كل قلم ينتهي حبره، ثمة قلم واحد لا ينتهي حبره، وهو قلم الرب جلَّ جلاله، وما من قلم يكتب إلا ويأتي اليوم الذي يُكتب عنه. وللأسف كل الأسف إن بعض الأقلام رغم أنها بذلت كل قطرة من حبرها في سبيل أن يحيا الوطن، لكن الوطن وبكل حقارة لم يلتفت لحياة هذا القلم إلا حينما واراه الأجل، فأسرع في سرد العزاء والحسرة والفقد.
اقرأ أيضاً صائن الكلمة وعلامة الجملة
مرثية إلى عيون الأدب والصحافة اليمنية
المساح ليس بحاجة لأن يرثيه هذا الوطن الميت، ولو بُعث الوطن من سبات اللعنة التي حلَّت عليه ليرثي المساح فلن يكفيه؛ لأن المساح لم يكن مجرد أديب أو كاتب صحفي فحسب، بل كان بلالًا، لكنه كان يؤذِّن بقلمه لا بصوته، يؤذِّن ليحيا هذا الوطن، لكن هذا الوطن لا يريد الحياة، فمات الوطن وعاش قلم المساح.
وعندما تعرَّى الوطن من ثوب الوطنية، ارتدى هو ثوب الفقراء والعفة، وانزوى في ضواحي قريته، وحينما توسخ الوطن بوحل الحرب فرَّ هذا النقي بكل طهارته نحو صبول داره (قرية باليمن)، صحيح أن تلك الصبول يملؤها ضفع المواشي «مخلفاتها» لكنها أطهر من كل شبر داست عليه رجل كل صعلوك من رجال الدولة، أين كان انتماؤهم ومذهبهم وحزبهم، فليس هنا من رجل سياسي أو رجل في الدولة إلا وله يد فيما حلَّ في الوطن.
المساح لم يكن مجرد كاتب، بل كان رجلًا ذا مبدأ ومنطق وطني لم يحِد عنه، رغم كل المغريات ووسائل التمكين لرفاهيته، لكنه آثر تعاسة العيش وبؤس الحياة على أن يقتات من خيرات هذا الوطن.
رغم تقرب المساح من رجال السلطة على مدى السنوات التي عاشها، لكنه ظلَّ متمسكًا بمبدئه الأبدي، اليمن الجمهوري الواحد.
خمسة عقود من الزمن وهو يغرد بصوت الثائر -لحظة يا زمن- لكن الزمن كان عنيدًا ولم يخضع لصوته؛ لأنه لم يكن هنالك من يؤمن بهذا الصوت سوى قلة قليلة.
الآن من الواجب علينا أن نقف حدادًا وإجلالًا لهذه الهامة الأدبية، التي رفدت الصحافة اليمنية بكثير من الدروس الوطنية، لتكن سيرته الذاتية مثالًا يحتذي به كل رواد الإعلام والصحافة والأدب.
لروحك الرحمة، ولقلمك البقاء، وعظيم العزاء للأدب والصحافة اليمنية ولليمن كله.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.