مراجعة فيلم Weapons تحفة زاك كريجر التي توازن بين الرعب والغموض

توجَّهَ كثيرٌ من صُنَّاع أفلام الرعب في السنوات الأخيرة إلى اتجاهٍ مختلف عمَّا اعتدناه من هذا النوع من السينما؛ إذ تحوَّلت تلك الأفلام من وسيلة لإخافة المشاهدين واستثارة حواسهم البصرية والسمعية عبر الصرخات المفاجئة والمشاهد الدموية المبالغ فيها إلى مساحةٍ أعمق تضم عناصر الغموض والتشويق، وتفتح بابًا للفلسفة والرمزية التي تناقش هواجس الإنسان ومخاوف المجتمع.

يأتينا فيلم «Weapons» للمخرج زاك كريجر، بعد نجاحه اللافت عام 2022 في فيلم «Barbarian»، على النهج الجديد نفسه؛ مزيجٍ من الرعب والغموض والإثارة، مع طريقة سردٍ غير تقليدية تزيد الأحداث تشويقًا. ويطرح الفيلم سؤالًا مقلقًا: هل يمكن أن يتحول صانع السلاح إلى سلاحٍ أكثر فتكًا من صنيع يديه؟

لطالما كانت عندي أسبابٌ وجيهة تجعلني لا أميل إلى أفلام الرعب، إذ غالبًا ما يُركِّز صُنَّاعها على إثارة الحواس والمفاجآت الصاخبة والمشاهد الدموية التي تثير التقزُّز، من دون قصة متماسكة أو هدف واضح. ومع ذلك، بدأت بعض الأفلام مؤخرًا تسعى إلى تقديم قيمة ومعنى وترتيبٍ دراميٍّ متصاعد، لكنها كثيرًا ما تقع في فخ النهاية السريعة وغير المُبرَّرة، لينتهي الأمر بخيبة أملٍ جديدة.

ومع إعلان هذا المشروع، ارتفعت التوقعات بأن يكون العمل تجربة رعبٍ نفسية تتجاوز القوالب التقليدية. فالفيلم لا يبدو معنيًا بتقديم «أكشن دموي» بقدر ما يسعى لتفكيك فكرة العنف والسلطة، وكيف يمكن للأدوات التي صنعها الإنسان لحمايته أن تتحوَّلَ إلى رموزٍ تلتهمه من الداخل.

لكن يبقى السؤال: هل استطاع كريجر أن يحافظ على سمعته بصفته مخرجًا يوازن بين التوتر البصري والرمزية الفكرية؟ أم أن «Weapons» مجرد قطعة جديدة في سلسلة أفلام الرعب المعاصرة التي تتلاعب بالمشاعر لحظةً بلحظة، ثم تترك أثرًا زائلًا؟

ملخص فيلم «Weapons»

فيلم «Weapons» هو عمل رعب وغموض أمريكي صدر عام 2025، من كتابة وإخراج وإنتاج زاك كريجر، وبطولة جوش برولين، جوليا غارنر، كاري كريستوفر، ألدن إرينريك، أوستن أبرامز، بندكت وونغ، وإيمي ماديغان.

يُروى فيلم «Weapons» من وجهات نظر مختلفة، وغالبًا ما تكون متداخلة؛ تبدأ القصة بمشهدٍ غريبٍ ومقلق، إذ تدخل المعلمة جاستن، التي تؤدي دورها جوليا غارنر، إلى صفها الدراسي صباحًا لتجد طفلًا واحدًا فقط جالسًا في الفصل، في حين يغيب جميع الأطفال الآخرين. ومع صوت الراوي الطفولي في الخلفية، نكتشف أن سبعة عشر طفلًا من طلاب الصف قد اختفوا في ليلةٍ واحدة، بعد أن نهضوا من أسِرّتهم وخرجوا من منازلهم رافعين أيديهم نحو المجهول، تحديدًا عند الساعة 2:17 صباحًا.

تتجه أصابع الاتهام إلى المعلمة جاستن وسط غضب الأهالي، في حين تبدأ شرطة القرية تحقيقاتها مع المعلمة والطفل الوحيد الذي لم يختفِ. وتجد نفسك منجذبًا إلى القصة وسط تصاعد الغموض، إذ يطرح الفيلم أسئلةً مربكة: ماذا حدث للأطفال؟ ولماذا هذا الصف بالتحديد؟ ولماذا نجا طفلٌ واحد فقط؟ ومن المسؤول عن هذا الاختفاء؟

يتضح لاحقًا أن الفيلم لا يعتمد السرد الخطي المعتاد، بل يُقسَّمُ إلى فصول تُروى بزوايا سرد مختلفة، تكشف كل منها تفصيلًا جديدًا عن الحادثة، في تصاعدٍ دراميٍّ متوتر يجعل المشاهد مشدودًا إلى النهاية.

الأداء التمثيلي

الفيلم الذي نتحدث عنه لا يعتمد في قوَّته على نجومه بقدر ما يعتمد على الإخراج والسيناريو، ومع ذلك جاء الأداء التمثيلي مقبولًا، بل مميزًا في بعض اللحظات، خصوصًا الأربعة الرئيسين.

قدَّمت جوليا غارنر شخصية المعلمة جاستن بأداء متوازن يجمع بين الهشاشة والقوة؛ ففي حين نرى ماضيها المضطرب ومشاعرها الداخلية المتوترة، نشعر أيضًا بصلابتها في مواجهة اتهامات الأهالي وشرطة القرية. غارنر استطاعت أن تُظهر خوف الشخصية وارتباكها دون أن تفقد هدوءها، وهو ما جعل حضورها مثيرًا للتعاطف والريبة في آنٍ واحد.

أما جوش برولين، فيجسِّد دور آرتشر غراف، الأب الذي فقد ابنه ويحاول التمسك بالأمل على الرغم من الانكسار. أداؤه هادئ ومحمَّل بالحزن، يوازن بين القوة والضعف بطريقة ناضجة، وكانت الكيمياء بينه وبين غارنر من أبرزِ عناصرِ الإقناع في الفيلم.

 الطفل كاري كريستوفر الذي جسَّد شخصية أليكس ليلي، الطفل الوحيد الذي لم يختفِ، قدَّم أداءً يفوق عمره بكثير. خجله الصامت ونظرته الخالية من البراءة المعتادة عند الأطفال منح الشخصية بعدًا غامضًا ومقلقًا، حتى شعرت في بعض اللحظات أنه أكثر رعبًا من الأحداث نفسها.

وأخيرًا، قدَّمت إيمي ماديغان أداءً مميزًا في دور غلاديس، خالة أليكس، بشخصية تجمع بين الغموض والبرود والانفعال المكتوم، الأمر الذي جعلها واحدة من أكثر الشخصيات غموضًا وإثارةً في الفيلم.

على الرغم من أن الفيلم لا يرتكز على الأداء كمحرك أساسي، فإن هؤلاء الممثلين الأربعة منحوه توازنًا إنسانيًا، جعل الغموض أكثر واقعية، والخوف أكثر صدقًا.

القصة والسيناريو والحوار

استلهم زاك كريجر قصة فيلم «Weapons» من أكثر من مصدر، أبرزها فيلم «Magnolia» (1999) للمخرج بول توماس أندرسون، ومن رواية «زيارة من فرقة الغوغاء» للكاتبة جينيفر إيغن. جاءت الفكرة بعد وفاة صديقه المقرَّب وزميله الإبداعي تريفور مور، وهو ما منح القصة بُعدًا إنسانيًا حزينًا يتخللها من البداية.

تدور الأحداث حول اختفاء غامض لسبعة عشر طفلًا في قرية صغيرة، وهي قصة تثير التشويق منذ لحظة الإعلان عن الفيلم، إذ تذكِّرنا بأهوال حوادث إطلاق النار في المدارس الأمريكية، وبالخوف الجمعي من فقدان السيطرة على العنف داخل المجتمع.

لكن على الرغم من جاذبية الفكرة وبراعة الحبكة في البداية، فإن السيناريو والحوار لم يكونا على المستوى نفسه من القوة. فالحوارات جاءت تقليدية في كثير من الأحيان، تفتقر إلى العمق النفسي الذي كان يمكن أن يثري الشخصيات أو يكشف دوافعها بوضوح أكبر. يمكن القول إن السيناريو يملك فكرة عظيمة لكنه لم يترجمها إلى حوار يضاهيها في التماسك أو التأثير.

الإخراج والتصوير السينمائي

هنا نصل إلى العنصر الأقوى في الفيلم، بل بطله الحقيقي: الإخراج. في ثاني تجاربه الطويلة، أثبت زاك كريجر قدرته على التحكم في جميع عناصر الفيلم، من ترتيب الأحداث وتقديم الشخصيات إلى اختيارات الممثلين وزوايا التصوير الدقيقة.

المخرج زاك كريجر

وتميَّز الإخراج بتنوع الكادرات وحسن توظيف الإضاءة والألوان بما يتوافق مع الحالة الشعورية لكل مشهد، وزوايا التصوير مُختارة بعناية جعلت الصورة دائمًا تخدم الإحساس العام بالاختناق والغموض.

لكن، وعلى الرغم من هذا البناء البصري المتقن، وقع كريجر في فخّ النهاية الضعيفة والمبتذلة؛ إذ بدت وكأنها كُتبت على عَجَل، فقط لإنهاء الفيلم، دون منح الأحداث تبريرًا منطقيًا أو نهاية مقنعة. بعد بناءٍ درامي قوي ووعودٍ بجو من الرعب النفسي العميق، يتحول الفيلم فجأة إلى مشاهد سادية دامية تفتقر إلى المبرر الفني، في محاولة تسويقية لمجاراة أفلام الرعب الدموية التقليدية.

ثم إن اللجوء إلى بعض المشاهد الكوميدية في النصف الأخير أضعف من هيبة الفيلم، إذ لم تكن كوميديا سوداء كما يُفترض، بل مجرد فواصل سطحية تُفقد المشاهد حالة التوتر والترقب التي بُنيت بعناية منذ البداية.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن «Weapons» تجربة سينمائية جريئة ومختلفة تستحق المشاهدة، خاصةً على شاشة السينما، إذ تتجلَّى تفاصيل الصورة والصوت والمزاج العام الذي صنعه كريجر ببراعة.

الموسيقى التصويرية والمؤثرات البصرية

تُعد الموسيقى التصويرية والمؤثرات البصرية ثاني أقوى عناصر الفيلم بعد الإخراج. فقد كان لهما دورٌ محوري في ضبط إيقاع المشاهد، ونقل مشاعر التوتر والغموض والرعب إلى المتفرج. تتصاعد الموسيقى في لحظات المفاجأة، وتهدأ في مشاهد الكشف عن الأسرار، ثم تتسارع مع تصاعد الأحداث، الأمر الذي يجعلها أداة سردية بصرية وسمعية فعَّالة تُسهم في تكوين الجو النفسي العام للفيلم.

أما المؤثرات البصرية، فجاءت متقنة وغير مبالغ فيها، الأمر الذي جعلها تخدم القصة بدل أن تسرق منها التركيز. الاستثناء الوحيد هو بعض المشاهد الدموية السادية في النصف الأخير، التي لم تضف شيئًا للقصة، بل بدت دخيلة على المزاج العام للعمل.

التقييم العام

قبل الانتقال إلى جزء حرق الأحداث، يمكن القول إن فيلم «Weapons» يستحق المشاهدة وتحديدًا داخل قاعة سينما مجهَّزة بصوت وصورة عاليَي الجودة، ويفضَّل مشاهدته مع مجموعة من الأشخاص لتصبح التجربة أكثر تفاعلية وتأثيرًا. الفيلم يقدِّم نوعًا مختلفًا من الرعب؛ فهو لا يعتمد على الصراخ والمفاجآت بقدر ما يناقش قضايا المجتمع الأمريكي من خلال رموز وإسقاطات ذكية على العنف والسلطة والخوف الجمعي.

وعلى الرغم من النهاية المحبطة والمبتذلة التي أفقدت القصة قوتها، فإن الفيلم يظل تجربة مميزة تستحق المشاهدة. تقييمي الشخصي: 3 من 5.

تحليل الأحداث «حرق الأحداث»

يبدأ الفيلم بمقدمة قوية يدخلنا فيها المخرج زاك كريجر مباشرة إلى قلب الغموض، إذ تظهر عبارة الفصل الأول بعد المشهد الافتتاحي، ما يوحي بأن الفيلم مقسم إلى فصول درامية، لكنه في الحقيقة مقسم إلى وجهات نظر شخصيات مختلفة حول الحدث الرئيسي: اختفاء 17 طفلًا في قرية صغيرة.

تبدأ الحكاية بصوت راوٍ طفل يخلق جوًا غامضًا، مع موسيقى متناغمة وتصوير متقن يثير الفضول. نتابع المعلمة جاستين «جوليا غارنر» التي تُثار حولها الشكوك من الأهالي، خصوصًا آرتشر «جوش برولين»، والد أحد الأطفال المفقودين، والذي يراقبها معتقدًا أنها تخفي سرًّا. ومع تصاعد التوتر، يرى المشاهدون كوابيس متكررة عن طفل بوجه ملطخ بالمكياج «أشبه بمكياج الجوكر» في مشاهد مرعبة لكنها تفتقر إلى الابتكار.

في الفصل الثاني، يتولى آرتشر السرد، فنكتشف من خلال كاميرات المراقبة أن جميع الأطفال استيقظوا في تمام الساعة 2:17 صباحًا وخرجوا من منازلهم في وقت واحد بأذرع ممدودة نحو الظلام، في مشهد غامض ومقلق. يواصل الأب التحقيق، ويظهر في أحد أحلامه سلاح من نوع AR-15، في إشارة رمزية واضحة إلى حوادث القتل الجماعي في المدارس الأمريكية، ما يعزز البعد الاجتماعي والسياسي للفيلم.

مع توالي الفصول، تتضح خيوط اللغز حين نصل إلى الطفل أليكس، الوحيد الذي لم يختفِ. نتعرف من خلاله على الخالة غلاديس، المرأة المريضة التي جاءت إلى القرية بحثًا عن الشفاء عبر امتصاص طاقة الحياة من الآخرين. تمارس سيطرتها على والدي أليكس وتجبره على إطعامهما، وتُرغمه على مساعدتها في طقوس سحرية لاختطاف الأطفال واستخدام طاقتهم.

حرق أحداث فيلم  «Weapons»

لكن أليكس يتمرد عليها في النهاية، مستعملًا إحدى تعاويذها ضدها، موجِّهًا الأطفال المخطوفين للهجوم عليها. وفي مشهد دموي فوضوي، يمزق الأطفال جسد غلاديس، ما يُنهي تأثيرها ويحرِّر الجميع من سيطرتها.

تعود الحياة تدريجيًا إلى طبيعتها، لكن البلدة تبقى ملوثة نفسيًا بما جرى. الراوي «الطفل الذي يسرد القصة بعد سنوات» يخبرنا أن أليكس عاش لاحقًا مع أحد أقاربه، وأن بعض الأطفال بدأوا يستعيدون قدرتهم على الكلام ببطء. النهاية ترمز بوضوح إلى آثار الصدمات الجماعية التي تخلِّفها حوادث العنف في المجتمع الأمريكي، وتُعيد طرح سؤال الفيلم الجوهري:

من الذي يخلق «الوحوش»؟ الشر نفسه، أم المجتمع الذي يغض الطرف حتى تولد؟

وعلى الرغم من قوة الرمزية والسرد المتعدد، لم أكن راضيًا عن تصميم المكياج للشخصيات المرعبة ولا عن بناء شخصية غلاديس التي بدت سطحية وغامضة دون ماضٍ واضح يبرر تصرفاتها. كان يمكن أن تصبح رمزية «التحكم في الآخرين وسلب إرادتهم» أكثر عمقًا، خصوصًا لو ارتبطت بشكل أوضح بفكرة تحويل البشر إلى أدوات، أو أسلحة، مثلما تفعل وسائل الإعلام والأفكار الموجَّهة.

وعلى الرغم من الفرص المهدرة، يبقى الفيلم تجربة مثيرة وذكية في كثير من تفاصيلها، تؤكد أن المخرج زاك كريجر يمتلك حسًا فنيًا قويًا، حتى إن النهاية الضعيفة لم تُفقد العمل توازنه تمامًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.