مراحل تطور الأدب الروسي.. وأشهر أدبائه

هناك في تلك البقعة الباردة من العالم، حيث قسوة التضاريس والمناخ وبالتحديد في شرق أوروبا، كانت هذه الأرض موطنًا لأروع أنواع وأنماط الأدب الذي أنتجه الإنسان على مرِّ التاريخ، وعلى مستوى القيم الفنية والجمالية، وكذلك على مستوى ارتباطه بالإنسان والإنسانية، حتى الآن يظل الأدب الروسي حاضرًا في التجربة البشرية الإبداعية بنصيب كبير على مستوى الشعر والرواية، ويحظى بملايين القُراء في كل مكان، ليشارك في تشكيل وعيهم وذائقتهم وموقفهم من العالم.

وفي هذا المقال نأخذك إلى عالم الأدب الروسي لنتعرَّف على أهم محطاته التاريخية، وأهم كُتَّابه وسماته الأدبية، في جولة لا تخلو من المتعة والزخم والمعرفة في السطور التالية.

اقرأ أيضًا: الأدب الروسي ما بين الحاضر والماضي

البداية الحقيقية للأدب الروسي

كان الأدب الروسي القديم يعتمد على كتابات رجال الدين والنصوص الدينية والأحداث التي تُسَجَّل كونها نوعًا من الملاحم التاريخية، وهو ما لم يتعدَ أبدًا الاجتهاد المحلي داخل روسيا حتى في عصر التتار؛ فلم يكن الأدب الروسي ذو شأن كبير. وبعد رحيلهم عن البلاد وفي عهد روسيا القيصرية، كان الأدب لا يُعنَى أبدًا إلا بالموضوعات السياسية، ولم يكن يهتم بالقيم الفنية والجمالية بقدر ما كان يهتم بالمضمون، وهو ما جعله بعيدًا تمامًا عن التأثير والتأثر.

كانت البداية الحقيقية للأدب الروسي في القرن الثامن عشر الذي يطلق عليه المؤرخون (عصر بداية الأدب الروسي الحديث)، فكان لحركة الترجمة الكبيرة تأثيرًا هائلًا وتحولًا كبيرًا في الأدب الروسي، ومع أنَّ الأمر كان في البداية توجهًا سياسيًّا من أجل تقليد الغرب؛ فإن الشعب الروسي قد استفاد كثيرًا من ترجمات الكتب الأوروبية بوجه عام والإنجليزية بوجه خاص، فبدأ يظهر الشعر المقفى كما يكتب الأدباء الإنجليز، وظهر عدد من الشعراء والمثقفين الذين يتبنون هذا الشكل الجديد.

في ذلك الوقت ظهر (ميخائيل لومونوسوف) أحد أصحاب الكتابة المختلفة الذي كانت له مدرسة خاصة في الشعر الروسي، إذ استخدم هذا الشاعر المقاطع المجزأة، وهو ما أدى إلى انتشار أشعاره وكتاباته في كل مكان، حتى إنه أطلق عليه (مؤسس الأدب الروسي الحديث).

بينما أطلق عليه بعد النُقاد (رائد المدرسة الكلاسيكية)، وهو ما شجع على ظهور أسماء أخرى، مثل (ألكسندر سماروكوف) الأديب الذي كتب الشعر والقصص والمسرحيات، وأسهم كثيرًا في تطور الكتابة، ورفع من مستوى التلقي والذائقة الأدبية في تلك المرحلة.

بين الكلاسيكية والرومانسية

لم تأتِ نهايات القرن الثامن عشر إلا وظهرت حركة أدبية كبيرة في روسيا واتجاهات متعددة في الكتابة، أبرزها الكتابة الرومانتيكية التي تعتمد كثيرًا على الخيال والعاطفة، ومع أنَّ الرومانسية في روسيا لم تكن بنفس تطور الرومانسية في أوروبا، إذ كانت تعتمد على الأنماط الكلاسيكية على مستوى المفردات والتراكيب، لكنها أفرزت عددًا من الأدباء الذين يحاولون تطوير الكتابة على مستوى الشكل والمضمون.

وهو ما أدى إلى ظهور تجارب رائعة في بدايات القرن التاسع عشر، إذ أصبح هناك مشروعات أدبية عظيمة يمكن أن تتجاوز حدود روسيا سواء في النمط الكلاسيكي أو الشعر الرومانسي، وهو ما ظهر جليًا مثلًا في كتابات (ألكسندر بوشكين) أبرز الأسماء الروسية وأعظم شعرائها على الإطلاق رغم العمر القصير لتجربته الإبداعية الذي تميَّزت كتاباته بالتكثيف والبلاغة والإيجاز، إضافة إلى موضوعاته التي تهتم كثيرًا بقضايا الإنسان، وهو ما أعطى الضوء الأخضر لعدد من المواهب الكبيرة لتظهر في ساحة الأدب الروسي بحرية وحماس؛ لتعبر عن هذا الانفعال الكبير الذي يحمله هذا الجيل الذهبي في الأدب الروسي.

اقرأ أيضًا: السيرة الذاتية للكاتب الروسي الشهير "دوستويفسكي" وأهم أعماله

منتصف القرن التاسع عشر

كانت الخطوة الهائلة الأخرى التي خطاها الأدب الروسي في طريقه إلى العالمية وتخطى حدود الجغرافيا هي ظهور المدرسة الواقعية في منتصف القرن التاسع عشر التي حاول أدباؤها وشعراؤها إنتاج النصوص التي تتصل بالواقع، وتحاول إصلاحه وتُعبّر عنه تعبيرًا واقعيًّا، فظهرت أسماء مثل (إيفان تورجينيف) الروائي والمؤلف المسرحي الذي تحدَّث عن المواطن الروسي بأسلوب لم يألفه الناس في روسيا من قبل، وهو ما ظهر حين تحدث عن الفلاحين والفقراء ومشكلاتهم مع الأغنياء وأصحاب الأرض، وهو ما ساعد على انتشاره وتداول أدبه في أنحاء روسيا كلها.

كان المجال مفتوحًا لظهور عدد من الأسماء التي تتصل كتابتها بالواقع الروسي؛ فظهر الروائي الكبير (إيفان غونتشاروف) والكاتب الرائع (ألكسندر أوستروفسكي) صاحب أشهر المسرحيات الروسية العامية التي كان يقبل عليها الملايين من عامة الشعب، وامتدت المدرسة الواقعية لتشمل أحد أعظم الأسماء في الأدب الروسي وفي الأدب العالمي على حد سواء، وهو (ليو تولستوي) الذي توهج كثيرًا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي كان يهاجم الرومانسية بكل أنماطها، ويركز اهتمامه وإبداعه على الواقعية، فكتب رائعته الشهيرة (الحرب والسلام) و(أنا كارنينا) و(موت إيفان إيليتش) وغيرها من الروائع.

ومع أننا أوضحنا أن الواقعية كانت هي سمة تلك المرحلة في الأدب الروسي، لكننا لا نستطيع تجاوز (ديستوفيسكي) الذي ظهر أيضًا في ذلك الوقت، وقدَّم للأدب العالمي أقوى الروايات ذات الطابع الدراماتيكي والوصف الداخلي للشخصيات والنزاع النفسي الرهيب، وهو ما تجلى مثلًا في رواية ( الجريمة والعقاب) التي نُشِرَت عام 1866، أو رواية (الممسوس) التي نُشِرَت عام 1872، وكذلك رواية (الأخوة كرامازوف) التي نُشِرَت عام1880.

اقرأ أيضًا: الجريمة والعقاب.. أبرز روايات الأدب الروسي

العصر الفضي للأدب الروسي

في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن الـ20 بدأ الأدب الروسي يخطو خطوات أخرى نحو الحداثة، وهو ما أعاد إلى الكتابة الروسية كثيرًا من الرمزية والقيم الرومانسية، وتخلى شيئًا فشيئًا عن الواقعية لتصبح الرمزية هي سمة المرحلة، إذ كان ينادي كُتاب وأدباء هذه المرحلة بأن يكون الأدب واضحًا، وأن تكون اللغة الأدبية دقيقة وبعيدة عن الغموض والمتاهات الفلسفية، وهو ما أتاح لمجموعة من الأسماء بأن تبرز على الساحة الروسية والعالمية، مثل الشاعر (بوريس باسترناك ) الذي كتب الرواية العالمية (دكتور زيفاجو) التي نُشِرَت عام 1957.

ما بعد الثورة الشيوعية

لا بد أن نتوقف قليلًا عند قيام الثورة الشيوعية في روسيا عام 1917، حين أصبحت الكتابة في روسيا ترتبط كثيرًا بالأحداث السياسية المتلاحقة؛ ففي البداية ألقي القبض على مجموعة كبيرة من الكُتاب، وأعدم بعضهم وهرب بعضهم خارج البلاد، وسيطرت الحكومة الروسية على كل وسائل النشر والطبع والصحف، وكانت هناك رقابة هائلة على أصحاب الرأي والشعراء والروائيين والكُتاب؛ لذا فقد انحسر الأدب الروسي قليلًا في تلك المرحلة، حتى عندما عاد مرة أخرى كان الأمر بتوجيه من الحكومة الروسية التي دفعت الأدب الروسي إلى الدخول في نفق خدمة أغراضها، بالروايات التي تتحدث عن العمال والمصانع وتتبنى المبادئ الشيوعية؛ وهو ما أثَّر كثيرًا في وهج الأدب الروسي وقيمه الجمالية.

