مدينة النسيان.. رواية عن المحو والذاكرة والحرية

في عالم يخضع فيه الوعي للرقابة، والذكريات للمحو، تقف دكتورة الأعصاب «ندى عمران» على حافة الشك في كل ما تعرفه، بين جلسات إعادة التمهيد وقاعات الأرشيف المحظور، وتكتشف أن ماضيها لم يُمحَ فقط، بل أُعيدت كتابته. «ظل فتاة» ليست مجرد رواية عن فقدان الذاكرة، بل عن الإنسان حين يتحوّل إلى مشروع دولة، وعن الذاكرة حين تصبح فعل مقاومة. فهل تتذكر ندى من كانت؟ أم ستُجبر على نسيان ذلك للأبد؟

الفصل الأول: ملف رقم 7 .. ظلّ فتاة

كانت الساعة تشير إلى الرابعة والربع صباحًا حين رنّ جرس التنبيه في قسم «العقل الواعي» التابع لمؤسسة التوازن الذهني.

الضوء الأزرق الخافت يتسلّل عبر قضبان النيون على السقف، وكل شيء في المكان بدا نظيفًا أكثر مما ينبغي، وكأن العالم بأسره غُسل من أي أثر للإنسان.

الدكتورة ندى عمران، اختصاصية الأعصاب ومسؤولة العمليات النفسية في القسم 9، كانت قد غفت على طرف مكتبها، محاطة بملفات رقمية معلّقة في الهواء، وشاشة تعرض أنشطة ذهنية لمرضى خضعوا مؤخرًا لـ«إعادة ترتيب».

رنّ التنبيه الثاني، لكنه لم يكن روتينيًا.

ظهر على الشاشة:

Ø «تنبيه عاجل: حالة مستعجلة غير مبرمجة – ملف رقم 7»

ارتفع حاجباها، ونهضت كأن شيئًا في جسدها استشعر الخطر قبل عقلها.

ملف برقم فردي من الخانة الأولى؟ هذا نادر جدًا.

فتحت الملف.

اسم الحالة: سهى خالد
العمر: 27
سبب الإحالة: ظهور ذكرى غير مصنّفة في أثناء جلسة اعتيادية
تعليق النظام: مراجعة فورية. احتمال اختراق داخلي.

شعرت ندى بوخز داخلي.

قبل دقائق، كانت تقرأ تقريرًا عن ارتفاع عدد حالات «الارتداد»، وهو مصطلح يستخدمه النظام لوصف من «يبدأون بتذكّر ما مُحي سابقًا». لكن لا أحد يجرؤ على تسميته هكذا صراحة.

لم يمضِ وقت طويل حتى فُتح باب العيادة، ودخلت فتاة بشعر أسود مربوط إلى الخلف، عيناها داكنتان، تمشي بهدوء قاتل كأنها تعرف كل زاوية في الغرفة.

جلست دون أن يُطلب منها.

قالت ندى: «مرحبًا، سهى... هل تذكرين سبب وجودك هنا؟»

ابتسمت الفتاة ابتسامة صغيرة، مائلة للحزن، ثم قالت: «أجل. لأنني لم أنسَ».

سكتت ندى. قلبها بدأ يدقّ بقوة.
— «ما الذي لم تنسيه؟»
— «وجه أبي، واسم أمي، ورائحة المطر حين مات أخي».

ندى لم تكن تعرف ماذا تقول. هذه التفاصيل لا يمكن أن تمرّ في جلسة ترتيب ذاكرة عادية.

ثم أضافت سهى بهدوء: «كنتِ زميلتي هنا منذ 10 سنوات، قبل أن يخضعوكِ لعملية المحو».

جفّ حلق ندى.
— «ما الذي تتحدثين عنه؟»
— «أعرفك، حتى إن كنتِ لا تعرفينني. كنتِ تؤمنين بالحرية، قبل أن يطفئوكِ».

ندى ضغطت على زرّ الطوارئ تحت الطاولة. لكن الشاشة أمامها بدأت تتشوّش.

ظهرت رسالة قصيرة:

Ø «لا تبحثي عن الماضي... هو سيبحث عنك».

ثم انقطعت الكهرباء.

الفصل الثاني: إعادة تمهيد

حين عادت الأضواء، لم يكن في الغرفة أحد.

لا سهى، ولا الحارس، ولا حتى أثر للجلسة.

ندى جلست مشدوهة، تُحاول أن تلتقط أنفاسها وتفكّر:
هل ما حدث حقيقي؟ هل كانت سهى فعلاً موجودة؟ أم أنها هلوسة ذهنية بسبب الإرهاق؟

رفعت عينيها إلى الشاشة، فلم تجد أي سجلّ.
ملف رقم 7… اختفى.

أعادت تشغيل النظام. أدخلت كلمة المرور السرّية الخاصة بكبار الأطباء.
ولا شيء. لكن على أحد الرفوف المضيئة، وجدت شيئًا غريبًا: ورقة ورقية حقيقية، شيء لم تره منذ سنوات.

كُتب عليها بخط يدوي:

«أنتِ متذكرة أكثر مما تعتقدين.
إذا أردتِ أن تعرفي الحقيقة، لا تسأليهم… بل اسألي ذاكرتك».

ندى قرأت الجملة مرتين، ثم طوت الورقة سريعًا وأخفتها في جيب معطفها. كان قلبها يدق كما لو أنه يطرق على باب عقلها.

دخل فجأة شخص يرتدي الزيّ الرسمي الأبيض، يحمل شارة إداريّة باسم: الدكتور فاضل بن رؤوف.

قال بابتسامة باردة: «دكتورة ندى؟ يوجد تحديث دوري مطلوب في وحدتك. نحتاج فقط لفحص سريع لذاكرتك».

ندى وقفت دون أن ترد. شيء ما في نبرة صوته لم يبدُ طبيعيًّا.

قادها عبر ممرّ طويل نحو جناح مغلق لم تدخل إليه منذ سنوات.

قال فاضل وهو يفتح الباب الآلي: «الغرفة معقّمة. فقط استرخي، الفحص لا يستغرق سوى ثلاث دقائق».

لكن عندما دخلت، أدركت فورًا أنها ليست غرفة فحص.
إنها غرفة إعادة تمهيد.

الكرسي المتوسّط، الحزام المغناطيسي، أنابيب التهدئة العصبية، وسقف يحوي جهاز بثّ مباشر للذكريات.

قالت وهي تتراجع: «أنا لست بحاجة لإعادة تمهيد».

ابتسم فاضل، واقترب منها.
— «أحيانًا، يا دكتورة، لا نعلم أننا بحاجة إليه.. حتى يصبح الوقت قد فات».

ثم أشار بإصبعه، فدخل اثنان من الفنيين.

ندى حاولت المقاومة، لكنها شعرت بوخز في رقبتها.
العالم أصبح مشوّشًا. الأصوات اختلطت.

قبل أن تغيب عن الوعي، سمعت صوتًا مألوفًا يهمس في أذنها:

«كل شيء بدأ يوم أطفأتِ المرآة».

ثم الظلام.

الفصل الثالث: المدينة التي لا تنام

استفاقت ندى ببطء.

لم يكن يوجد ضوء، ولا صوت.. فقط إحساس ثقيل بالفراغ. كانت مستلقية على سرير بلا ملامح، داخل غرفة بلا نوافذ، تذكّرها بأرشيف الصور المُمحاة الذي اعتادت فحصه في النظام.

لكن الفرق الوحيد هذه المرة… أنها كانت الصورة نفسها.

فتحت عينيها كليًّا، لتجد كاميرا صغيرة موجهة إلى وجهها. ضوء أحمر خافت يومض ببطء.

حاولت النهوض، لكن جسدها خذلها. اليد اليمنى مربوطة بسوار عصبي، يعطّل الحركة إذا تجاوزت نبضات قلبها حدًا معينًا.

رائحة معقّمة تملأ المكان، وزجاج شفاف في الحائط يكشف ممرًا مراقَبًا، يمر به موظفون بوجوه ميتة، يحملون لوحات إلكترونية دون أن يرفعوا رؤوسهم.

وفجأة، فُتح الباب بانزلاق آلي، ودخل الدكتور فاضل مرة أخرى. كان مبتسمًا، وممسكًا بجهاز تحكم صغير.

قال بنبرة هادئة:

— «مرحبًا مجددًا يا دكتورة ندى. يبدو أن الاستجابة لديك أفضل من المتوقع».
— «ما الذي فعلته بي؟!»
— «إجراء وقائي فقط. ثبتنا الحاجز، وفحصنا نقاط الارتداد لديك».
— «أي ارتداد؟! لا شيء بي يحتاج محوًا».

ابتسم ابتسامة قصيرة وقال: «الحقيقة ليست ما تتذكرينه، بل ما تسمح لك الدولة بأن تتذكّريه».

ثم اقترب منها، وأخرج من جيبه قطعة زجاج صغيرة شفافة، عرض عليها فيديو صامت.

ظهر فيه وجه ندى نفسها، وهي تجلس في قاعة تحكّم، تقرأ ملفات، وتوقّع بالموافقة على حذف ذكريات لعشرات المواطنين.

قال فاضل: «كنتِ واحدة من كبار مشرفي المحو في القطاع المركزي قبل خمس سنوات.
لكن بعد أن بدأتِ تتشككين في أهداف المشروع… قررنا إعادة تمهيدك».

— «كذب.. أنا لست..!»
— «بل كنتِ. لكن لا تقلقي، جعلناكِ تنسين ذلك… حفاظًا عليكِ».

ندى شعرت بالاختناق. دماغها بدأ يقذف صورًا مشوشة:
امرأة تصرخ، رجل يحمل رضيعًا، صالة انتظار مظلمة، ووجهها… وهي ترتدي زي النظام الأعلى.

قال لها فاضل وهو يغادر الغرفة: «إن أردتِ أن تعودي كما كنتِ، علينا أن نكمل التمهيد غدًا. لكن إن أردتِ أن تعرفي من أنتِ فعلاً… فربما ستكرهين الجواب».

ثم خرج.

ندى نظرت إلى الزجاج، ثم همست: «أنا… كنتُ سبب النسيان؟».

وسقطت دمعة صامتة من عينها.

الفصل الرابع: الرسالة من الظل

في اليوم التالي، كانت ندى تجلس في الغرفة ذاتها.
نفس الإضاءة البيضاء، نفس الجدران الصامتة، ونفس الصمت الذي بات يُشبه الضجيج.

لكن شيئًا داخليًّا تغير.

لم تعد خائفة كما في اليوم الأول، بل كانت مضطربة… كما لو أن شيئًا في داخلها بدأ يتنفس لأول مرة منذ سنوات.

حين عادت إحدى الممرّضات لتفحص مستوى الاستجابة العصبية، اقتربت من ندى وهمست بسرعة:

— «أحدهم ترك لكِ هذا».

ثم وضعت شيئًا صغيرًا في يدها قبل أن تغادر دون أن تنبس بكلمة أخرى.

كان شيئًا بحجم الظفر، دقيقًا كالرمش، ولامعًا مثل شظية زجاج.

ما إن ضغطت عليه بإبهامها حتى انبعث منه ضوء أزرق، ثم ظهر عليه وجه مألوف…

سهى.

لكنها لم تكن تبث حيًّا. كان التسجيل مسجّلًا، واضحًا، وموجّهًا لندى بالاسم.

Ø «ندى، إذا وصلتك هذه الرسالة، فهذا يعني أني إما هاربة… أو تم حذفي».

Ø «أعلم أنك تشكين، وقد تبدئين بتذكّر ما كان، أو ربما فقط تحلمين.
لكن ما سأقوله الآن ليس حلمًا: كنتِ أول من نبهني إلى وجود خطأ في النظام. أنتِ من أرسل إليّ أول إشارة قبل خمس سنوات. كنتِ أنتِ من حذّرني. لكنك… خُدعت».

ندى وضعت يدها على فمها، والدم يتراجع من وجهها.

Ø «إن أردتِ أن تعرفي الحقيقة، عليكِ الذهاب إلى «الطبقة الناقصة» في أرشيف الذاكرة تحت مبنى المكتبة المركزية.
وراء الرف الأخير من القسم 12، ستجدين بابًا صغيرًا خلف مجلدات قديمة.
ادخليه. ولا تصدّقي أحدًا… حتى نفسك».

انتهى التسجيل.

لكن قبل أن يُطفئ نفسه، ظهرت على الشاشة عبارة لم تُكتب بصوت، بل نُقشت على الشاشة بوميض خافت:

Ø «من يتذكّر… لا يعود كما كان».

ندى جلست مشلولة للحظات. أفكار كثيرة تتداخل:

هل كانت حقًا جزءًا من هذا المشروع؟
هل خُدعت؟ أم خدعت غيرها؟
هل حياتها الحالية… مجرد نسخة معدّلة من ذاكرتها الحقيقية؟

لكنها الآن أمام خيار: أن تبقى ساكنة كما يريدون، أو تغوص أعمق، وتدفع الثمن.

نهضت.

هذه المرة، كان الخوف مختلفًا… خوف يمشي مع الوعي.

الفصل الخامس: الطبقة الناقصة

لم يكن الخروج من المقر الطبي أمرًا سهلاً.
ندى، رغم امتلاكها شارة من الدرجة الثالثة، كانت بحاجة إلى المرور من بوابتين، وتقديم تصريح رقمي يحدد وجهتها بدقة. لكن الليلة، بدت المدينة أقل حراسة من المعتاد. ربما لأنهم اعتادوا ألا يخرج من يُعاد تمهيده... بمحض إرادته.

خرجت ندى من المبنى بهدوء، عبّرت ساحة «الطمأنينة المركزية» بوجه ثابت وخطى لا توحي بالخوف.

في السماء، شاشات إلكترونية تعرض شعار التوازن الذهني، وشعارات مثل:

Ø «النسيان… هو بداية السلام»
«من ينسى أكثر، يعيش أطول».

لكنها كانت تسمع صوتًا آخر في داخلها:

Ø «من ينسى نفسه… لا يعيش أصلًا».

مشت حتى وصلت إلى مبنى المكتبة المركزية.
من الخارج، بدا عاديًا: هيكل زجاجي حديث، واجهاته تعرض أغلفة كتب رقمية مصنفة حسب الفئة والمزاج.

لكن الداخل كان شيئًا آخر.

الطابق الأول مملوء بزوار لا يقرؤون. مجرد متفرجين يلمسون الكتب بتمرير الإصبع، دون أن يفتحوا سطرًا.

الطابق الثاني خالٍ تقريبًا… إلا من موظف آلي يرد على الأسئلة بإجابات مكررة.

أما الطابق الثالث، الذي يُمنع دخوله دون ترخيص بحثي خاص، فقد كان مقفلًا بشيفرة، تحفظها ندى منذ أيام دراستها.
أدخلتها.

الباب انفتح.

المكان كان مظلمًا، لا نوافذ، لا حواسيب… فقط رفوف خشبية عالية، ومجلدات مغبرة.

لم تكن هذه مكتبة حديثة، بل أشبه بسرداب من زمن آخر.

مشَت بين الرفوف، حتى وصلت القسم 12، كما أوصت سهى.

آخر رف.
دفعت الكتب بحذر، حتى انزاح واحد منها وظهر وراءه مقبض حديدي صغير.

ترددت.

ثم مدّت يدها وسحبته.

الباب انفتح… ببطء.

الداخل كان ممرًا ضيقًا، مضاءً بمصابيح صفراء كأنها تنبض بالحذر. وعلى الجدران، لوحات صغيرة كتب عليها تواريخ:

«2081 – حادثة البداية»
«2085 – أول جلسة محو جماعي»
«2088 – اختفاء الملفات الأصلية»

ندى مشَت حتى وصلت إلى غرفة دائرية في نهايته.

في الوسط، جهاز عرض قديم. وعلى الطاولة، صندوق صغير كتب عليه:

Ø «ملف رقم 0 – محظور على الجميع»

فتحت الصندوق.

في داخله… صورة.

صورة لها، وهي طفلة في الخامسة، واقفة أمام بناية حكومية. خلفها رجل ذو وجه مألوف. كان يبتسم، ويده على كتفها.

كان والدها.

ندى حدّقت في الصورة طويلاً.
ثم دمعت عيناها.

في تلك اللحظة، بدأت تتذكّر.

الفصل السادس: حُرّاس الصمت

ندى كانت لا تزال ممسكة بالصورة، حين انبعث صوت خافت من الجدار، بدا كصوت تنبيه قديم:

Ø «الوصول إلى المنطقة المحظورة تمّ تسجيله.
يرجى عدم مقاومة عناصر وحدة الاستعادة الأمنية».

تجمّدت في مكانها.
الهواء في الغرفة أصبح أثقل، والضوء الأصفر بدأ يرفّ كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة.

ثم سُمعت خطوات.
هادئة، دقيقة، كأنها مدروسة بالإيقاع.

خرجت ندى من الغرفة بسرعة، الصورة في يدها، وركضت عبر الممر، تتلمّس طريقها في الظلام.

كان قلبها يدقّ أسرع من صوت تنفّسها.

وصلت إلى المكتبة، ورفعت الغطاء الخشبي وأعادت ترتيب الكتب فوق الباب السري.

جلست على كرسي وفتحت كتابًا عشوائيًّا، تحاول أن تتظاهر بأنها قارئة عابرة.

لكن بعد لحظات، وقف أمامها رجلان يرتديان زيًّا رماديًّا لا يحمل شارات، فقط رمز النظام محفور على الياقة:

ثلاث دوائر متداخلة – رمز التوازن.

قال أحدهما: «دكتورة ندى عمران؟»

رفعت عينيها.
— «نعم؟»

— «يرجى مرافقتنا فورًا».

— «هل من مشكلة؟»
— «ليس بعد».

تم اقتيادها بهدوء خارج المكتبة، لكنها لاحظت أنه لم يكن اعتقالًا علنيًّا.
لا ضجيج، لا أصفاد… فقط سيارة صامتة بسطح داكن وزجاج لا يعكس شيئًا.

دخلت السيارة وجلست في المقعد الخلفي.

على الطرف المقابل جلس رجل في منتصف الخمسين، بملامح ثابتة وابتسامة رسمية.

قال بهدوء: «دكتورة ندى… أرجو أن تفهمي أننا لا نرغب في إيذائك.
ما نفعله هنا هو لمصلحة الجميع».

سألته: «من أنت؟»

أجاب دون أن يرمش: «الرائد نَوّار عبد اللطيف.
رئيس وحدة المحو الوقائي».

صمتَ لحظة، ثم أخرج من سترته بطاقة قديمة، بحواف مهترئة.

كانت صورة قديمة له… وهو يحمل طفلًا.

قال: «اسمه آدم. كان ابني.
وقد اخترتُ أن أنساه… من أجل الوطن».

نظر إليها بعينين فيهما صدق ممزوج بالألم.

— «الآن... لست متأكدًا أني كنتُ على حق».

ندى لم تقل شيئًا.

لكن داخلها، شيء ما تغيّر.

لقد رأت في عدوّها إنسانًا ممزقًا مثلها.

وكانت تعرف: هذه هي بداية التصدّع.

الفصل السابع: صدع في الوعي

أُدخلت ندى إلى مبنى لم تره من قبل.

لم يكن يحمل أي شعار رسمي، ولا حتى لافتة.
مجرد بناء رمادي قاتم، مطوّق بكاميرات لا تتحرّك، وأبواب تُفتح بالصمت.

في الداخل، رافقها الرائد نَوّار شخصيًا.
لم يتحدث. فقط سار أمامها، وخطاه تصدر إيقاعًا معدنيًا فوق الأرضية الملساء.

أدخلوها إلى غرفة دائرية، فيها كرسي واحد وشاشة بيضاء كبيرة مثبّتة على الجدار.

قال نَوّار: «ما سترينه الآن هو أرشيفك… أنتِ.
ملفاتك التي حُذفت على مراحل، منذ خمس سنوات».

ندى ابتلعت ريقها.

أشار إلى الشاشة. اشتغلت.

ظهرت أول صورة: فتاة صغيرة تجلس على ركبتي رجل ملتحٍ، يعلّمها الحروف الأبجدية.

ندى شهقت: «هذا… أبي؟»

نَوّار أومأ: «كان يعمل معنا في النسخة الأولى من مشروع "استقرار الوعي". لكنه انسحب حين بدأت الأمور تأخذ منحًى رقابيًّا».

ثم ظهرت صورة أخرى: ندى في معطفها الأبيض، تُوقّع بالموافقة على إزالة ذاكرة جماعية لمجموعة من الأطفال.

ندى صرخت: «لا… لا أذكر هذا!»

قال نَوّار: «لأننا محوناه».

ثم ظهر فيديو قصير. ندى تجلس في غرفة صغيرة، تُحدّق في مرآة.

كان يُعاد تمهيدها.

ندى أمسكت رأسها، وشعرت بدوخة غريبة، كأن ذاكرتها نفسها بدأت تتمزق بين الماضي والحاضر.

قالت بصوت منخفض: «لم أكن أعلم... كنت أظن أني أعالج، لا أني أُشارك في المحو».

قال نَوّار بهدوء: «نحن جميعًا بدأنا بالنية الطيبة. لكن النظام لم يترك لنا خيارًا».

ثم جلس أمامها، ومدّ يده بورقة حقيقية.

كانت نسخة من توقيع والدها على خطاب انسحاب من المشروع، مؤرّخ قبل 10 سنوات.

أسفل التوقيع، بخط اليد، كتب والدها:

Ø «من لا يملك ذاكرته… لن يعرف لمن ينتمي».

ندى انهارت بالبكاء.

ولأول مرة منذ سنوات، لم تكن دموعها ناتجة عن فقدان شيء… بل عن استعادته.

الفصل الثامن: المدينة تتذكّر

بعد لقائها بالرائد نَوّار، لم تُعَد ندى إلى مركز التوازن. بل سُمح لها بالبقاء تحت «المراقبة الحرة»، وهو مصطلح جديد يعني: نثق بك… لكن لا تنسَ أن أعيننا معك.

عادت إلى شقتها القديمة التي لم تدخلها منذ شهور. الأثاث كما هو، النباتات البلاستيكية لا تزال واقفة بكبرياء زائف، والشاشة الكبيرة في الصالة تعرض نفس العبارات المتكررة:

«نسيان الذكرى المؤلمة… حماية للنفس».
«التوازن يصنع الإنسان الأفضل».

لكن شيئًا في الأجواء تغيّر.
بدأت ندى تلاحظ تصدّعات صغيرة.

في الصباح، وجدت على باب شقتها ورقة بلا توقيع، كُتب عليها:

«هل تتذكّرين الطفلة التي كانت تحب القصص؟ لا تجعليها تموت».

في طريقها للعمل، مرّت بجدار إعلاني عملاق، وبدل الصورة المعتادة لأسرة تبتسم بعد جلسة حذف، ظهر لثوانٍ وجه رجل عجوز يصرخ، ثم انقطع البث.

ندى وقفت وسط الشارع، تنظر إلى المارّين.
في وجوههم شيء جديد… شرود لا يشبه الطاعة، تساؤل خافت.

وفي صالة الانتظار الخاصة بالمراجعين، لاحظت أن عدد من يطلبون حذف الذكريات بدأ يتناقص.
في المقابل، زادت طلبات «المراجعة الشعورية»، وهو مسار قديم يسمح للناس بمناقشة الذكرى بدل محوها.

وفي غرفة المراجعة، جلست معها امرأة مسنّة، وقالت: «كل أسبوع أحذف صورة من وجهي في المرآة… لكنني أستيقظ لأجد التجاعيد قد عادت».

ندى سألتها: «ولماذا تفعلين ذلك؟».

— «قالوا لي إن نسيان زوجي المتوفى سيساعدني على النوم.
لكن كلما نسيت… صارت الوحدة أعمق».

سكتت ندى، ثم همست: «ربما الألم لا يُمحى… لأنه جزء من الحب».

المرأة بكت.

وفي اللحظة نفسها، خرج من جهاز الطوارئ صوت غريب:

«اختراق في شبكة التوازن – إشارات وعي غير مصنّفة».

ندى رفعت رأسها.

المدينة… تتذكّر.

الفصل التاسع: الكيان 47

في اليوم التالي، أُغلقت بعض الشوارع الفرعية بحجة «تحديث شبكات البثّ الواعي».
لكن ندى كانت تعلم: المدينة تحاول أن تُخفي شيئًا.

أصبحت ترى الجدران نظيفة أكثر من المعتاد، كأنها تُغسل بيد مرتجفة.
ومع ذلك، واصل بعضهم الكتابة.

كلمات قصيرة تظهر ليلاً، ثم تُمحى في الصباح:

Ø «هل تذكّرت اليوم؟»
«من أطفأ القصص؟»
«ذاكرتك لا تخونك… هم من فعلوا».

في المساء، في حين كانت ندى تستعرض أحد ملفات المراجعة القديمة، تلقّت إشعارًا مشفّرًا على جهازها الخاص. لم يكن من النظام، بل من مصدر خارجي، يحمل رمزًا غير مألوف:

47.

الرسالة كانت نصًا فقط:

Ø «أنتِ الآن مرصودة.
لكننا نراك.
إذا أردتِ الحقيقة، تواجدي في المحطة الأرضية 6، الساعة 02:17».

لم تكن المرة الأولى التي تسمع فيها هذا الرقم.
«47» كان يظهر من حين لآخر في خلفيات الصور القديمة، على أحد الكتب التي كانت سهى تمسك بها، وحتى على طرف الشاشة أثناء استعادة أرشيف والدها.

قررت الذهاب.

عند الساعة الثانية صباحًا، وصلت إلى المحطة القديمة.
المدينة نائمة على السطح، لكن تحت الأرض… كانت الحياة مختلفة.

وجدت شابًا بملامح هادئة يرتدي معطفًا رماديًا، لا يحمل شارة رسمية.

قال لها: «كنتِ طبيبتنا، والآن… ربما تصبحين ذاكرتنا».

ندى سألت: «من أنتم؟»

ابتسم وقال: نحن الكيان 47.

لسنا ثوارًا، ولا نخرب النظام.
نحن فقط نحفظ ما يُنسى، ونمنحه لمن يبحث عنه».

ثم سلّمها جهازًا صغيرًا، وقال: «هذا مفتاح لبوابة الخادم الأم… حيث تُخزّن الذكريات قبل أن تُمحى.

إن أردتِ، نأخذكِ إليه».

ندى نظرت إلى الجهاز، ثم إليه، وسألت: «ولماذا أنا؟».

قال بنبرة هادئة: «لأنك الوحيدة التي كانت في قلب المشروع… ثم خرجت منه بجزء من قلبها سليمًا».

الفصل العاشر: الخادم الأم

رافقها الشاب من الكيان 47، واسمه عاصم، إلى نفق قديم خلف محطة المترو السادسة.
كانت الأرضية مغطاة ببلاط حجري تكسّرت بعض أطرافه، والهواء يشبه رائحة الكتب الميتة.

قال عاصم: «قبل أن يبدأ مشروع التوازن الذهني رسميًا، كانت غرفة واحدة تُخزن فيها كل الذكريات القابلة للحذف.

نسميها: الخادم الأم».

ندى سألته: «ولماذا لم تُحذف بالكامل؟».

أجاب: «لأن من أنشأها… لم يكن مؤمنًا بالمحو الكامل. ترك بابًا خلفيًّا. وكان أبوك أحد من ساعدوه في ذلك».

وصلوا إلى باب معدني ضخم، بلا مقابض، بلا تعليمات.

أخرج عاصم الجهاز الذي أعطاه لها من قبل، ووضعه في فجوة صغيرة بالجدار.
صدر طنين خافت، ثم فُتح الباب ببطء.

داخل الغرفة، رأَت ندى العشرات من الأسطوانات الشفافة، مرتبة فوق رفوف عالية، كل منها تحمل اسمًا… لا يُقرأ إلا من زاوية واحدة.

اقتربت من إحدى الأسطوانات، كان مكتوبًا عليها:

Ø «ندى عمران – ما قبل الجلسة الأولى».

مدّت يدها ببطء، وأمسكت بها.

لحظة التلامس، شعرت وكأن شرارة عبرت جسدها.

ثم… بدأت الصور تتدفّق في رأسها:

وجه والدها وهو يبتسم لها في طفولتها، يعلّمها الفرق بين النسيان والمسامحة.

ممرات الوحدة القديمة التي كانت تعمل فيها قبل أن تُعاد برمجتها.

رسالة صوتية كانت قد أرسلتها بنفسها إلى سهى، تُحذّرها من خطر الخوارزمية الجديدة.

كل شيء كان هناك.

عاصم لاحظ التغيّر في عينيها، وقال: «كل شخص يدخل هنا… يخرج شخصًا آخر. لذلك لا يُسمح لأحد بالاقتراب».

ندى تنفّست بعمق، ووضعت الأسطوانة في جهاز العرض القديم.

ظهرت على الجدار عبارة:

Ø «الذكرى ستُستعاد… على مسؤوليتك».

ضغطت: «موافق».

وفي لحظة واحدة…

استعادت ذاتها.

لكنها عرفت أيضًا، أن هذا الطريق لا عودة فيه.

«مدينة النسيان»، حيث تتجلّى الحقيقة كاملة أمام ندى، وتدرك أن ما كانت تبحث عنه طوال الوقت… ليس فقط والدها، بل ذاتها الأصلية.

الفصل الحادي عشر: الموجة الأولى

كانت جدران الخادم الأم ترتجّ بصمت، كما لو أن كل ذاكرة فيه تنبض.

ندى جلست أمام جهاز العرض، تحدّق في نفسها على الشاشة.
نَسَخَت الأسطوانة التي تحمل ذكرياتها إلى وحدة تخزين صغيرة، وأغلقتها بيد مرتجفة.

قال عاصم: «الآن صار لديك خيار: إما أن تحتفظي بالحقيقة، وإما أن تزرعيها في المدينة».

ندى سألته: «وهل هذا ممكن؟».

ابتسم وقال: «نعم، إذا بدأنا بـ(الموجة الأولى).

وهي بثّ مختصر لذاكرة واحدة… بصورتها الكاملة.
ليس مقطعًا… بل إحساسًا».

اقترب منها وسلّمها أداة صغيرة: دائرة شفافة بحجم كف اليد.

— «ضعيها خلف إحدى شاشات العرض العام.
لحظة تشغيلها، ستنتقل نبضات الذاكرة إلى المتلقّين القريبين…
ليس عبر الكلام، بل بالشعور».

ندى سألته: «ومن نبدأ به؟».

قال بثقة: «بكِ».

في اليوم التالي، ارتدت ندى معطفًا عاديًّا، وشعرها مربوط إلى الخلف، مثل أيّ مواطنة عادية.

دخلت الساحة العامة حيث تصطف الشاشات التي تردد رسائل النسيان كل يوم.

اقتربت من الشاشة الرئيسية، ووضعت الجهاز في الجزء الخلفي منها، كما شرح لها عاصم.

أطلقت العملية.

في اللحظة الأولى، لم يحدث شيء.

لكن بعد أقل من دقيقة…

رجل أربعيني توقّف وسط الساحة، وضع يده على رأسه، وبدأ يبكي.

ثم امرأة جلست على الرصيف، تمسك قلادة في عنقها، وتهمس: «اسمه كان… سامي؟».

طفل صغير سحب يد أمه وقال: «أعرف هذا المكان… رأيته في الحلم!».

ندى تنفّست بعمق.

الموجة الأولى… نجحت.

عندما تبدأ المدينة بالاهتزاز من الداخل، وتظهر أولى علامات تصدّع المشروع الرسمي، لا بسبب السلاح… بل لأن الناس بدأوا يتذكّرون.

الفصل الثاني عشر: ارتداد جماعي

في الساعات الأولى من اليوم التالي، تلقّى مركز «الإشراف السلوكي العام» أكثر من 900 بلاغ غريب.

رجل يتكلّم بلغات لا يتقنها.
امرأة تنادي على شخص توفّي منذ 30 عامًا.
أطفال يرسمون مناظر طبيعية لم يروها من قبل، بحنينٍ لا يُفسَّر.

أُعلن في الأخبار الرسمية عن «خلل مؤقت في نظام التوازن العاطفي»، لكن من يعمل في الداخل، عرف أن هذا ليس خللاً… بل ارتدادًا.

ارتداد جماعي.

ندى كانت تراقب عن بُعد، من داخل مركز خاص بالكيان 47، حيث أجهزة ترصد «تفاعلات الذاكرة المحرّرة».

قال عاصم وهو ينظر إلى الشاشات: «ما يحدث الآن يُشبه ما نسمّيه في النظام القديم: عدوى الوعي».

ندى: «وكأن الذاكرة تُعدي؟».

أجاب مبتسمًا: «هي تفعل ذلك منذ آلاف السنين.

القصص، الشعر، التاريخ… كلها نُقلت بهذا الشكل.
لكن هذه أول مرة تُنقل فيها مشاعر منسيّة، لا معلومات فقط».

في إحدى الشاشات، ظهر مشهد لفتاة تقف أمام المرآة، تلمس شعرها، وتقول: «أنا لست كما قالوا… أنا لست فقط مواطنة صالحة».

وفي حيّ آخر، وقفت سيدة مسنّة على عتبة منزل قديم، تهمس: «كنت أغني هنا لابنتي… قبل أن يقولوا إنها لم تكن موجودة».

ندى شعرت بشيء داخلي يتحرّك.

أول مرة منذ سنوات، رأت أن «النسيان» ليس جرحًا فرديًّا فقط… بل هو جريمة جماعية.

في تلك الليلة، أُغلقت بعض الساحات.
وصدر بيان عاجل:

Ø «نعمل على صيانة استثنائية لشبكات الوعي.
يرجى من المواطنين عدم الخروج ليلاً حتى إشعار آخر».

لكن الوعي لا يُحاصَر بالحظر.
والناس… بدأوا بالتذكّر.

الفصل الثالث عشر: مَن يُبرمجُ المُبرمِج؟

بعد يومين من الموجة الأولى، دخلت ندى إلى أرشيف «الوحدة المركزية للمحو».

كانت ترتدي هوية مزوّرة تحمل اسم «د. نسرين طلال»، مبرمجة في قسم الذكاء العاطفي.

داخل الأرشيف، آلاف الملفات معلّقة في الهواء على شكل رموز شفافة، كل رمز هو ذاكرة إنسان.

لكن الملف الذي جاءت تبحث عنه… لم يكن لأي شخص عادي.
إنه يحمل اسمًا واحدًا:

Ø «ليلى حمدان»
المهندسة الأولى في خوارزمية المحو العاطفي.

كانت قد اختفت منذ سنوات.
قيل إنها «هاجرت»، ثم «ماتت في حادث»، ثم «أُصيبت بعطب عقلي»… لا أحد يعرف.

لكن عاصم كان قد تعقّب إشارة ذكاء اصطناعي قديم يرتبط بشيفرة برمجتها.
وكانت لا تزال حيّة… ومخفية.

أرسلوا لندى إحداثيات.

المكان: قبو معزول تحت مختبر مهجور في المنطقة الشرقية من المدينة.

دخلته وحدها.

في الداخل، لم تجد معدات حديثة، بل أجهزة قديمة، وشاشة أنبوبية تعرض رموزًا بدائية.

ثم سمعت صوتًا.

— «ندى؟»

استدارت.

امرأة في أوائل الستين، بشعر رمادي مشعث، وعينين لم تطفئهما السنوات.

قالت: «أنتِ ابنة جمال عمران… أليس كذلك؟».

هزّت ندى رأسها.

اقتربت ليلى منها، ومدّت إليها قرصًا صغيرًا، وقالت: «أنا من برمج خوارزمية المحو الأولى. لكنهم عدّلوا فيها لاحقًا، وجعلوها لا تكتفي بحذف الذكرى… بل تُشوّه معناها».

ندى سألت: «ولماذا هربتِ؟».

ليلى: «لأني بدأت أنسى نفسي.

كنت أرى وجه أمي… ولا أعرف مَن تكون».

ثم أمسكت بيد ندى وقالت: «إذا أردتِ إيقافهم، لا يكفي أن تكشفي الحقيقة. عليكِ أن تعيدي البرمجة».

ندى نظرت إلى الشيفرة في القرص الصغير، ثم سألت: «ومن يضمن ألا نتحوّل نحن أيضًا إلى أدوات محو… باسم الحقيقة؟»

ليلى ابتسمت، وقالت: «لا أحد. لكن الفرق بيننا وبينهم… أننا لا نريد نسيان هذا السؤال».

الفصل الرابع عشر: ذاكرة الرائد

في وحدة التحكّم العليا، كان الرائد نَوّار عبد اللطيف يجلس أمام شاشةٍ لا يُسمَح لأحد سواه بفتحها.

في الشاشة، ملف مغلق برمز أحمر:

Ø «N-0X.47 – ذكريات محذوفة جزئيًا. التحقّق: محظور».

كان يعرف هذا الملف لأنه طلب حذفه بنفسه قبل 15 عامًا.

يوم قرّر أن ينسى. لكن شيئًا ما تغيّر بعد لقائه بندى.

صوت ابنه «آدم» الذي لم يره منذ عقد ونصف، بدأ يزوره في الأحلام.

أحيانًا يسمعه يضحك.. أحيانًا يراه يمد يده عبر ضباب الذاكرة.

وفي إحدى المرّات، استيقظ على عبارةٍ خطّها بنفسه فوق المرآة:

Ø «هل اخترت نسياني، أم أُجبرت؟»

في ذلك الصباح، قرر أن يفتح الملف.

ضغط على الرمز.
ظهر تنبيه:

Ø «سيتم استرجاع الذكرى بتأثير مباشر.
هل ترغب في الاستمرار؟»

أجاب: نعم.

وبدأ العرض.

كان هو، يقف أمام تابوت صغير.
وجهه مشقوق بالألم.
وخلفه، مسؤولو المشروع يضعون يدًا على كتفه، يقولون: «ألمك سيُعيقك. دعنا نزيله».

ثم مشهد داخل الغرفة البيضاء.

الخوذة، الضوء الساطع، قلبه يصرخ من الداخل، لكن فمه صامت.

وأخيرًا، صورة لابنه آدم، يركض نحوه في حديقة، وهو يضحك…
ثم يُمحى.

أطفأ نَوّار الشاشة، ودفن وجهه بين يديه.

قال بصوت مكسور: «أنا الذي نظّرتُ أن النسيان هو بَلسَم…

لكنّ الحقيقة؟
النسيان كان مقبرةً، وأنا دفنت فيها نفسي».

في تلك اللحظة، قرر شيئًا لم يجرؤ عليه من قبل.

أرسل رسالة مشفّرة إلى ندى.

كانت كلمات قليلة، لكنها كافية لتزلزل النظام:

Ø «أنا مستعد… لأشهد».

الفصل الخامس عشر: إعلان الشاهد

عُيِّنت ندى رسميًّا ضمن لجنة فرعية لإعادة تقييم «المشروع العاطفي الطارئ»، وهي لجنة وهمية أنشأها النظام كنوع من التجميل الإداري وسط ارتباك المدينة الأخير. لكن ندى كانت تعرف أنها فرصة.

في قاعة بيضاء تعجّ بالشاشات، جلست إلى طاولة مستديرة يقودها موظفون لا يبتسمون.
أمامهم جهاز تسجيل يُستخدم لتوثيق الجلسات الرسمية. لكن لم يكن أحد منهم يعرف أن ندى رتّبت شيئًا آخر.

قبل ثلاث دقائق من بداية الاجتماع، دخل الرائد نَوّار عبد اللطيف. كان مرتديًا زيه الرسمي، دون رتب، ودون حراس.

قال مباشرة: «أطلب فتح التسجيل باسم الشاهد».

رئيس اللجنة سأله ببرود: «شاهد على ماذا، سيادة الرائد؟»

قال نَوّار: «على مشروع كنت أنا من صنع أعمدته… ثم رأيت كيف خنق الناس تحتها».

ندى جلست دون أن تنبس بكلمة.
هي من أرسلته، وهي من أقنعته أن الوقت قد حان.

نَوّار تابع حديثه، صوته كان ثابتًا، لكنه يحمل ارتجافًا خفيًا: «نظام التوازن الذهني لم يكن أبدًا من أجل السلام.

بل كان من أجل محو ما لا ترغب السلطة في أن يظلّ حيًا داخل الناس: الحب، الحزن، الثورة، وحتى ذكرى الضحك الحقيقي».

أحد الأعضاء قاطعه: «هذا اتهام خطير».

فأجابه: «بل هو اعتراف.

أنا من أشرفت على آلاف جلسات المحو.
أنا من محوتُ وجه ابني من ذاكرتي… حتى لم أعد أعرفني».

ثم أخرج من جيبه صورة ورقية باهتة، قديمة.

رفعها أمامهم وقال: «هذا هو آدم.

ابني الذي اختفى لأنني خفت من أن يؤلمني وجوده في ذاكرتي».

وساد الصمت.

ندى تنفست ببطء.

لقد تغيّر المشهد.
المنظومة الآن ليست مطلقة.
بات فيها شرخ.

وبالشرخ… يدخل الضوء.

الفصل السادس عشر: الصدوع الأولى

بعد شهادة نَوّار، لم يصدر أي بيان رسمي.

لا نفي، ولا تأكيد.
فقط صمتٌ كثيف، تُقطّعه أخبار متفرقة عن «عطل تقني في أنظمة الأرشفة»، و«تأجيل جلسات ترتيب الوعي الجماعي إلى إشعار آخر».

لكن ندى كانت تعلم.

ذلك الصمت… ليس إلا صوت الخوف الأول.

في الأيام التي تلت، بدأت تلاحظ شيئًا جديدًا: الشاشات العمومية تغيّرت.

لم تعد تردد شعارات التوازن، بل أصبحت تكتفي بعرض ساعات وألوان مهدّئة.

لكن ما أثارها أكثر، هو ظهور رموز غير مفهومة في الزوايا السفلى:

«A:7» – «D-R1» – «N0-م»

قال عاصم عندما أطلعته عليها: «هذه ليست رموز خطأ.

هذه توقيعات خفية من أشخاص يعملون داخل النظام… لكنهم معنا».

ندى: «هل بدأ الانشقاق من الداخل؟».

هزّ رأسه: «الموجة الثانية بدأت، لكنها مختلفة».

ندى سألته: «كيف مختلفة؟»

قال: «في الموجة الأولى، أعدنا الذاكرة للناس.

في الثانية… سيطلب الناس بأنفسهم استعادتها».

وفي أحد الأحياء القديمة، وُضعت خريطة غير رسمية، عليها إشارات صغيرة تشير إلى «مراكز استرجاع».

كانت هذه المراكز غرفًا بسيطة، يُعرض فيها فيديو قصير، أو صورة، أو تسجيل قديم لشخص نُسي.

لم يكن ذلك مسموحًا.

لكنه لم يكن ممكنًا منعه بعد الآن.

ثم جاء الحدث الذي غيّر كل شيء:

فتاة في السادسة من عمرها دخلت إلى إحدى الوحدات الرسمية وطلبت من الموظف:

— «أريد أن أسترجع صوت أبي».

وعندما سألها الموظف إن كان لديها رقم الملف، أخرجت من حقيبتها صورة قديمة ملفوفة بخيط أحمر، عليها عبارة:

Ø «كنت أقول له: لا تتركني… فقال: ما دمتِ تتذكّرينني، فلن أذهب».

ندى حين سمعت بالقصة، جلست في صمت طويل.

المدينة كانت تتغيّر.

لكن هذه المرة، ليس بفعل الآلة…

بل بفعل الحب.

الفصل السابع عشر: الفيروس النقي

في مركز القيادة العليا، حيث تُدار أنظمة التوازن، كان هناك جهاز رئيسي يُسمّى «عصب المدينة».

هو ليس حاسوبًا تقليديًّا، بل بنية رقمية ضخمة تتحكم في كل ما يُسمّى:
الوعي العام، المزاج الجمعي، ومسارات النسيان.

لكن في صباح اليوم الثاني بعد شهادة نَوّار، بدأ الجهاز يصدر إشارات غريبة.
أصوات خافتة، كأنها تسجيلات بشرية قديمة، تتسرب من داخله.

— «أين أبي؟»
— «أنا أتذكّر».
— «أنا لست بخير… وأنا لا أريد أن أنسى ذلك».

المهندسون أصيبوا بالذعر.
أُعْلِن عن «خلل في طبقة المحو العاطفي».

لكن الحقيقة لم تكن خللًا.

كان فيروسًا…

صُمّم على يد مجموعة من المنشقين داخل الكيان 47.

سُمِّي الفيروس: «نقي».

فكرته لم تكن تعطيل النظام، بل تطهيره من الكذب. ليس بحذفه، بل بترسيب الحقيقة فيه.

ندى كانت جزءًا من هذا التخطيط.

الفيروس لم يدخل النظام ككود مدمّر، بل دخل عبر شيء بسيط: قصة.

قصة فتاة تُدعى نهى عبد المجيد، فُقدت أثناء احتجاج قديم، وقالت قبل لحظات من اختفائها:

Ø «إذا نُسيت، أخبروا من بعدي أني كنت أحب أن أرقص تحت المطر».

وقد بُثّت القصة في الخادم الأم، على هيئة مشهد صوري، مزوّد بتردد شعوري منخفض، يمكنه أن يخترق جميع الطبقات الدفاعية للنظام دون أن يُكشف فورًا.

وبدأ التأثير…

موظف يحدّق في الشاشة، فيذرف دمعة دون أن يعرف السبب.
ضابط يتوقّف عن حذف ملف، ويكتب عليه: «انتظر».
فتاة صغيرة تخبر أمّها:

— «أشعر أني عشت حياة لم أُخبر بها».

ندى كانت تراقب، وقلبها يدق كما لم يفعل منذ زمن.

قال عاصم بجانبها: «الفيروس نجح، الحقيقة.. بدأت تُصيب النظام».

ندى لم تبتسم.
كانت تنظر إلى المدينة عبر النافذة.

ثم همست: «الحب، الندم، الفقد… كل ما أرادوا دفنه، عاد الآن.
لكن هل ستنجو المدينة… من ذاكرتها؟»

الفصل الثامن عشر: المدينة تُصاب

كانت المدينة تستعد لحدث يُدعى «أسبوع الصمت النقي»، وهو تقليد سنوي جديد فرضته السلطات بعد انطلاق مشروع التوازن، يُمنع فيه تشغيل الموسيقى، أو عرض الحكايات، أو تبادل الرسائل العاطفية، بحجة «تخفيف الأحمال النفسية».

لكن هذا العام، اختلف كل شيء.

قبل ساعة من بدء الحدث، تعطّلت الشاشات المركزية في الساحة العامة، إذ كان يُفترض بثّ رسائل النسيان، ظهر فجأة مقطع فيديو… قصير، بسيط، لكنه غيّر قواعد اللعبة.

فيه: رجل مسنّ يجلس على كرسي مهترئ أمام منزل طيني قديم، ويغنّي بصوت مرتجف أغنية موروثة.

قال في نهايته:

Ø «كلّ ما أملك الآن هو صوتي… وصورة وجه من رحلوا»
«لا تأخذوهما مني».

الناس لم يتكلموا.
لكنهم… دمَعوا.

ثم، دون اتفاق، بدأ المارّة يتوقفون عن المشي.
بعضهم أخرج صورًا ورقية من جيبه.
آخرون جلسوا في الأرض وفتحوا دفاتر قديمة.
طفل صغير بدأ يرتّل شعرًا حفظه من جدّه.

المدينة أُصيبت.

لكن هذه الإصابة لم تكن مرضًا.
كانت شفاءً.

في مركز التحكّم، أصيب النظام بحالة إرباك تام.
أجهزة الرصد تلتقط موجات شعورية غير مفهومة:

«حزن ناعم»
«حب غير مفسّر»
«إحساس بالانتماء الغامض»

نَوّار، الذي عاد إلى مكتبه بعد شهادته، وقف أمام الخريطة العصبية للمدينة.

قال لأحد مساعديه:

— «هل ترى هذا اللون البنفسجي؟»

— «نعم، سيادة الرائد… لكنه غير معروف».

— «إنه لون التذكّر.
وهذا… يعني أن المدينة عادت تتنفّس».

ندى خرجت من مقرّ الكيان 47 في تلك الليلة، وسارت وسط الجموع.

لم تكن تحمل هوية، ولا رتبة، ولا خطابًا.

كانت فقط… امرأة تسترجع وجه أبيها.

وعندما مرّت بجانب جدار كتب عليه أحدهم:

Ø «من لا يُصيبنا بألمه، لا نثق بحكايته».

ابتسمت.

ثم كتبت تحته:

Ø «وأنا… أتألّم».

الفصل التاسع عشر: الشهادة في الهواء

في تمام الساعة الخامسة مساءً، تجمّع المئات في ساحة «الوعي الأول»، وهي الساحة التي كانت تُستخدم سابقًا لإقامة جلسات المحو الجماعي في المناسبات القومية.

لكن اليوم… لا شيء من ذلك يحدث.

عوضًا عن منصة الحكومة، وبدلًا من المتحدث الرسمي، صعد إلى المنصة رجل واحد:

الرائد نَوّار عبد اللطيف.

لم يكن يرتدي زيه العسكري، بل سترة رمادية بسيطة، ووجهه كان مكشوفًا، دون زجاج حماية، دون شارات، دون أي تصفيح.

أمسك مكبّر الصوت، وقال:

— «أنا اسمي نَوّار عبد اللطيف.
كنت قائد وحدة التوازن العاطفي، ومصمم البروتوكول الرابع لحذف الذكريات.
وأقف أمامكم اليوم، لا بصفتي قائدًا… بل بصفتي إنسانًا».

سكت.
ثم تابع بصوت رخيم: «خلال عشرين عامًا، حذفتُ آلاف الصور، والقصص، والوجوه.
مقابل ماذا؟
مقابل سلام زائف… جعل من كلّ منّا ظلًّا لا يعرف من أين أتى، ولا إلى أين يذهب».

ثم أخرج من جيبه صورة صغيرة، متهالكة.
رفعها وقال: «هذا ابني، آدم.
قلت لهم: امحوه من ذاكرتي لأستطيع القيادة دون ضعف.
ففعلوا…
لكنهم لم يخبروني أنني بمحو صورته، سأمحو صوتي الداخلي».

الصمت عمّ الساحة.

ندى كانت واقفة بين الناس، دموعها تتجمّع دون أن تسقط.

تابع نَوّار: «أنا لا أطلب الغفران، ولا أرغب في منصب، ولا أخشى العقوبة.
لكنني أريد أن أقول فقط:
من حقّنا أن نتذكّر.
من حقّنا أن نحزن.
من حقّنا أن نشتاق».

ثم رفع صوته:

— «من لا يتذكّر وجه أمه… ليس مواطنًا، بل شبح»
— «من لا يعرف لماذا بكى في العاشرة من عمره… لن يعرف كيف يحبّ في الأربعين»
— «من لا يملك ذاكرة… لا يملك نفسه».

وحدث ما لم يكن في الحسبان.

بدأ الناس يهتفون:
«نحن نتذكّر!»
«نحن نتذكّر!»
«نحن نتذكّر!»

ثم انفجرت الساحة بالتصفيق.

ولأول مرة منذ عقود، لم تكن الهتافات مكتوبة مسبقًا.

بل خرجت من قلوب… بدأت تعود.

الفصل العشرون: الذاكرة الحيّة

بعد خطاب نَوّار في الساحة، لم تعد المدينة كما كانت.

لم تُقَم جلسات اعتذار، ولم يُعلن عن سقوط المشروع رسميًّا.
لكن الناس فهموا.
كان ذلك كافيًا.

في الأسبوع التالي، فُكِّك عدد من وحدات إعادة التمهيد العصبي.

وفي بعض الأحياء، تحوّلت مراكز المحو السابقة إلى مراكز استعادة شعورية.

هناك، يجلس الناس، لا ليفرّغوا الذاكرة… بل ليستعيدوها.

في أحد هذه المراكز، جلست امرأة مسنّة تمسك بصورة باهتة لثلاث فتيات في ساحة ترابية.

قالت: «هذه أنا… وتلك هي أختي… أما هذه؟
نسيت من تكون.
لكنني كنت أحبها».

فأجابها موظف صغير، بهدوء: «الحب دليل كافٍ على أن الصورة تستحق البقاء».

ندى أصبحت تُدعى رسميًّا بـ «مستشارة الأرشيف الحيّ»، وظيفة جديدة، لم تكن جزءًا من النظام.

وظيفتها؟
أن تستمع.

ليس لتقارير، ولا بيانات.
بل للناس.

رجل يروي قصة ابنه الذي مات دون أن يُسمح له بالحزن.
فتاة تسأل: «هل من حقي أن أحتفظ بدمعة لا تُفسَّر؟»

وكانت ندى تجيب دومًا بإجابتين فقط:

Ø «نعم»
«وستظلين تتذكّرين».

في قلب المدينة، تم افتتاح ساحة جديدة، حملت اسمًا صادمًا:

«ساحة الذين لم يُمحَوا»

فيها، نصب حجري واحد، نُقشت عليه عبارة لا يُعرف كاتبها:

Ø «من لا يروي قصته، يُروى له ما ليس فيه».

وفي غرفة صغيرة في المنزل الذي لم تزره منذ سنوات، جلست ندى أمام مرآة، تفتح صندوقًا خشبيًّا قديمًا.

فيه، قصاصة ورقية من يد أبيها.
الخطّ منحنٍ، بسيط، مائل قليلًا.

كُتب فيها:

Ø «بنيّتي، إذا نسيتِ كل شيء…
تذكّري فقط أنكِ كنتِ تحبين الحكايات.
لا تتركيهم يأخذونها منك».

ندى أمسكت القصاصة، وضغطتها إلى صدرها.

ثم أغمضت عينيها…
وابتسمت.

الفصل الحادي والعشرون: أجنحة التذكّر

بدأ مشروع صغير يُدعى «أجنحة التذكّر» ينتشر في الأحياء بهدوء.

كانت الفكرة بسيطة:

كل شخص يحمل ذكرى لا يريد لها أن تضيع، يكتبها في ورقة صغيرة، ثم يُودعها في صندوق خشبي يُشبه صناديق البريد القديمة.

ثم تُجمع تلك الذكريات، وتُحوّل إلى قصص، تُروى للأطفال في المدارس، لا على أنها «دروس وطنية»، بل على أنها حكايات بشرية.

طفلٌ صغير كتب:

Ø «أنا أحب أخي… حتى لو لم أره أبدًا».

وأمّ كتبت:

Ø «كنتُ أضحك في زمن لم يكن فيه شيء مضحك… فقط لأن أمي كانت تضحك».

في إحدى المدارس، كانت ندى تجلس على كرسي خشبي صغير، تقرأ بصوتها قصة عن ولدٍ فقد والده في حادث، لكن بقيت في جيبه ورقة كُتب فيها:

Ø «لا تنسَ أن تعود إلى البيت».

عندما انتهت، رفعت طفلة يدها وسألت:

— «هل عاد الولد؟»

ندى ابتسمت وأجابت:

— «لم يعد إلى البيت القديم… لكنه عاد إلى نفسه».

في نفس اليوم، وفي أحد مراكز الاستعادة، تقدّم شاب ثلاثيني وطلب مقابلة ندى.

كان اسمه آدم نَوّار عبد اللطيف.

لم تكن رأت وجهه منذ سنين، فقط سمعته في أحاديث والده، وظهر في الصور القديمة.

دخل الغرفة، وجلس بهدوء.

قال: «أنا ابن من نسي… ومن نسيته، لا أكرهه.

لكنني أريد أن أُستعاد، لا كفكرة… بل كابن».

ندى دمعت عيناها.

قالت: «ستكون… ما تختار أن تتذكّره».

فابتسم وقال: «إذا كنتِ أنتِ من أعاد أبي إلى نفسه،

فربما آن الأوان… أن أعيد نفسي إليه».

وفي تلك الليلة، كُتب في دفتر السجلّ العام لمراكز الوعي:

Ø «دخل اليوم شاب، واستعاد أباه… دون أن يقول كلمة واحدة.
فقط… جلسا، وتذكّرا».

الفصل الثاني والعشرون: متحف الغياب

في أحد الأحياء الشرقية، افتُتح مبنى جديد لا يشبه أي شيء في المدينة.

لم يكن شفافًا ولا مزجّجًا.
بُني من الطين والحجر والحديد الصدئ، وكأنّه صُنع ليقاوم النسيان لا ليتجمّل.

كان اسمه: «متحف الغياب».

الفكرة وُلِدت من رسالة مجهولة أُرسلت إلى مجلس الأرشفة الجديد، كُتب فيها:

Ø «إن كنا لا نعرف ما فقدنا، كيف نعرف من نكون؟».

عندما دخلت ندى المتحف للمرة الأولى، لم تجد صورًا، ولا مقاطع صوتية.

بل وجدت: كرسيًا قديمًا عليه حفرة من جهة اليمين.
دفترًا ممزقًا لا يحمل اسمًا.
مشطًا بلا أسنان.
خريطة مدينة، لا تظهر عليها مدينة.

ثم لوحة في المدخل كُتب عليها:

Ø «هنا نعرض ما لا نعرف كيف نروي…
لكننا لا نريد له أن يُمحى».

في جناح خاص، وُضعت سجلات لعائلات لم يُعترف بها رسميًّا، ناس تغيّر اسمهم، أو نُقلوا قسرًا من حي إلى حي، أو عاشوا في فراغ إداري لأن أحدًا اختار أن يُلغِيهم من الوثائق.

في زاوية الجناح، شجرة من الحديد، تُعلَّق عليها أوراق صغيرة.

كل زائر يكتب على ورقة شيئًا يتذكّره… لكن لا يعرف أين يضعه في حياته.

طفلة كتبت: Ø «أحسّ أنني كنت أغني يومًا… لا أعرف متى».

رجل كتب: Ø «أمي كانت تقول: "لا تنسَ أن تحبّ حتى حين لا يُسمح لك بذلك"
ثم نسيتُ وجهها».

ندى علّقت ورقتها أيضًا:

Ø «كان لدي حلم… أن أروي حكاية لم يُمحَ منها أحد».

ثم نظرت إلى الشجرة، وقالت لعاصم الذي كان يقف بجوارها: «ربما هذه المدينة لم تُخلق من الزجاج كما أرادوها… بل من القصص التي لم تجد من يرويها».

الفصل الثالث والعشرون: ندى… الأرشيف

في مبنى الأرشيف الجديد، الطابق الخامس، الغرفة رقم 13، وُضع ملف خاص لا يُسمح بتعديله ولا حذفه.

الملف يحمل الاسم: «ندى عمران – من شاهدة إلى صانعة».

الملف لا يحتوي فقط على سيرة مهنية، بل على تسجيلات، صور، ملاحظات بخط اليد، وحتى رسومات أطفال رسموها لها بعد زياراتها لمدارسهم.

في إحدى الندوات التي أُقيمت للاحتفاء بمرور عام على بدء «برنامج الاستعادة»، طلب منها المنسّق أن تتحدث.

لكن ندى لم تفتح أوراقًا، ولم تحضر نصًا.

قالت فقط: «في بداية هذا الطريق، كنتُ أعتقد أنني أبحث عن من سرقوا ذاكرتي.

لكنني اليوم أعلم… أنني كنت أبحث عن نفسي».

ثم رفعت صورة قديمة. كانت بالأبيض والأسود، ممزقة الحواف.

ظهرت فيها طفلة تجلس على سلم بيت طيني، وفي يدها كتاب ممزق الغلاف.

قالت: «هذه أنا، قبل أن أصبح جزءًا من النظام، قبل أن يعلّمني أحد ما يجوز تذكّره وما لا يجوز.

قبل أن أُبرمج.
هذه الصورة… أنقذتني».

ثم صمتت.

وقال أحد الأطفال في القاعة بصوت واضح: «يعني، دكتورة ندى… أنتِ الذاكرة؟»

ضحكت ندى، وقالت: «أنا جزء منها. لكن كل واحد فيكم… قطعة لا يُكتمل الأرشيف دونها».

في نهاية الندوة، وُزّع على الحضور كتيّب صغير بعنوان: (تذكّرني كما أنا).

الكتيّب ضمّ شهادات لأشخاص كانوا ضحايا للمحو، وقرروا أن يُكتبوا من جديد، بأسمائهم الحقيقية، وبألمهم الكامل.

وفي آخر صفحة، كتب أحدهم:

Ø «أنا لا أريد أن أكون مشهورًا.
أريد فقط… ألا يُمحى وجهي من عينيّ».

ندى قرأت ذلك، وأدركت أن الحكاية لم تنتهِ.

لأن الذاكرة… لا تكتبها النهاية.
بل نكتبها كلّ يوم، حين نختار أن نحبّ، أن نحزن، وألا ننسى.

الفصل الرابع والعشرون: وجه مرسوم

في صباح شتوي، دخلت ندى مركز «بيت التذكّر» وهو مركز صغير للأطفال الذين وُلدوا في أثناء ذروة مشروع النسيان، ولا يعرفون أن لهم ماضيًا حقيقيًا.

جلست في صف صغير، على كرسي خشبي منخفض، بين أطفال يرسمون.

كان النشاط بسيطًا: «ارسم أكثر شيء تتذكّره… دون أن تعرف إن كان حقيقيًّا».

طفل يُدعى مالك، لم يتكلم كثيرًا منذ بداية العام، جلس على طرف الطاولة، يرسم ببطء.

ندى اقتربت منه، وجلست.

سألته بلطف: «ماذا ترسم يا مالك؟»

لم يرفع رأسه.

قال: «أرسم أمي… كما أراها في رأسي».

ندى سألت: هل تراها كثيرًا؟»

أجاب بصوت خافت: «أحيانًا… في الليل. لكن لا أتكلم عنها، لأنهم قالوا لي إنها غير موجودة».

ندى أخذت نفسًا عميقًا، ثم همست: «إذا كانت موجودة في قلبك… فهي موجودة».

أنهى مالك رسمه، ورفع الورقة.

كان فيها وجه بسيط: ملامح هادئة، شعر طويل، وعينان واسعتان… تحيط بهما كلمة واحدة كتبها بخطه المرتجف:

Ø «دافئة».

ندى حملت الرسم، وسألت: «هل تريد أن تحتفظ به هنا، أم تأخذه معك؟»

قال: «أعلّقه على باب غرفتي.

حتى لا أنسى من حلمت بها».

وفي تلك اللحظة، فهمت ندى شيئًا لم تكن تدركه من قبل:

الذكريات ليست دائمًا ما عشناه فعلاً…
بل أحيانًا، ما تمنّينا أن يكون، وأحببناه كأنه كان.

في سجلّ المركز، دوَّنت ندى ملاحظة خاصة باسم مالك:

Ø «طفل يتذكّر، رغم أن أحدًا لم يعلمه أن يتذكّر.
وهذا… أجمل أنواع الحرية».

الفصل الخامس والعشرون: المدينة تتنفس

مرّت ثلاث سنوات على اللحظة التي وقف فيها الرائد نَوّار في الساحة وقال:
«من لا يملك ذاكرة… لا يملك نفسه».

في صباحٍ هادئ، استيقظت المدينة على إعلان جديد.

لم يكن أمرًا حكوميًّا، ولا نداءً من الشاشات.
بل منشورًا ورقيًّا، كُتب بخط يدوي، ووزّعه الأطفال في كل حيّ:

Ø «اليوم، في ساحة الذين لم يُمحَوا، ستُفتتح الذاكرة الحيّة.
أحضروا وجوهكم، وأسماءكم، وحكاياتكم».

الساحة امتلأت.

لم تكن توجد منصة، ولا شعارات؛ فقط طاولات من الخشب، وأشخاص يروون لبعضهم البعض.

رجل يُمسك صورة عائلية باهتة، ويقول: «هذا أنا قبل أن يُخبروني أنني ابن غير شرعي».

فتاة تُغنّي مقطعًا من تهويدة لم تُسمع منذ عقود.
امرأة تروي قصة حبٍّ قصيرة، لم تُكتب في أي كتاب.

ثم صعدت ندى على طاولة بسيطة.
لم يكن بيدها ميكروفون.

قالت بصوتٍ مسموعٍ بلا تضخيم: «لم أعد أريد أن أكون شاهدة فقط.

أنا لست منقذة، ولا بطلة.
أنا مثلكم…
نجوت من النسيان، لأني تمسّكت بصورة، بصوت، بدمعة.
نجوت… لأنني تذكّرت».

ثم مدت يدها في حقيبتها، وأخرجت شيئًا صغيرًا.

كانت القصاصة الورقية من والدها، التي كُتب فيها:

Ø «لا تتركيهم يأخذون منكِ الحكاية».

ورفعتها.

ثم أضافت: «هذا ليس حفلًا… بل بداية.

ابدؤوا أنتم الآن…
واكتبوا ما لم يُكتب بعد».

وبدأ الناس يتقدّمون واحدًا تلو الآخر.
كلٌّ منهم يحمل قطعة من نفسه، ويشاركها.

لم يكن البكاء وحده حاضرًا..

بل ضحك.
حنين.
غضب.

وما كان يومًا مدينةً تُجبر سكانها على النسيان،
تحوّلت أخيرًا إلى مدينة… تتنفّس.

الخاتمة: حين تذكّرنا

كنا نعيش في صمتٍ أنيق،
ننام بلا ماضٍ، ونحلم بما يُؤذن به فقط…
نضحك كما تُراد لنا الضحكة،
نبكي كما يُراد لنا أن ننسى.

لكن ذات شتاء،
سعلت الذاكرة…
ثم نطقت.

تذكّرنا أمًّا غسلت جراحنا،
أبًا رحل دون أن نعرف أين…
قصيدةً كتبتها أناملنا في الدفاتر،
وشجرة تين خلف البيت،
كنّا نسقيها وننسى.

تذكّرنا أنفسنا…
بكل شروخها وجمالها ودموعها،
بأحلام الطفولة،
وخيانة الكبار،
وبالحب الذي لم ننسه رغم كل شيء.

النسيان كان قيدًا،
لكن التذكّر كان ثورة.

واليوم، نمشي في الشوارع القديمة،
نحمل وجوهنا كما هي،
نكتب أسماءنا كاملة،
ونقول لمن بعدنا:

Ø لا تتركوا ذاكرتكم معلّقة على جدرانٍ لا تُرى.
من لا يتذكّر، لا يحيا…
ومن يحيا، لا يُمحى.

كلمة الكاتب
ياسر ملحو العبيد

كتبتُ هذه الرواية لأنني خفت.
خفتُ أن ننسى من نكون، وأن نظن أن الهدوء هو سلام، وأن الصمت هو راحة.

ليست هذه الرواية عن الخيال، ولا عن المستقبل.
بل عن لحظة يعيشها كل إنسان: حين يُطلب منه أن يُنكر ماضيه ليُقبل في حاضره.

«مدينة النسيان» ليست مكانًا فقط، بل هي حالة…
كل مرة نخفي ألمنا بدلاً من أن نحكيه..
كل مرة نُحذف من سجلّ الذاكرة العائلية لأننا «أحرجنا التاريخ»..
كل مرة نُربّي أطفالنا على الخضوع لا على التذكّر…

نحن نبني مدينة من الزجاج، لا تصمد أمام أي صرخة.

أهدي هذه الرواية لكل من يتذكّر، رغم القمع، ولكل من فقد أحبّته، لكنه لا يزال يراهم في ملامحه، وفي أغانيه، وفي دفترٍ مطويّ.

أهديها إليكم…
فأنتم شهودها الحقيقيون.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

في زوايا الذاكرة، حيث تختبئ التفاصيل التي نُقسم أنها لا تُنسى، ولِدت رواية"مدينة النسيان"
ليست حكاية خيالية فحسب، بل مرآة لوجعٍ حاولنا جميعًا أن نُخفيه خلف ابتسامات عابرة. كتبتها وأنا أتنقّل بين شظايا الذكرى، أبحث عن ضوءٍ يشبه الحقيقة في مدينة تُجبرك أن تنسى لتعيش.

أبطالها ليسوا غرباء. قد يكونون أنا أو أنت. وقد تكون "ندى" وجهًا لمحبة ضائعة في الذاكرة، أو "الرائد" ظلًا لقلوب ناضلت كثيرًا لتُبقي شعلة الحب حية.

أكتب هذه الكلمات وأعلم أن لكل قارئٍ نسيانًا يشبهه، ولكل ذاكرةٍ مدينة تسكنه. فإن وجدت نفسك في سطور هذه الرواية، فاعلم أنّ هذا لم يكن مصادفة.

ياسر ملحو العبيد
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة