في تلك الليلة، لا تدري من أين هبت تلك الرياح الباردة! فبعد أن كان العرق يتصبب من جبينها، سرعان ما انتفض جسدها النحيل كأن تيار كهربي قد صعقها، وتكومت عظامها وتقوست على نحو غير عادي كأنها قطعة من المطاط. فتحت عينيها لترى ما حولها، لتكتشف ذلك الظلام الدامس الذي يبتلعها في أحشاءه. دوت صرخات هلع، ولكنها كانت صرخات مكتومة هزت أرجاء نفسها. تمسكت أكثر واشتدت قبضتها بجسدها الذي أتخذ وضع الجنين. لا تدري أتغلق عينيها أم تتركهما مفتوحتين في انتظار بصيص من النور يضئ ظلمتها. حقا لا تدري! مرت ساعات وكأن الزمن قد توقف عند هذه اللحظة الكحالة. لا مفر الظلام يحيط بها من كل مكان. اأسدلت ستائر أجفانها في استسلام وتركت نفسها تغرق في بئر عميق... عميق للغاية!
لم تكن تعلم مطلقا ماذا يخبئ لها القدر غدا! لم تكن تعلم أن قطرات دموعها ستتحول يوما ما إلى قطرات الندى التي ستسقط على بتلات زهرة مستقبلها! ظلت تحمل ندبة تلك الجملة -التي طالما أثارت المخاوف في نفسها من ذلك المستقبل الغامض الذي ينتظرها- بين طيات ضلوعها، إلا أن صدى جملة "كل شيء سيكون على ما يرام" كان يتردد في قرارة نفسها بين الحين والآخر. لم تكن تلك الجملة التي قالها لها والداها عندما اختارت دراسة اللغة الصينية بمحض إراداتها والمخالفة لرغبته -"فلتتحملي نتيجة اختيارك إذا فشلتِ في هذه اللغة إذن!"- سوى بداية لتحمل كل الأعباء فوق عاتقيها بعد ذلك. إلا أن وجود تلك المرأة في حياتها شَدَّ عَضُدَهُا. إنها امرأة تعجز جميع الكلمات عن شكرها. امرأة غمرتها "بحب" من نوع خاص. دعمتها بكل ما لديها من قوة، لتبحر ضد "الظروف المحيطة" تلك العاصفة الهوجاء، لتصل إلى ما هي عليه اليوم. جعلتها تشعر إنها لست إنسانة عادية، بل مميزة ومختلفة عن الآخرين. امرأة تتلألأ السعادة في عينيها عندما ترى اسم ابنتها على غلاف كتاب، ويُفتر ثغرها عن ابتسامة خفيفة تحمل كل معاني الفخر، عندما ترها تقف ممشوقة القوام تلقي إحدى محاضرتها. إنها أمها. لقد جعلت من العقبات التي وجهتها في طريق تعلم اللغة الصينية أحجارا لتضعها فوق بعضها البعض ليعلو شأنها يوما بعد يوم.
لم يكن مرضها في ذلك الحين سوى نقطة انطلاقها إلى ذلك العالم. فعلى الرغم من حبها لمهنتها كمترجمة للغة الصينية، إلا أن لم تنسَ مطلقا رغبتها في أن تصبح طبيبة منذ صغرها، لتساعد الناس في تخفيف آلام مرضهم. لذا أخذت تبحث عن طريقة ما لتدمج بين مهنتها الحالية وأمنيتها السابقة. لكن المرض قد غزا جسمها أثناء رحلة بحثها، ونهش عظامها، حتى خارت قواها تماما، وأصبحت عجوزا في جسد فتاة في مقتبل العمر.
لم تتحمل أن ترى تلك النظرات التي تحمل الشفقة في عيون الآخرين. لم تتحمل لحظة انكسار والداتها وهى ترى ابنتها طريحة الفراش. بدأ الشعور بالعجز يتسلل بدخلها شيئا فشيئا، حتى كاد أن يتملكها. وفي أحد أيام انتكاستها المعتادة التي تقضيها في أحد الغرف بالمستشفى وسط صفير أجهزة مراقبة جسمها، كانت تثبت عينيها كعادتها على تلك القطرات التي تتساقط من ذلك المحلول الوريدي المثبت بمحقن في أحد ذراعيها لا حول لها ولا قوة، إلى أن يغلبها النعاس مستسلمة. غير أن في تلك الليلة، تنافرت جفونها وأبت أن تسدل ستائرها! وكأن ذلك الدواء الذي يجري في عروقها حينئذ قد دفع "بفكرة ما" إلى شرايين عقلها، جعلتها تنفض كل مشاعر اليأس عن جسدها الهزيل. فغمرتها فجأة مشاعر وأحاسيس أزاحت الغبار عن "مفتاح" أخفته ذرات غبار المرض وسط خبايا نفسها، لكنها اليوم قد عثرت عليه مرة أخرى، إنه "مفتاح التميز" التي أعطتها إياه والداتها سابقا. فتذكرت رواية "إني اتعافى" لدافيد فوينكينوس، وانهمرت بعض كلماتها على ذهنها. ساورها القلق مرة أخرى خوفا من فشل "تلك الفكرة"، غير أن هذا شعور بالتميز هذه المرة كان أقوي منه، شعور ا منذرا "برياح" الشفاء هذه المرة.
ألم تكن رغبتها أن تصبح طبيبة لتخفف آلام المرضى من قبل! فلما لا تخفف آلامها كمريضة أولا وتبحر في علم الترجمة الطبية في آن واحد؟! لطالما كانت تحب قراءة المقالات الطبية، وتجيد قراءة التقارير الطبية، بل إنها قد اضطرت في أحد المرات قبل أن يعصف بها المرض أن تعمل في إحدى مخازن الأدوية، لتتحمل نفقات دراستها الجامعية، فأصبح لديها خبرة لا بأس بها في مجال الأدوية ودواعي استعمالها وأعراض الآثار الجانبية. وهنا لاح فجر "فكرة دراسة المصطلحات الطبية"، لينير ظلمة "مرضها". بدأت تستعيد صحتها شيئا فشيئا، فواصلت دراستها الأكاديمية، وطرحت فكرة بحثها عن "ترجمة المصطلحات الطبية بالعربية والصينية"، وعلى الرغم من رفض فكرتها للمرة الأولى من قبل مجلس الكلية، بسبب ندرة الدارسات السابقة حول هذا المجال، وعدم توافر قواميس طبية مترجمة باللغتين للاستعانة بها في بحثها، إلا أنها لم تستسلم هذه المرة، واقترحت مرة أخرى أن تقوم بذلك من خلال دراسة المصطلحات الطبية باللغة الإنجليزية أولا كلغة وسيطة. كانت مقتنعة تماما أن المترجم هو ذلك "الشخص" الوحيد الذي يمكنه أن يقوم بأي وظيفة في أي مجال. فبالتأكيد لن يقل أهمية دور "المترجم" عن دور "الطبيب" في غرفة العلميات في إنقاذ حياة مريض والتخفيف من ألمه. وإذا أخطأ الطبيب في عمله يمكنه أن يودي بحياة أحدهم، كذلك "المترجم" إذا أخطأ في ترجمة أحد المصطلحات الطبية في أحد التقارير الطبية أو في أحد الكتب الطبية فمن الممكن أن يكون سببا في فقدان المريض لحياته.
لم يكن الأمر سهلا في بادئ الأمر، بل شعرت بنوع من المجازفة إلى حد ما بعد طرحت فكرة بحثها. لكنها كانت ترى أن هناك فائدة كبيرة ستعود على الكثير من ترجمة مصطلحات الطب الصيني وتطور العلوم الصينية في هذا المجال، بل إنها من الممكن أن تفتح المجال أمام الدراسين لترجمة الكتب الطبية الهامة عن الأمراض النادرة باللغتين مستقبلا، ولاسيما مرضها. لذا تمسكت بفكرة بحثها أكثر رغم صعوبة الدراسة، والحاجة إلى بذل جهد أكبر في دراسة المصطلحات الطبية وفهمها أولا من الناحية العلمية، حتى يتسنى لها ترجمتها بشكل صحيح في النهاية. وهنا تيقنت أن مرضها لم يكن سوى محنة لتهتدي به إلى تلك المنحة. ألا وهي منحة "حب العلم".
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.