مدينة بلد قديمًا وفي عصر الإسلام

أما العهود التي مرت بها المدينة، فقد ثبت أن أقدمها يرتقي الى عصر العبيد (4000-3500 ق.م)، استنادًا الى الملتقطات التي ظهرت في أعمق طبقاتها.

وزادت أهمية المدينة في العصر الآشوري، كما يتبين من المقالع الحجرية التي استخدمها الآشوريون للحصول على حجر (الحلان) والرخام الموصلي (المرمر).

(لوح 3) لقد نحت الآشوريون من الآحجار المستخرجة من مقالع بلاطو (balâtu) والمنحوتات الجدارية وكذلك تماثيلهم، ولا سيما الثيران المجنحة التي كانت تنقل عبر دجلة بواسطة الأكلاك إلى أمهات المدن الآشورية لتنصب على أبواب الأسوار والقصور.

حيث نقل عدد من تلك الثيران المجنحة منها إلى نينوى، لا سيما خلال مدة حكم الملك الآشوري سنحاريب (704-688 ق.م)، فقد جاء في إحدى مدوناته ما نصه: «سنحاريب ملك الكون، ملك آشور، الثيران المجنحة الضخمة الحامية التي نحتت في (بلداي) إلى قصري الملكي في نينوى استمعت بنقلها (سحبها)». 

وعلى ذلك يمكن القول إن مدينة بلد كانت من المدن الآشورية المهمة المنتجة التي كما ذكرنا تزود للعواصم الآشورية بالمنحوتات، أو الحجارة الخاصة، أو المعدة للنحت عليها.

وما يؤكد ذلك أن التنقيبات الآثرية التي أجرتها الهيئة العامة للآثار والتراث مؤخرًا في المدينة، قد كشفت عن عدد من اللقى الأثرية مثل الأختام الأسطوانية والأساور والخناجر التي وجدت في القبور الآشورية التي ترتقي في الزمن إلى العصر الآشوري الوسيط (1500-911 ق.م) والعصر الآشوري الحديث (911-612ق.م).

وعقب سقوط الدولة الآشورية عام 612 ق.م باتت مدينة بلد ضمن ممتلكات الدولة الأخمينية (539-331 ق.م).

وتسكت المصادر التاريخية عن مدينة بلد حتى سنة (241) ميلادية، عندما ظهرت الدولة الساسانية في فارس، حين تمكن سابور ملك الساسانيين من ضم مناطق واسعة إلى ملكه، كان منها الموصل وبلاد الجزيرة، وهكذا باتت مدينة بلد خاضعة للحكم الساساني، كونها من أعمال الموصل، إضافة إلى أنها كانت من ضمن كور الجزيرة.

وفي عهد كسرى الأول (أنوشروان) (521-579م) اندلعت الحرب بين الروم والفرس، فأغار الروم على مدن الجزيرة، فكان من نتائجها الخراب الذي عم أغلب مدن الأقاليم ومنها مدينة بلد بالطبع. 

 اقرأ ايضاً مصطلحات من التراث الشعبي المصري القديم

مدينة بلد في العهود الإسلامية

في فجر الإسلام شملت المدينة بالفتوحات الإسلامية، وقد تضاربت آراء المؤرخين في الطريقة التي فتحت بها مدينة بلد، فهناك من يذكر أنها قد تحررت قبل مدينة الموصل، وآخرون يرون أن ذلك قد حدث بعد تحرير الموصل.

ومهما يكن من أمر فإن مدينة الموصل قد تحررت في سنة 16هـ/637م في عهد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على يد ربعي بن الأفكل العنزي. أما بخصوص فتح بلد، فقد جاء في أحداث سنة (17هـ) أن عبد الله بن عبد الله بن غسان أنه بعد فتح مدينة الموصل عبر دجلة إلى مدينة بلد، ومنها سار إلى نصيبين.

ويقال: إن عياض بن غنم أقبل إلى الجزيرة سنة (18هـ/639م) فافتتح مدنها. وعلى ذلك يمكن القول: إن فتح مدينة بلد ربما زامن فتح مدينة الموصل أو بعدها بقليل.

