أبتاه: مرثية مؤثرة في فراق الأب

يظل فقد الأب من أشد المصائب التي تترك أثرًا عميقًا في القلب، فهو السند والملاذ الذي تستند إليه الأرواح في مواجهة الحياة. وفي هذه القصيدة تنساب مشاعر الحزن والاشتياق في أبيات صادقة ترسم صورة الابنة وهي تخاطب والدها الراحل، مستحضرة ذكرياته، وفضائله، ووصاياه، ومعلنةً أن رحيله لم يطفئ حضوره في القلب، بل جعله أكثر رسوخًا، مع رجاءٍ صادق أن يجمعهما الله في جنات النعيم.

أَبَتَاهُ إِنِّي بَعْدَ فَقْدِكَ مُتْعَبُ  

مَا لِلْحَيَاةِ غَدَتْ بِلَوْنٍ مُعْتِمِ

هَلَّا رَجَعْتَ إِلَيَّ أَبَتِ بُرْهَةً  

كَيْ أَرْتَمِي فِي بَحْرِ فَيْضِكَ  

فَيَزُولَ مَا بِي مِنْ أَنِينٍ مُبْرَمِ

أَبَتَاهُ قَدْ حَالَ الفِرَاقُ بَيْنَنَا  

وَكُنْتُ دومًا فِي حَنَانِكَ أَنْعَمُ

يَطِيرُ قَلْبِي كُلَّمَا  

عَصَفَتْ بِرُوحِي ذِكْرَى يَوْمِ فِرَاقِنَا

مَهْلًا فُؤَادِي لَمْ أَعُدْ، صِدْقًا إِلَى  

كُلِّ البَسِيطَةِ أَنْتَمِي

كُنْتَ المَلَاذَ حِينَ تَضِيقُ بِي الحَيَاةُ  

سَنَدِي مَا عَسَايَ فِي ظِلِّهِ أَخشى الورى؟

حتى و إن عاداني جيشٌ عرمرمُ

الآنَ بِتُّ وَحِيدَةً أَشْعُرُ بِالجَفَا  

وَدَمْعُ قَلْبِي كُلَّ لَيْلٍ يُهَمْهِمُ

أَبَتَاهُ شَرْخًا فِي فُؤَادِي قَدْ جَرَى  

لَنْ يُجْدِيَ طِبٌّ وَلَا دَوَاءٌ يُرَمِّمُ

وَحْدِي أَسِيرُ تَبَاعَدَتْ مِنِّي الخُطَى  

حَتَّى الطَّرِيقُ غَدَا لِقَدَمِي مُبْهَمُ

أَجِبْنِي يَا أَبَتَاهُ هَلْ تَشْتَاقُ لِي؟  

أَدْرَيْتَ مَا  حَلَّ بِرَأْسِي وَمِعْصَمِي؟

بَعْدَكَ أَبَتِي تَجَرَّعْتُ الأَسَى  

ذُقْتُ طَعْمَ الظُّلْمِ مِنَ الغَرِيبِ وَمِنْ دَمِي

عزَّ النصير أبي ومن لي ينتصر؟

 غاب الحِمى فأتت كلابُ الحَيّ تنْهلُ مِنْ دمي

اللهَ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ جَمْعُنَا  

فِي ظِلِّ عَرْشِهِ  

وَنَفُوزَ بِالفِرْدَوْسِ أَبَتِ وَنَغْنَمُ

الآنَ أَرْفُلُ فِي مَحَاسِنِ عِطْرِكَ  

جَمَّ الفَضَائِلِ كُلِّهَا عَلَّمْتَنِي

تَرَكْتَ لِي مَجْدًا بِآيَاتِ الرَّحِيمِ يَحُفُّنِي  

أَوْصَيْتَنِي أَنْ أَتْلُوَ القُرْآنَ آنَاءَ الدُّجَى

وَأُرَدِّدَ التَّسْبِيحَ وَتَكُونَ الخُطَى  

عَلَى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ لِأَحْتَمِي

نَفْسِي مِنْ مُرِّ الحَيَاةِ وَعُسْرِهَا  

وَيَحُفُّنِي رَبِّي بِالوِلَايَةِ إِنَّهَا  

حِصْنٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعِيشَ مُنَعَّمًا

قَدْ كُنْتُ أَمْقُتُ فِي المَقَابِرِ وَحْشَةً  

الآنَ بَاتَتْ مُسْتَقَرِّي وَمَوْطِنِي

مَا عُدْتُ يَا أَبَتِ أَهَابُ دُخُولَهَا  

لِأَنَّ قَلْبِي الآنَ صَارَ فِيهَا يَسْكُنُ

أَظَلُّ أَلْتَمِسُ حَصَاهَا بِيَدِي  

عَلَّهَا تَنْتَفِضُ شَوْقًا إِلَيْكَ  

فَتَزُولَ الحَوَاجِزُ بَيْنَنَا أوحدها تَتَحَطَّمُ

وَدِدْتُ تَقْبِيلَ ثَرَاكَ جَمِيعَهُ  

نَعَمَ الثَّرَى مَا كَانَ فِي أَحْضَانِ أَبْتِ مُرَنَّمًا

أَبَتَاهُ طَيَّبَ اللهُ الثَّرَى  

قَلْبِي بَعْدَكَ عَلَى كُلِّ الهَنَاءِ مُحَرَّمُ

الرَّوْضُ أَرْجُو أَنْ يَحُفَّ مَقَامَكَ  

وَتَكُونَ آيَاتُ الحَكِيمِ أَنِيسَكَ  

رَتِّلْهَا أَبَتِي كَمَا اعْتَدْتَ وَدَمْدِمْ

صَوْتًا شَجِيًّا صَادِحًا يَخْتَرِقُ الوَرَى  

وَيُطْرِبُ الآفَاقَ فَيْضًا لِلْمُغْرَمِ

سَاجِدَةً أَبِي أَدْعُو لِمَنْ ذَاقَ الأَسَى  

بَعْدَ عَزِيزٍ أَنْ يَصْطَبِرَ  

غدًا اللِّقَاء على حَوْضِ النَّبِيِّ الأَكْرَمِ

ليست هذه القصيدة مجرد رثاء لأبٍ رحل، بل شهادة وفاءٍ ومحبةٍ خالدة، تؤكد أن الآباء العظماء يبقون أحياء في أخلاق أبنائهم ووصاياهم وآثارهم الطيبة. وبين ألم الفراق وجمال الذكرى، يبقى الدعاء أعظم هديةٍ تصل إلى الراحلين، ويبقى الأمل بلقاء الأحبة في دار الخلود هو البلسم الذي يخفف لوعة الفقد.

نسأل الله أن يرحم كل أبٍ رحل، وأن يجعل مثواه الفردوس الأعلى، وأن يرزق أهله الصبر والسلوان.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة