10/ كَانون الأول..
لا ضوءَ يضَاهي ضوء القمر..
ولا حَاجَة لِمُراقَبَة الثَوانِي.. الساعة الآن ألف مِن الوجع..
"الأوطان لا تُباع والأرضُ لن تخون"..
مُخَيَّم اللاجِئين..
بِدايةً..
لا أدرِي أين نحنُ الآن.. كُل ما أعرفِه أنّ الطقسَ غاضِب.. البردُ أقسى مما يُقالُ عنه، المكان هذا لُب الحكايات وجميع الآلام والضحكات، مكان خارج حدود العالم وبعيدًا عن مُسمى الأوطان.
سنكتب الكثير.. فقدان الوطن والأرض التي فيها ترعرعنا، سنكتُب حتى يجف الحِبر وتجف معه دماء الشهداء وتُحقن، وحتى تمتلِئ الشوارع بأصواتِ الموسيقى عوضًا عن نحِيب الأمهات.. حتى تتعطر الأمكنة بعبير المحبين بدلًا عن دموع الحبيبة.
حكايات الوطن تختلف، كُلٌ مِنّا يُحِب تُراب بلاده بطريقته الخاصة؛ أنا مثلًا أحب وطني بطريقتي، وليّ فيه الكثير من الذكريات، ضاعت مِني في الوقت الذي تشردت فيه الأحلام.
هل جرّبتُم مرة أن تستنشِقوا العطور بالقلب لا بالأنف؟
أنا عندما أتذكر بلادي، موطني وأمي وكل الأزِقّة، تفوح عطور الحنِين فِي فؤادي تدور دواليب الذِكريات، الحُب الأول رُسِم على أشجارِ "النِيّم"، تحت ظِله جلسنا نتأمل بعضنا، الوطن إن ضاع لا معنى لحياتكَ بعده.
دون مقدمات كأنه كابوسُ لعين.. شبّت الحرب كالنار في كوم قشٍ وأحرقت الجوف، وجدت نفسي بين مجموعةِ أُناس نعبُرُ البحر ونركبُ أمواجه الغَضبى خوفًا من الموت، غريب حالنا؛ هربنا مِن موتٍ بالأسلِحة النارية وارتمينا في حُضن البحر طالبين الأمان، لم تكُن فِكرة الغرق قد توغلت فِيّ بعد، كل الذي كان يحوم في رأسي ويتأرجح في أفكاري "أهلي"، أين أهلي الآن؟ مَنْ نجا مِنهم ومَن الذي فرّ هاربًا؟
في عرضِ البحر كل شيء يدعو للبكاء البرد، الموت، المصير المجهول، داخل كل تلك المتاهة لم يكن الوقت مناسبًا أبدًا لاستقبالِ عاصِفة.
تعالت أصوات الجميع بالصراخ وتمايلنا جميعًا يضرب بعضنا بعضًا، كنا قُرابة العشرين شخصًا في قاربِ واحد، جميعنا لم نقاوم الموج؛ كُنا ضِعافًا تمامًا كما حدث في أرض اليابسة وفي حضن الوطن، كعادتنا استسلمنا ولم نتمسكُ بالحياة.
لم ينجْ من ذاك القارِب إلاّ ثلاثة، أنا حالفني الحظُ مرة أُخرى بِحُكم حُبي للبحر وإجادتي السباحة، ومعي رجل وابنته الوحيدة، يُدعَى العم محمود وابنته بيسان.
لم يكن التمسكُ بالحياة أمرًا سهلًا لهذا الحد، لقد نجوت بأعجوبة من موتِ مُحَتم.. أخذ البحر أمام عيني سبعةَ عشر شخصًا كانوا على أمل النجاة ووجود مأوًى آخر.
ذاك المنظر لن يفارق مخيلتي أبدًا.. أصواتهم الأخيرة التي تطلب النجاة والدعواتِ والخوف، ورؤية أجسادهم تطفو تارةً وتغطُس تارة أخرى أمرٌ يستحيل عليّ نسيانه، ومحاولاتي عبثًا لإنقاذ بعضهم، حتى نجوت بنفسي، إحساسي بالذنب وبكائي عليهم ليلًا.. تجاوزت مرارة هذا الشعور بعد شهور.. أصبحتُ فقط أبكي على أرواحِهم عند الليل، أرهقني الأمر كثيرًا.
هنا حكايتي.. أنا أكتب عنِّي طالما كنت أخشى أن أموت وأنا مجهولة ولن يتعرف عليّ أحد.. عندما كان عندي وطن وعائلة كان حلمي وحيدًا؛ أن يصدر لي كتابُ وبعض الروايات.. أن أكتب عن الحب والسلام، لم يخطر ببال أحد أنني الآن أكتب عن حربٍ وحرمان.
لن يحدث الذي تمنيتُ، سوى أنني أكتب فقط.. أهذِي بحروف لم تستطع أن تصف ألم ساعةٍ واحدة خارج الوطن.
الساعة 1 صباحًا.. بالقرب من الأراضي التركية، السماء تشع بالنجوم، المكان مُحاط بموجةٍ ثلجية.. الجميع يحاول النوم، البردُ يشتدُ كل دقيقةٍ.. قاسٍ جدًا هذا البرد، يعلمُ جيدًا أن السيدة ماريتا مفاصِلُها لا حول لها.. وأنها جاوزت الثمانين، وأسنانُها تركتها في مُنتصفِ العُمر، وأن شفتيها تلّونتا بالبنفسجِ مِن شِدةٍ الرطوبة..
ذهبتُ إليها ومعِي مِعطفِي المُتقطع مِن المُنتَصَفِ ومددتُ كفِي لها.. ناديتُها بِصوتٍ مُرتجِف مِن البرد.. سيدة ماريتا.. جدتي..
السيدة: نَظرت إليّ ما زالت عيناها في جُحرٍ صغير تلمعان.. ما زال هُناك بريق.. أخذت مِعطفِي بِلهفةٍ وضمته إليها، تلثمت به وراحت تُنادي النوم عساه يستجيبُ لها في تلك الليلة الثلجِية..
السيدة ماريتا أتت مُخيم اللاجِئين مُنذُ عامٍ ترتدي قِلادة تدُل على ديانتِها، رغم كِبر سِنها لكنها ما زالت مليئة بالحياة، سريعةٍ النسيان لكنها عطوفة وحنونة.. أتذكر جيدًا عِندما أتت كانت ناجِية مِن موجات البحر هي وعدة لاجِئين.. الحربُ دمرت كُل شيء، حتى بيت السيدة ماريتا..
وجَدت وطنًا داخِل المُخَيّم عِوضًا عن الذي تَنَفْست هواه حُبًا وغَرامًا، وخَانها عِند أولٍ ضَربةٍ سِلاح، فأفَاقت على دِماءٍ وتُربةٍ غَير صالِحة للحَياةَ.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.