لم يختلف الوضع كثيرًا عند قيام الحرب العالمية الثانية، فكانت الأشعار والروايات تتحدَّث عن الحرب والوطن مثل كتابات (قسطنطين سيمونوف)، ومع أنَّ الأدباء والكُتاب في روسيا اعتقدوا أن الأمور ستتحسن بعد وفاة (ستالين)، لكن الأمر ظل على ما هو عليه، حتى إن كثيرًا من الروايات والدواوين نُشِرَت سرًّا خارج روسيا، وهو ما ظهر جليًا في نشر أعمال الكاتب الكبير (أندريه سينيافيسكي) الذي كان ينشر أعماله باسم مستعار، وكذلك أعمال الأديب الحاصل على جائزة نوبل (ألكسندر سوليجنيتيسن) الذي نُفي من البلاد عام 1974 بعد حصوله على جائزة نوبل بأربعة أعوام.

الأدب الروسي بعد البروسترويكا

بلا شك جرى بعض تغيير الذي حلَّ على المجتمع الروسي قبل تفكك الاتحاد السوفيتي وبعد تطبيق سياسة البروسترويكا، فقد  عاد كثير من الكُتاب إلى روسيا، ونُشِر عدد من الأعمال التي منعت من قبل، ولعلَّ أبرز الأسماء التي عادت في تلك المرحلة هو (ألكساندر سوليجنيتيسن) صاحب جائزة نوبل الذي رد اعتباره مرة أخرى، لكن تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 أدَّى إلى نهاية الحقبة السوفيتية، وبذلك لم يعد يوجد ما يسمى بالأدب الروسي بالنمط الذي نعرفه ونقصده، وذلك بعد أكثر من 200 عام من التألق والوهج الذي تخطَّى حدود الجغرافيا ووصل إلى كل مكان في العالم، وأصبح له عشاق مريدين ومقلدين، وصدرت  عنه وعن كتابه آلاف الكتب والدراسات والبحوث التي تتناول جمالياته وقيمه الفنية، وتأثيره وتأثره بالإنسان والإنسانية.

مقتطفات من الأدب الروسي

الشاعر ألكسندر بوشكين

 أحد أشهر شعراء روسيا الذي قُتِل في مبارزة مدبرة للتخلص منه عام 1837 يقول:

- "سأظل عزيزًا على شعبي لأنني أيقظت بقيثارتي مشاعر طيبة ولأنني باركت الحرية في زمن قاس".

الروائي الكبير مكسيم غوركي

تُعد روايته (الأم) إحدى أهم نموذجات الرواية الواقعية التي تعتمد على عرض ما يُعرف بثنائية الوعي والتلقائية التي أصبحت بعد ذلك مرجعًا مهمًّا في كتابة الرواية.

الروائي الكبير أنطون تشيخوف

- "عندما تهزأ من الأفكار التي تدعي أنك تعرفها فإنك تبدو أشبه بالجندي الهارب من ميدان القتال ولكنه كي يغطي على الخزي يسخر من الحرب والشجاعة".

الأديب والروائي الكبير دوستويفسكي

من رواية (مذكرات قبو) الذي يتحدث عن رجل يعيش في قبو في مدينة سانت بطرسبرغ، ومع ذلك فهو يشعر باتساع كبير في هذا القبو ويشعر بالانسحاق الشديد... يقول: "أقسم لكم يا سادة لأن تكون واعيًا أكثر من اللازم لهو مرض.. مرض حقيقي وكامل".

الروائي العالمي نيكولاي غوغل

من رواية (الأنفس الميتة) التي تتناول العلاقة بين أصحاب الأراضي والمزارعين الذين يصورهم جوجل باعتبارهم عبيدًا في بلادهم، يقول: "حتى الصخرة لها فوائد والإنسان وهو الأذكى بين المخلوقات جميعا لا بد أن يكون ذا نفع ما.. أليس كذلك؟".

الشاعرة أنا أخماتوفا

الشاعرة الرائعة أنا أخماتوفا التي تعد من أشهر شعراء روسيا في النصف الأول من القرن الـ20، تقول: 

- "لا تقذف رسالتي يا صديقي بل اقرأها حتى النهاية

لقد مللت أن أكون مجهولة غريبة في طريقك

لا تنظر هكذا عابسًا متجهمًا   فأنا حبيبتك أنا لك

لست راعية ولا أميرة وما أنا راهبة

ربما ما زلت في ردائي  الرمادي المعتاد وعلى كعبين عتيقين

ولكنني كسابق عهدي حارة في العناق والرعب يملأ عيني الكبيرتين".

وفي نهاية هذه الجولة القصيرة في عالم الأدب الروسي منذ بداية التحول الكبير وظهور الشعر الروسي الحديث حتى تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991، نتمنى أن نكون قدَّمنا لك صورة واضحة ومكتملة إلى حد ما عن أحد أعرق وأعظم الآداب التي ظهرت في العصر الحديث.

ويُسعدنا أن تُشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة