للكاتب: هاروكي موراكامي تتضمنُ روايةُ "كافكا على الشاطئ" قصتينِ متوازيتينِ يتعاقبُ السردُ بينَهُما، ففصل يَروي أحداثَ القصةِ الأولى ليأتي الفصل الذي يليه ويروي أحداثَ القصةِ الثانية وهكذا دواليك إلى أن تتقاطعَ القصتانِ معًا.
وتؤثرُ كلُ قصةٍ في نظيرَتِها، ولكي نَستَطيعَ أن نُقَدم مراجعةً لمثلِ هكذا رواية أحداثُها غرائِبية، سيتوجبُ علينا حرق بعض الأحداث.
رغمَ أنني لا أعتقد أن مثل هكذا رواية يمكن أن تُحرق أحداثها، لأن أغلب الَّذينَ قرؤوها أعطوا تفسيرات مختلفة عنها، ولكي أستطيع أن أُعطي تفسيري للأحداث، فيجبُ عليَّ أن أقدم تلخيصًا للقصتين اللتين دارت بهما أحداث الرواية.
فإذن... أحضروا مشروبكم المفضل وتعالوا معي لكي نغوص في عالم هذه الرواية العجيب.
اقرأ أيضاً روايات للكاتب روبرت هوارد وسلسلة كونان البربري
أحداث قصة كافكا على الشاطئ
تتمحور أحداث القصة الأولى عن فتىً في الخامسةَ عشرة من عمره يطلقُ على نفسه اسم "كافكا".
يهرب "كافكا" من منزل أبيه ليبحث عن أمه وأخته اللتين غادرتا المنزل عندما كان "كافكا" صغيرًا.
"كافكا" كان يحب القراءة ولذلك اتخذ هذا الاسم بعد أن هرب من منزل أبيه تيمنًا بكاتبه المفضل، وبحكم حبه للقراءة أصبح "كافكا" يتردد على مكتبة وفيها تعرف على موظف الاستقبال "أوشيما" ومديرة المكتبة "الآنسة ساييكي" ورى لهما قصته فوافقا على أن يقيم مؤقتًا في غرفة موجودة في المكتبة.
القصة الثانية:
"ناكاتا" رجلٌ مسنٌ لطيف، غبيٌ لا يعرف القراءةَ ولا الكتابةَ يعيشُ على معونةٍ منَ الحكومة بالإضافةَ لكونهِ يعملُ في مجالِ البحثِ عن القِطَط التائهة بِحُكمِ أنهُ يستطيعُ التحدث إلى القِطَط.
لم يكن "ناكاتا" غبيًا ولم يكن بمقدوره التحدث مع القطط، ولكن، في يومٍ من الأيام عندما كان "ناكاتا" صغيرًا وعندما كان في رحلة مدرسية، حدث شيء عجيب...
أغمي على كل الأطفال الذين كانوا في الرحلة دفعة واحدة ما عدا المعلمة التي كانت الشاهد على هذا الحدث الغريب الذي لم يستطع أحدٌ تفسيره، واستفاق الأطفال بعد ساعة من إغماءتهم، وأصبحت تلك الساعة فجوة في ذاكرتهم إذ لم يستطيعوا أن يتذكروا ما حدث لهم، ما عدا "ناكاتا" الذي بقي مغمى عليه لأشهر، وعندما أفاق، أصبح غبيًا لا يقرأ ولا يكتب واكتسب قدرة التحدث مع القطط.
اقرأ أيضاً أفضل 5 روايات مترجمة فانتازيا
رسالة الكاتب من الرواية
ما الذي يحاول الكاتب أن يوصله للقارئ من خلال هذه الرواية، بالتأكيد لم يكن هدف الكاتب أن يسرد أحداثًا وألغازًا غريبة لا معنى لها.
الرواية تطرح عدة أسئلة من خلال أحداثها
ما معنى الحياة؟
كيف نستطيع أن نحدده؟
هل نحن مسيرون أم مخيرون؟
وما الدافع للاستمرار بالحياة؟
أحيانًا نحاول الهروب من القدر، ولكن الهروب من القدر مستحيل وجملة "الهروب من القدر"
تحتوي على مغالطة، لنطرح مثالًا:
لنفرض أنك كنت تمشي في الطريق واعترض طريقك أحدهم وحاول سرقتك، قد يكون أمامك كثير من الخيارات للتعامل مع هذا الموقف، كأن تستسلم أو تقاوم أو تحاول المراوغة أو أي شيء يخطر في ذهنك أن تفعله، والمهم هنا أنه أيًا يكن ما تفعله فهو قدرك، حتى لو بدا لك الأمر عكس ذلك وأنك اخترت عن سابق تفكير أن تقاوم السارق مثلًا، فتفكيرك بهذا الفعل كان مقدرًا لك، أي أن ما تفكر فيه وتقوله وتفعله كان مقدرًا فالأمر أشبه بسكة قطار متشابكة ومتشعبة لكن النهاية واحدة.
طرح الكاتب هذه الفكرة "القدر المحتوم" من خلال شخصية "كافكا" عندما حاول الهروب من منزل أبيه ليتجنب نبوءة تنبأها والده التي تقول إن "كافكا" سوف يقتل أباه ويقيم علاقة غير شرعية مع أمه، فهروبه أدى إلى تحقق النبوءة أو بالأحرى كان مقدرًا له أن يهرب وكان مقدرًا للنبوءة أن تتحقق فلا يوجد شيء يسمى الهروب من القدر، وإنما نحن نحيا ونموت وقد قُدر لنا كيف سنحيا وكيف سنموت.
اقرأ أيضاً سلسلة روايات بساتين عربستان للكاتب السعودي أسامة المسلم
قصة هوشينو وناكاتا
يحدث أحيانًا أن نمل من نمط حياتنا المتكرر، بل قد يصل بنا المطاف إلى أن نفقد الشعور بالوقت، وقد يطرأ حدث ما في حياتنا يخرجنا من تلك الحلقة المفرغة التي وقعنا بها ويعطينا دافعًا للاستمرار، كأن نتعرف على صديق جديد أو نذهب في رحلة لم تكن في الحسبان، كما حدث مع "هوشينو" سائق الشاحنة الذي التقى بـ"ناكاتا" وقرر أن يساعده في مسعاه لإغلاق حجر المدخل، وخلال رحلته اكتشف حبه للموسيقى واختلفت تمامًا نظرته للحياة.
ليست الحياة لطيفة معنا دائمًا، بل قد تكون قاسية لدرجة أنها قد تترك فينا أثرًا نفسيًا أو جسديًا.
فعندما كان "ناكاتا" صغيرًا، وفي تلك الرحلة المدرسية التي وقع فيها ذلك الحدث الغريب الذي أدى إلى غياب "ناكاتا" وأصدقائه عن الوعي، وفقدان "ناكاتا" القدرة على القراءة والكتابة واكتسابه قدرة التحدث إلى القطط عنفت المعلمة "ناكاتا" قبل وقوع الحدث بقليل لفعل بسيط كان قد ارتكبه.
فذلك الحدث لم يترك بلا تفسير، فتعنيف المعلمة، ترك بـ"ناكاتا" أثرًا نفسيًا أدى إلى فقدانه القدرة على القراءة والكتابة واكتسابه قدرة التحدث إلى القطط، كصورة من صور العقد النفسية.
فمرحلة الطفولة هي المرحلة الأهم في حياة أي إنسان، ولها الدور الأهم في تشكل شخصية الإنسان في مرحلة البلوغ.
في الختام أريد القول إن الرواية رمزية وقد لا تصلح للجميع فهي لا تتبع النمط المتبع في أغلب الروايات كأن تبدأ من النقطة "أ" وتنتهي بالنقطة "ب".
فهنا القطط تتحدث، والسماء تمطر سمكًا، وكثير من الألغاز والأحداث الغريبة التي قد تترك بلا تفسير، فالأمر هنا يعود للقارئ وللتفسير الذي يراه مناسبًا لتلك الأحداث.
🌷🌷🌷🤍
مقالة رائعة وسرد لطيف مشوق وغير ممل بانتظار المزيد.منك ...اتمنى لك التوفيق الدائم .
جميل
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.