
-
-
مرحلة المتابعة: وتعني متابعة الحالة وتحديد النسبة الفعالة العلاجية للدواء في الدم، ومساعدة المريض على السيطرة على العوامل التي قد تثير النوبات.
نحو فهم أفضل وتعايش آمن مع الصرع
مرض الصرع هو اضطراب عصبي يمكن السيطرة عليه والتعايش معه بفعالية من خلال التشخيص الدقيق والعلاج المناسب والدعم المجتمعي. إن نشر الوعي حول حقيقة هذا المرض وكيفية تقديم الإسعافات الأولية بشكل صحيح هو خطوة أساسية لمكافحة الخرافات وتقديم الدعم الحقيقي للمرضى وأسرهم، وتمكينهم من عيش حياة كاملة ومنتجة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.