مدن القوافل التجارية ودورها في الصراع الفرثي الروماني

من الممالك والمدن المهمة التي نشأت على التخوم الفاصلة بين الإمبراطوريتين وقرب الطرق التجارية المهمة، وكان لها دور في أحداث الصراع بينهما بصفتها دولًا محايدة أو حاجزة..

اقرأ أيضاً العلاقات السلمية بين الفرثيين والرومانيين سنة 30 ق.م

مملكة الأنباط

من الممالك العربية القديمة التي نشأت في المنطقة الشمالية الغربية من شبه الجزيرة العربية، تمكنوا سنة 587ق.م من السيطرة على بلاد الأدوميين في جنوب بلاد الشام، والتي تعرف في الوقت الحاضر باسم (شرق الأردن)، وبسطوا سيطرتهم على عاصمتهم سلع التي تعني بلغتهم الصخر أو الحجر.

وتقع سلع التي أسماها اليونانيون باسم البتراء (Petra) على هضبة يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر ثلاثة آلاف قدم إلى الجنوب من البحر الميت بنحو خمسين مترًا تقريبًا في منطقة وادي موسى.

وتكمن أهمية بلاد الأنباط في أنها تقع على ملتقى طرق التجارة العالمية، فكان يصل إليها طريق اليمن الذي يمر عبر بلاد الحجاز، ومنها يتفرع إلى مصر وسوريا وثغور البحر المتوسط.

ولأهمية موقعها الاستراتيجي والتجاري ذلك، فقد تطلعت الدول الكبرى إلى الاستيلاء عليها ولا سيما السلوقيون والبطالمة.

ولأن الدخول في تفاصيل ذلك الصراع بينهما وبين دولة الأنباط يبعدنا عن سياق البحث، فسنقتصر على توضيح النشاط السياسي لدولة الأنباط بقدر ما يتصل ذلك النشاط بصلتها بالإمبراطوريتين المتنافستين الفرثية والرومانية.

اقرأ أيضاً الفرثيون.. من هم وما سبب التسمية؟

ازدهار مملكة الأنباط

بلغت مملكة الأنباط أوج ازدهارها وقوتها في عهد ملكها الحارث الثالث (87-62ق.م)، فقد تمكن من أن يوسع حدود دولته شمالًا، ويستولي على سوريا سنة 85ق.م، ثم أخذ يضيِّق الخناق على اليهود (المكابيين) في منطقة يهوذا جنوب فلسطين، مستغلًّا النزاع الذي حدث سنة 67ق.م بين الأخوين هيركانوس الثاني وأرسطوبولس الثاني (Aristo bolus) على السلطة.

فلجأ هيركانوس الثاني إلى ملك الأنباط الحارث الثالث، وطلب منه أن يساعده في أخذ التاج له من أخيه، فاستجاب الحارث الثالث وهجم على يهوذا سنة 66 – 65ق.م بجيش قوامه خمسون ألف جندي، ولم يقو أرسطوبولس على مواجهته فهرب إلى أورشليم (القدس).

فتعقبه الملك الحارث الثالث على رأس جيش عربي يهودي كبير، وفرض الحصار على أورشليم التي كاد أن يستولي عليها لولا حدوث تطور سياسي عسكري شديد الخطر قلب الوضع، وهو استيلاء القائد الروماني بومبي (70 –55ق.م) سنة 64ق.م على سوريا وأعلنها مقاطعة رومانية.

وبعث إلى يهوذا قائده على سوريا سكاوروس (Scaurus) (65-63ق.م) يأمر الأطراف المتحاربة بوقف القتال، وينذر ملك الأنباط الحارث الثالث بوجوب رفع الحصار عن أورشليم والانسحاب من يهوذا مع جيشه، ولما أدرك الحارث الثالث أن جيشه لا يستطيع الوقوف أمام جيوش الرومان المنظمة والمدربة، رفع الحصار عن أورشليم وتراجع مع هيركانيوس الثاني. ومعنى هذا أن ملك الأنباط فضَّل أن تكون علاقته مع الرومان علاقة ودية.

ولما كان هدف الرومان تثبيت دعائم السلطة الرومانية على كل بلاد الشام، لذلك هدد الحاكم الروماني على سوريا سكاوروس سنة 62ق.م النبط بالزحف عليهم وتخريب بلادهم، فقرر ملكها الحارث الثالث في بداية الأمر تحدِّيه، وبعد أن تيقن من عدم قدرته على تحدي الرومان في ساحة الحرب، أعلن ولاءه للقائد الروماني بومبي، ودفع إلى حاكم سوريا سكاوروس مبلغ 300 تالانت من الفضة مقابل بقائه في الحكم.

ومعنى ذلك أن بلاد الأنباط أصبح خاضعة للنفوذ الروماني. وقد سرَّ القائد بومبي بهذه النتيجة، حتى إنه أمر بوضع صورة الحارث الثالث في موكب نصره، كما سرَّ حاكم سوريا الروماني سكاوروس بذلك إذ سكَّ سنة 58 ق.م نقودًا نقشت عليها صورة الحارث الثالث وهو جاثٍ على قدميه متوسلًا.

اقرأ أيضاً حملة القائد أنطونيوس على الفرثيين سنة 36 ق.م

علاقة الأنباط بالرومان

ظل الأنباط موالين للرومان بعد وفاة الملك الحارث الثالث، فيذكر أن الملك النبطي مالك الأول (47-30ق.م) أمد القائد الروماني يوليوس قيصر بقوة من جيشه في حصاره لمدينة الإسكندرية، وقضائه على البطالمة سنة 47 ق.م.

وأخذ ولاء الأنباط خلال السنوات (40- 38ق.م) يتأرجح بين الرومان حينًا والفرثيين الذين استولوا على سوريا سنة 40 ق.م حينًا آخر، والسبب في ذلك يعود إلى رغبة كلتا الدولتين في فرض سيطرتها ونفوذها على منطقة شرق الأردن (فلسطين) التي تنازع عليها اليهود والأنباط.

فقد كان للأنباط دور مهم في المنازعات الشخصية التي حدثت في مملكة يهوذا أيام الملك هيركانوس بن إسكندر، وهذا النزاع أدى إلى تدخل الفرثيين من جهة والرومان من جهة أخرى في شؤون مملكة يهوذا، ولكل دولة منهما مصلحة في هذا الجزء المهم من الشرق الأدنى.

فلما وصل الجيش الفرثي بقيادة باكروس سنة 40ق.م إلى حدود مدينة القدس وجدها في حالة من الاضطراب؛ إذ كان يتنازع على عرشها هيرودوس بن أنتيباتروس وأنتيكونوس ابن أخ الملك هيركانوس، وقد طلب أنتيكونوس من القائد الفرثي باكروس أن يجلسه على عرش أورشليم (القدس) بصفته تابعًا للفرثيين، وأسرع هيرودوس إلى الهرب إلى ملك الأنباط مالك الأول يلتمس منه العون والمساعدة، ففي حين كان في طريقه إلى البتراء وصلت رسل الملك مالك الأول تخبره أن الملك لم يتمكن من مساعدته وذلك بناءً على طلب الفرثيين منه.

نفهم من ذلك الرد أن ملك الأنباط في ذلك الوقت انحاز إلى جانب الفرثيين، وبالتأكيد أن الذي دفعه إلى ذلك هو استيلاء الفرثيين على سوريا وتصور أن ميزان القوى مال إلى جانبهم؛ ولذلك ترك جانب الرومان وامتنع عن دفع الضريبة لهم.

أما هيرودوس فبعد أن يئس من مساعدة ملك الأنباط له ذهب إلى روما يلتمس المساعدة منها.

اقرأ أيضاً ما لا تعرفه عن الحروب الفرثية والسلوقية

طرد الفرثيين من سوريا

وبعد أن تمكن الحاكم الروماني في سوريا فنتيديوس باسوس (Ventidius Bassus) (39 –38ق.م) من طرد الفرثيين من سوريا سنة 38 ق.م، عاقب ملك الأنباط مالك الأول وأجبره على دفع غرامة مالية، وانتزع منه بعض أملاكه الممتدة من جنوب دمشق إلى شرق الأردن.