وفي عهد بني أمية (41-132هـ / 660-749م)، نحن نعلم أن عبد الرحمن بن عثمان الثقفي قد تولى إمارة الموصل والجزيرة سنة (51هـ/677م) من قبل معاوية.

وتولى محمد بن مروان سنة (75هـ/694م) الموصل والجزيرة وأرمينية وأذربيجان في عهد عبد الملك بن مروان، لكن المراجع التاريخية تسكت عن مدينة بلد إبان ذلك العصر، وما شهدته من عمران واهتمام أو تقدم السبب هو حروب بني أمية التي أدت إلى ضعف مكانة بلد في العصر الأموي.

يذكر الأثاريون الذين أجروا التنقيب بالمدينة أنهم عثروا على بعض المسكوكات الأموية، لكننا لم يحالفنا الحظ في دراستها لعدم الوصول إليها أولًا، ولعدم توافر سجلات التنقيب ثانيًا. 

اقرأ ايضاً أصول الحكمة عند السومريين والأكديين والآشوريين

ازدهار مدينة الموصل في العصر العباسي

وفي العصر العباسي ازداد الاهتمام بمدينة الموصل وغيرها من مدن الجزيرة بما في ذلك مدينة بلد، التي كانت تحكم وتدار إداريًّا مباشرة من مدينة الموصل. 

فإن أول إشارة تاريخية في ذلك العهد إلى بلد كانت في أواخر خلافة المنصور(136-158 هـ / 754-775 م)، فقد أشارت المراجع التاريخية إلى أن أول من تولى تلك المدينة، وهو موسى بن مصعب الخثمعي سنة 154هـ/770م. وولي هارون الرشيد (170-193 هـ / 786-809 م) عبد الله بن محمد بن فروخ على سنجار، وبلد، ونصيبين سنة (171هـ/787م). 

فإن إزدهار المدينة لم يدم طويلًا في ظل العباسيين بسبب الفتن والحروب والحوادث المتعاقبة، التي أدت بذلك إلى هجرة عدد كبير من سكانها، واستمر تدهور المدينة في عهد الحمدانيين، وكان من أهم ما تدهور بالمدينة الطواحين المائية (العروب) التي كانت تطحن الحبوب، وتزود مدينة بغداد وغيرها من المدن العراقية بها، التي اشتهرت بها المدينة، وظل تراجع مدينة بلد مستمرًا في عهد بني عقيل، وكان من وراء ذلك الخلافات بين الأمراء العقيلين مع البويهين ثم مع السلاجقة.

في سنة 660 هجرية (1262م) خضعت المدينة لحكم المغول، وكان (سوتاي) أول حاكم عليها منهم في عهد هولاكو الذي كان قد احتل حاضرة الخلافة العباسية بغداد في سنة 656 هجرية (1258م)، فصارت المدينة خرابًا صفصفًا.

وفي بداية الحكم العثماني في بلاد الرافدين (941/1521م) أصبحت المدينة مرتبطة (بايالات) الموصل بدءًا بعهد السلطان سليمان القانوني (926-974 هـ / 1520-1566م).

ومن الواضح أن مدينة بلد كانت مأهولة بالسكان في العهد العثماني، ونحن نعلم أيضًا أن هناك قلعة أو حصنًا عثمانيًّا قائمًا على مرتفع يقع شمال المدينة الذي يعرف بالقلعة العثمانية التي يبلغ ارتفاعها عن مستوى سطح النهر 822 قدمًا، ولا تزال بقاياها ظاهرة لحد اليوم.

اقرأ ايضاً الموصل.. موقعها وسبب تسميتها

النشاط الاقتصادي والحياة الاجتماعية

ما تمتاز به مدينة بلد كونها تقع في وسط سهل منخفض يحيط بها من ثلاث جهات الشمالية والغربية والجنوبية. إنه سهل منخفض ساعد الناس على الإقبال على الزراعة، ومن ثم تنشيط الحركة الاقتصادية، وكان من أشهر منتوجاتها الحنطة التي كانت تعد مضرب المثل في الجودة، حتى كان الناس يتهادون فيما بينهم في بلاد الجزيرة عمومًا.

