هل يُعقل أن يمدح شخص ما الشيخوخة، تلك المرحلة العمرية الهشة، التي تُربط عادة بكل ما هو ضعيف وهامشي وغير ذي جدوى؟ نعم؛ هناك من قلَب الصورة، ورأى في هذه المرحلة من العمر ما لم يره أحد؛ إنه فيلسوف روما العظيم، وأحد خطبائها الكبار، وواحد من أعمدة الفلسفة الرواقية، توليوس شيشرون ( 106 ق.م ـ 43 ق.م).
ألَّف شيشرون كتابًا خاصًا عن الشيخوخة، وهو عبارة عن محاورة فلسفية مع كاتو الأكبر، السياسي الذي عاش في روما القديمة.
انطلق شيشرون في كتابه المسمى عن الشيخوخة من أربع نقط سلبية يربطها الناس عادة بهذه المرحلة من العمر:
- الأولى: ارتباط الشيخوخة بضعف الحركة وفتور النشاط.
- الثانية: تدهور الإحساس بالرغبة وأفول نجم الملذات.
- الثالثة: انهيار متدرج للجسد.
- الرابعة: الإنزلاق المتسلسل نحو حافة الموت.
يفند شيشرون النقطة الأولى، على اعتبار أن الشيخوخة هي محصلة لنشاط جسماني سابق؛ فإذا كان هذا النشاط -السابق لمرحلة الشيخوخة- بُنيَ على أسس متينة ومضبوطة وصحيحة، فإن النتيجة ستكون إثراء لأنشطة عقلية في مرحلة الشيخوخة، قوامها الرأي الثابت والموقف الرصين والحكمة المبتغاة والوقار المطلوب.
أما في ما يخص اللذة، فإن شيشرون يرى أنها مصدر كل الشرور، والتحرر منها انتصار لصفاء الروح وطهرانية السريرة، وبالتالي فهي مكسب وليست خسارة.. لا بل يمكن تعويضها بما هو خير منها: الصداقة وطلب العلم والحوار.
هل الشيخوخة انهيار للجسد؟
الانهيار كلمة كبيرة لا تلائم إلى حد بعيد سياق هذه المرحلة العمرية. فعوض الحديث عن الانهيار، يمكن الحديث عن الوهن، الذي هو نوع من أنواع عدم التناسب بين الحركة والقدرة. لكن هذا الوهن قد يُتحكم فيه، لأن العمر مراحل متتالية يأخذ بعضها بحجز بعض؛ فإذا مرت مرحلة الشباب والكهولة في ظروف سليمة، قوامها الاعتدال والوسطية في كل شيء، سهل استثمار نتائجها في تحويل الضعف إلى قوة متمثلة في حسن التصرف والتركيز وعدم التسرع في الحكم على أمور الحياة.

هل الشيخوخة تدني الإنسان من الموت؟
نعم الشيخوخة نافذة مطلة على الموت، لكن ما الموت في عرف شيشرون؟ إنه الانتقال الطبيعي إلى الراحة الأبدية، حيث لا منغصات حياة ولا صروف زمن، الشيخوخة هي المرحلة العمرية المثلى للتمرن اليومي على ملاقاة الموت، حتى إذا لقيه الإنسان، لقيه بلا خوف أو فزع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.