خلف مالك الاأول في حكم دولة الأنباط الملك عبادة الثاني (30 – 9ق.م)، وأبرز الأحداث التي وقعت في عهده هي الحملة الرومانية على اليمن سنة 24ق.م في عهد الإمبراطور أغسطس بقيادة والي مصر إليوس جالوس، وقد أسهم فيها الأنباط إسهامًا فعالًا، فقد شارك فيها ألف جندي نبطي وكان مرشد ودليل الحملة سيلايوس (صالح) وزير الملك عبادة الثاني.

وكان مصير هذه الحملة الفشل في تحقيق هدفها وعودتها إلى مصر. وقد ألقى المؤرخ (سترابو) الذي رافق هذه الحملة مسؤولية فشلها على عاتق الوزير النبطي صالح، واتهمه بالمكر والتغرير بالجيش.

ويبدو أن الذي دفع سترابو إلى اتهام صالح هو رغبته في رفع مسؤولية الفشل عن صديقة إليوس جالوس، وإلا فما مصلحة صالح في إفشال الحملة؟ وقد أسهم فيها بنفسه مع ألف جندي من الأنباط.

ومما يدل على براءة صالح من هذه التهمة أن ثقة الرومان فيه لم تتزعزع بعد فشل تلك الحملة، فيذكر أنه كان يتردد على روما بصفته وزيرًا وسفيرًا لبلاده، وأنه وجد لدى الإمبراطور أغسطس حظوة واعجابًا.

حكم بعد عبادة الثاني الملك الحارث الرابع (9ق.م – 40م) الذي حرص على اتباع سياسة التعاون مع الرومان، وتجنب العوامل التي تؤدي إلى المنازعات والتصادم. ففي سنة 4ق.م قام الرومان بقيادة حاكم سوريا فيروس (Varus) بحملة على اليهود في بيت المقدس، فأمده الحارث الرابع بقوة من المشاة والفرسان مكنته من الاستيلاء على مدن يهودية عدة.

اقرأ أيضاً الصراع من أجل أرمينيا سنة 34 ق.م

علاقة الأنباط باليهود

واصطدم الأنباط باليهود في أيام الإمبراطور تيبريوس سنة 63م؛ والسبب في ذلك أن ملك اليهود التابع للرومان هيرودوس أنتيباس (4ق.م – 39م) تزوج من زوجة أخيه على زوجته الأولى التي هي ابنة ملك الأنباط الحارث الرابع، فأرسل الأخير جيشه لمحاربته، ودارت بين الطرفين سنة 36م معارك عدة انتهت بانتصار ملك الأنباط الحارث الرابع على خصمه وتشتيت جيشه.

فاستنجد هيرودوس بسيده وحاميه الإمبراطور تيبريوس، فغضب الإمبراطور وكتب إلى حاكمه على سوريا فيتليوس (Vitellius) أن يسير فورًا بجيشه لمحاربة الحارث الرابع، والقبض عليه حيًّا وإرساله مكبلًا إلى روما أو إرسال رأسه إليه إن قُتل، وبينما كان فيتليوس يهم بالزحف على مملكة الأنباط جاءته الأخبار بوفاة الإمبراطور سنة 37م فتوقف عن الحرب وقرر الرجوع إلى مكانه.

وانتهت علاقة الأنباط بالرومان سنة 106م وذلك في عهد ملكها مالك الثالث (70 –106م)، فقد أوعز الإمبراطور تراجان إلى حاكمه على سوريا كورنليوس بالما (Cornelius Palma) بالاستيلاء على البتراء وضم دولة الأنباط إلى الإمبراطورية الرومانية، وجعلها ولاية قائمة بذاتها سماها الولاية العربية (Provincia Arabia) وعاصمتها بصرى، ولم تذكر المصادر أخبار عن أي مقاومة أبداها الأنباط ضد الرومان. 