ولما كانت بلد تقع على الطريق التجاري الرئيس الذي يربط نصيبين بمدينة سنجار وجزيرة ابن عمر، شيد فيها العديد من المباني الخدمية مثل الحمامات، والأسواق والقيصريات، والخانات التي ما يزال منها شاخصًا بصورة جزئية ذلك بما كشفته التنقيبات الأثريه للمدينة.

إن النشاط الإقتصادي للمدينة لم يقتصر على الطرق البرية فحسب، بل كان له صلة بالمدن عبر الطريق النهري بواسطة الطوافات والزوارق منحدرة منها إلى الموصل وبغداد.

اقرأ ايضاً دراسة حكمة أخيقار لغويًا وتاريخيًا

بم اشتهرت مدينة بلد؟

اشتهرت مدينة بلد بالطواحين المائية والتي تعرف (بالعروب)، وهي تشبه النواعير التي تدير دواليبها القوة المائية، ومن البديهي أن الطواحين تقع على نهر دجلة يكون عملها موسميًّا، وهي المدة التي تحمل فيها الحنطة في السفن. 

كل هذا يدل على ازدهار الحياة في بلد بصفتها نتيجة طبيعية إلى كثرة الغلات والشجر والزرع والمباخس التي تدر الأموال عليها، إضافة الى أهميتها الاقتصادية، كان للمدينة دور كبير في ضرب النقود المساعدة في العصور الإسلامية، وقد عثر على عدد منها، 
ومن أهمها ثلاث مسكوكات نحاسية (فلس)، إحداها محفوظة في متحف باريس، أما المسكوكتان الأخريان محفوظتان في المتحف العراقي.

تعود جميعها في تاريخ ضربها إلى سنة 155هـ / 771م في عهد الخليفـة العباسي أبي جعفـر المنصور على يد أمير الموصـل والجزيرة موسى بن مصعب الخثمعي المثبت اسمه على تلك المسكوكات 
النحاسية.

وفيما يتعلق بالحالة الاجتماعية، فقد كان سكانها مزيجًا من العرب النازحين من شبه جزيرة العرب، وكذلك سكن المنطقة من العرب الأصليين، إضافة إلى بعض الآراميين (الجرامقة)، كما وجدت طوائف دينية متعددة من المسلمين والنصارى وطائفة قليلة من اليهود.

وتبين من المعلومات التاريخية والتنقيبات الأثرية هذا التنوع بواسطة دور العبادة التي كشفت عنها المساجد والاديرة، إضافة إلى المدارس الدينية، وقد وردت إشارات تاريخية لها.

لقد ذكر البلداني محمد بن أحمد المقدسي المتوفي سنة 380 هجرية (990م) أن الجامع يتوسط المدينة قوله: «بلد كثيرة القصور، حسنة البنيان من جص وحجر وفرجة الأسواق، والجامع وسط المدينة». ولم يبق من هذا الجامع في الوقت الحالي سوى بعض قواعد الأعمدة وبقايا من قاعدة المئذنة.

وكما تشير بعض المراجع الإسلامية إلى وجود بعض الأضرحة، أو المشاهد الدينية في المدينة، أهمها مقام (عمر بن الحسين بن علي بن أبي طالب). ومن المؤسف لم يبق لهذا المشهد أثر في الوقت الحاضر.

ومن البديهي أن تكون هذه المدينة لأهميتها البالغة محصنة كبقية المدن المشابهة، فقد أحيطت بسور على شكل نصف دائرة مواز  لشاطئ دجلة. ولا يزال بقايا هذا السور قائمة، ويلاحظ هنا وجود عدد من أبراج هذا السور. وقد أظهرت التنقيبات بقايا أحد مداخل المدينة.

تشغل المدينة حاليًّا مساحة من الأرض قدرها 433 دونمًا، وتعرف بقرية (أسكي موصل) الحالية التي بنيت تجاوزًا على المنطقة الأثرية، في حين محيطها يبلغ 5.482 مترًا، موضحًا ذلك على البيان الفضائي.

ولا يزال حتى يومنا هذا الاستيطان بها مستمرًّا. علمًا أن تلك التنقيبات الأثرية التي أجريت للمدينة لم تستظهر إلا جزءًا من المدينة، موضحًا ذلك على الخارطة الكنتورية للمدينة.

رسالة ماجستير تاريخ قديم

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

رسالة ماجستير تاريخ قديم