وإلى جانب الدافع السياسي المتمثل برغبة الإمبراطور تراجان في التوسع، وأن ذلك الضم كان جزءًا من مخططه لمهاجمة الفرثيين، فقد كان الدافـع الاقتصادي السبب الرئيس الذي دفعه إلى القضاء على دولة الأنباط، وغايته من ذلك التخلص من وسطاء يسيطرون على طرق التجارة، ويعرقلون مسالكها بين جنوب الجزيرة العربية وشمالها، وقد أعطى ذلك الاستيلاء للرومان السيطرة على خطوط القوافل التجارية المؤدية من الساحل العربي على شاطئ البحر الأحمر شمالًا إلى دمشق فتدمر وموانئ فلسطين وسوريا، وترتب على ضعـف تجارة الشرق في ممر شرق الأردن أن تفتحت أسواق سوريا للتجارة الآتية من العراق.

مملكة الحضـر

تقع في بريَّة (صحراء) بازاء تكريت، وبالتحديد بين تكريت والموصل من جهة والفرات من جهة أخرى على بعد 3 كم من الضفة الغربية لوادي الثرثار، وقد عرفت بلاد الحضر منذ عهد الاحتلال الأخميني للعراق. وفي عهد الملك الأخميني دارا الأول (521-486ق.م) باسم (عربايا) أي بلاد العرب.

لقد اكتسبت الحضر أهمية خاصة في العهد السلوقي بفضل موقعها على أحد طريقين يربطان عاصمتي السلوقيين، سلوقية الواقعة قرب طيسفون على نهر دجلة، وأنتيوخيا في سوريا، فأصبحت مدينة من مدن القوافل تسيطر على طرق القوافل التجارية الناقلة للبضائع بين الشرق والغرب.

واتسعت الحضر وصارت في القرن الأول قبل الميلاد مدينة كبيرة بفضل أهميتها العسكرية في الدفاع عن الإمبراطورية الفرثية، ولا سيما بعد استيلاء الرومان على سوريا سنة 64ق.م وامتداد نفوذهم في عهد الإمبراطور أنطونيوس (40 – 36ق.م) إلى مصر، وترتب على ذلك التوسع زوال أهمية دولة أرمينيا وبروز أهمية مملكة حدياب التي كانت الحضر تابعة لها.

واستفاد الحضر من ظروف الصراع السياسي بين الإمبراطوريتين الفرثية والرومانية، فأخذت تتمتع بنوع من الاستقلال الذاتي في إدارة شؤونها الداخلية وممارسة طقوسها الدينية الخاصة بها ضمن السيطرة العامة للإمبراطورية الفرثية، وتقوم بدور الدولة الحاجزة بين الإمبراطوريتين المتنافستين بحكم علاقتها الواسعة مع أبناء القبائل العربية الذين يعيشون في بوادي العراق وسوريا.

علاقة الحضر بين الفرثيين والرومان

وكان لبلاد الحضر دور في الصراع الدائر بين الفرثيين والرومان، فقد شاركت إلى جانب الفرثيين في المعارك التي خاضها ملكها فرهاد الثالث (69-60ق.م) وابنه أرد الأول (60-37ق.م) ضد الرومان، وقد ساعدهم في القيام بتلك المهمة تمرس أهلها في شؤون الحرب ومعرفتهم بفنون الهجوم والدفاع والكر والفر، حتى إن قذائف نارية معينة اشتهرت باسم القذائف الحضرية.

وعندما تولى الإمبراطور تراجان (98-117م) عرش الإمبراطورية الرومانية وأخذ يعد العدة للاستيلاء على عاصمة الدولة الفرثية طيسفون وبقية مدن العراق، تبلورت فكرة تحصين الحضر للدفاع عن العاصمة، واتخاذها قاعدة عسكرية تجند فيها القبائل العربية للقتال في صف الجيش الفرثي لصد الرومان ومنعهم من عبور نهر الفرات.

وقد مكَّنها ذلك التحصين إلى جانب شجاعة أهلها بقيادة زعيمهم نصرو مريا (Nsru Marya) (114-138م) من الثبات أمام الحصار الذي فرضه عليها الإمبراطور الروماني تراجان سنة 117م. وبعد أن باءت مساعيه لاقتحام أسوارها بالفشل تخلى عنها منسحبًا إلى سوريا، وقد أوعـز المؤرخ الروماني (ديو كاسيوس) ذلك الفشل إلى شدة الحر وقلة الماء وكثرة الذباب. 

وخلد الحضريون انتصارهم هذا بأن وضعوا في المعبد الكبير تمثالًا لرأس تراجان أمام أقدام آلهتهم للسخرية منه وللتشهير بفشله.

وبلغت الحضر درجة من القوة والنفوذ في عهد ملكها عبد سميا (Abd Smya) (190-200م)، الذي يسميه الرومان (برسيموس) حيث تدخل في الصراع على العرش الروماني بين المتنافسين الإمبراطور سبتيميوس سيفيروس (193-211م) وحاكم سوريا نيجر، فأظهر سنة 193م استعداده لمساعدة حاكم سوريا نيجر في نزاعه مع خصمه سفيروس، فلما نجح الأخير في التخلص من خصمه أراد محاربة الحضر والانتقام منها بصفتها دولة معادية له، ولذلك فرض حصاره عليها سنة 198م بعد أن خرب طيسفون وفي طريق عودته إلى سوريا.

لكن أهل الحضر صمدوا بوجه ذلك الحصار وأجبروا الإمبراطور سيفيروس على الانسحاب عن بلادهم إلى نيسيبيس، ثم جدد الإمبراطور سيفيروس المحاولة ثانية في بداية سنة 199م وحاصرها عشرين يومًا، وتمكن وجنوده من فتح ثغرة في سور المدينة الخارجي، غير أن الحضريين تمكنوا من سد تلك الثغرة وقاوموا مقاومة عنيفة اضطر معها الإمبراطور سيفيروس إلى رفع الحصار عن المدينة والرجوع عنها.

وقد كان لهذا الانتصار أثره في زيادة قوة الحضريين وإصرارهم في المحافظة على استقلال مدينتهم ومقاومـة أي محاولـة لإخضاعها، فصاروا يسمون أنفسهم بـ(دي عرب زكيا) أي (العرب المنتصرين)، ولقب ملكهم عبد سميا بـ(ملكا دي عرب) أي (ملك العرب).

وأخذت الحضر تنعم بمكاسب صمودها أمام الرومان وشرع أهلها في زيادة تحصينها، حتى إن نفوذها امتد في عهد الملك سنطروق الثاني (Sanatreg II) (200-241م) شمالًا حتى نهر الخابور، وقد أكد ذلك شعراء العرب قبل الإسلام، ومنهم الشاعر عدي بن زيد العبادي إذ يقول:

وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجـ   لة تُجبى إليه والخابور

شاده مرمرًا وخلَّله كلسـ         ـًا فللطير في ذراه وكور

وظلت مدينة الحضر تتمتع بالقوة والنفوذ وتمارس دورها التجاري والعسكري بصفتها دولة حاجزة بين الإمبراطوريتين حتى سقوطها سنة 241م.

تدمــر

واحة تقع شمال بادية الشام، إلى الشرق من مدينة حمص، بينها وبين مدينة دمشق خمسة أيام، أي أنها تقع تقريبًا في منتصف المسافة بين الفرات من جهة وبين دمشق وحمص من جهة أخرى، وهي رأس المثلث الوهمي المتساوي الأضلاع، يمثل ضلعه الشرقي حدود العراق، وضلعه الغربي مشارف بلاد الشام، أما قاعدته الجنوبية فتمثل شمالي شبه الجزيرة العربية.

هذا الموقع كان عاملًا أساسيًا في رفع مكانة تدمر من منزل منعزل في البادية تنزل به القوافل إلى مدينة من الدرجة الأولى، لا سيما بعد زوال دولة الأنباط وسيطرة الرومان عليها سنة 106م، إذ ترتب على ذلك أن أصبحت تدمر تسيطر على أكبر طريق تجاري يربط بين الشرق والغرب عبر صحاري العراق وسوريا، ونقطة تنطلق منها التجارة العربية الجنوبية إلى الشمال، ولذلك وصفت بأنها مدينة قوافل (Caravan City).

وطبيعي أن يكون غناء تلك المدينة وثراؤها سببًا في توجه أنظار الدول الكبرى نحو السيطرة عليها وضمها إلى نفوذها، ولذلك صارت تدمر ضمن جملة المدن التي أخضعها الإسكندر المقدوني (336- 323ق.م) لحكمه ثم من حصة السلوقيين إذ بنى فيها أحد القادة السلوقيين حصنًا ليقيم فيه الجنود المقدونيون المنضمون إلى قيادته وذلك نحو سنة 280 ق.م.

توحييد العراق وسوريا

ويظهر أن التدمريين أفادوا من السلوقيين الذين نجحوا في توحيد العراق وسوريا، وشجعوا طريق التجارة الدولي الذي يمر بالعراق وتدمر لمنافسة البطالمة، الذين كانوا يريدون أن تمر التجارة الهندية عن طريق البحر الأحمر ومصر؛ ولهذا وقفوا إلى جانب السلوقيين في حروبهم مع البطالمة. يؤيد ذلك المؤرخ بوليبيوس (Polybius) الذي ذكر: «إنه في معركة رافيا عام 217م التي جرت بين السلوقيين والبطالمة كان إلى جانب الملك السلوقي أنطيوخوس الثالث (223-187م) شيخ عربي يُدعى (زبدي بل) وتحت إمرته عشرة آلاف رجل». ولأن هذا الاسم لا يوجد إلا في تدمر، فمن المحتمل جدًّا أن يكون هذا القائد تدمريًّا.

وعندما أنهى الإمبراطور الروماني بومبي (70 –55ق.م) الحكم السلوقي في سوريا سنة 64ق.م، وجعل من الأخيرة ولاية رومانية كانت تدمر تدير أمورها بصفتها إمارة مستقلة، ومنطقة محايدة بين الإمبراطوريتين المتصارعتين في المنطقة الفرثية والرومانية. 

ويبدو أن طمع الرومان في ثروة أهل تدمر وعدم اطمئنانهم لمحاولة أهلها في الحفاظ على استقلالهم دفعهم إلى العمل على إخضاعها.

وأول من استعد لذلك الإمبراطور الروماني أنطونيوس، فيذكر المؤرخ (أبيانوس) في حوادث سنة 41 ق.م «أن الإمبراطور أنطونيوس بعد عودته من حرب الفرثيين توجه إلى بلاد الشام عائدًا إلى روما، فلما اقترب من تدمر أرسل إلى أهلها رسلًا يخبرهم أنه قاصد مدينتهم ليريح عندهم جنوده مما نالوه من عناء الحرب ومشقة الطريق، لكن التدمريين سرعان ما أدركوا حقيقة نواياه، فأخلوا مدينتهم وسارعوا حاملين أمتعتهم الثمينة لعبور نهر الفرات، لكن أنطونيوس وجنوده اقتفوا أثرهم حتى أدركوهم فاقتتلوا قتالًا شديدًا كانت الغلبة فيه للتدمريين».

ويستدل من قائمة الضرائب الكمركية (المكوس) الصادرة سنة 17م والمفروضة على البضائع الواردة إلى روما في عهد الإمبراطور (تيبريوس) (14- 37م) أن تدمر قد اعترفت بسيادة روما عليها، وأنهـا كانت تدفـع الضريبـة للرومان تعبيرًا عن ولائها لهم.

والراجح أن هذا الاعتراف كان اعترافًا اسميًا أملته طبيعة مصالح تدمر الاقتصادية وارتباطها مع مصالح الرومان، الذين أصبحوا منذ عهد الإمبراطور أغسطس (27ق.م – 14م) يسيطرون على الطرق والموانئ في سوريا ومصر وآسيا الصغرى، فالمدينة لم تفقد حكمها الذاتي بل ظلت تدير شؤونها بنفسها، فبقيت إدارة البلاد بأيدي وجوه وزعماء المدينة (مجلس الشيوخ) إذ كان الرومان يعدونهم وكلاء لهم في المنطقة، كما أنهم سمحوا لأهل تدمر بالاحتفاظ بقواتهم العسكرية للمحافظة على أمن المدينة وتأمين حراسة الطرق والقوافل والمواضع التي تخدم تجارتها، وأكثر من ذلك يلاحظ أن قوات تدمر أخذت تشارك الرومان في هذه المرحلة في نشاطاتهم الحربية، فقد ذكر أن هذه القوات أسهمت إلى جانب الفرق الرومانية في محاربة اليهود وتهديم هيكل سليمان في القدس سنة 95م في عهد الإمبراطور دوميتيان (81-96م)، فقد جاء في التلمود «يا لسعادة من سوف يرى نهاية تدمر، فقد اشتركت في هدم المعبد الأول والثاني، ففي المرة الأولى قدمت ثمانين ألفًا من الرماة، ولهدم المعبد الثاني ثمانية آلاف».

ويبدو أن عدد الرماة في النص أعلاه فيه مبالغة كبيرة، فلا يعقل أن يكون لدى تدمر مثل هذا العدد الضخم من الرماة، والراجح أن هذا العدد يمثل مجموع الرماة الذين أسهموا في القتال من التدمريين والرومان وغيرهم ممن انضم إلى جانب الرومان.

ومن أجل إزالة أي عائق يحول بين الرومان وبين عدوهم الأكبر الفرثيون في الشرق، عمل الإمبراطور تراجان (98-117م) على إخضاع تدمر لحكمه إخضاعًا تامًا، وضمها إلى ما يسمى بالولاية العربية أو الكورة العربية التي أقامها بعد استيلائه على الأنباط سنة 106م، ووضع فيها حامية رومانية وممثلًا عسكريًّا يتخذ القرارات المهمة، ومعنى ذلك أن تدمر أصبحت في عهد الإمبراطور تراجان تابعة كليًّا للرومان.

وقد استغلت تدمر سياسة الإمبراطور هادريانوس (Hadrianus) (117-138م) القائمة على السلم ومجانبة الحرب، فوسعت تجارتها وزادت عدد قوافلها التي درت عليها أرباحًا طائلة انعكست آثارها في تقدمها العمراني، وعند زيارته لها سنة 130م منحها لقب هادريانا بالميرا (Hadriana Palmyra) أي تدمر الهادريانية، وهو لقب يتضمن في معناه حصول المدينة على نوع من الاستقلال الذاتي؛ فأصبح لمجلس شيوخها بموجب هذا اللقب حق فرض الضرائب على القوافل التجارية وحق جبايتها من دون تدخل الرومان.

يدلِّل على ذلك الكتابة التي عثر عليها سنة 1882م ويعود تاريخها إلى سنة 137م أي إلى أيام الإمبراطور (هادريانوس) تنظم الرسوم الكمركية (الضرائب) في تدمر، ولتوفير الأمن لقوافلها التجارية المارة في البادية سمح بإقامة حاميات عسكرية لها على شواطئ الفرات الغربية، فأصبح نشاطها التجاري يمتد على طول الطريق بين روما والخليج العربي، وفي عهد الإمبراطور أنطونيوس بيوس (Antoninus Pius) (138-161م) ازدادت أهمية تدمر وارتفع شأنها وشمل العمران أنحاءها كافة.

وواصلت المدينة تقدمها فمنحها الإمبراطور سبتيميوس سفيروس (193-211م) لقب (مستعمرة رومانيا عليا) (Colonia Roman) تكريمًا لأهلها الذين وقفوا إلى جانبه في حربه مع الفرثيين سنة 198م، وتمكن فيها من تخريب طيسفون وجعل شمال العراق الغربي مقاطعة رومانية، وبموجب ذلك اللقب أصبحت تدمر مساوية للمدن الرومانية في الحقوق، فأعفيت من دفع الضرائب، وصار لها حق التملك الكامل والحرية التامة في إدارة سياسة المدينة، وقد أضاف رجالها البارزون أسماء رومانية إلى مقدمة أسمائهم العربية، ولعلهم أرادوا بهذه المحاكاة إضفاء صفة القوة والمهابة على أنفسهم، وأول من لقب نفسه بـ(سبتيميوس) حاكمها (حيران بن وهب اللات) فصار اسمه (سبتيميوس حيران).

وظلت تدمر تتمتع بمكانتها العالية لدى الرومان في مدة حكم الإمبراطور كركلا (211- 217م)، واستمرت كذلك حتى نهايتها سنة 273م على يد الإمبراطور أورليان (Aurelian) (270-275م).

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة