على مدخل جسر جامعة القاهرة، يقف تمثالٌ شامخٌ أصبح أحد أبرز رموز النهضة المصرية؛ إنه تمثال نهضة مصر. لكن قصة هذا الصرح لا تكتمل دون معرفة الفنان الذي نحته بعبقرية وطنية فذة. هذه هي سيرة محمود مختار، الفنان الذي لم يكن مجرد نحات، بل كان صوت الأمة الذي جسَّد آمالها في أعقاب ثورة 1919. يُعرف اليوم بلقب رائد النحت المصري، فهو الذي أرسى قواعد فن النحت العربي الحديث، تاركًا إرثًا خالدًا من الأعمال التي ما زالت تلهم الأجيال.
من قرية طنبرة إلى باريس: النشأة وبداية الموهبة
وُلد الفنان محمود مختار في 10 مايو 1891م في قرية طنبرة بمحافظة الغربية. ويُنظر إليه على أنه من رواد النحت المصري والعربي الحديث. وُلد مختار في عائلة مصرية تقليدية من الفلاحين، ولكن مختار عاش أغلب طفولته في محافظة الدقهلية في بيت جدته.
بدأت موهبة مختار تظهر منذ الصغر، فقد كان يقضي معظم وقته بجوار الترعة يصنع تماثيل صغيرة من الطين مستلهمًا من مناظر القرية والحياة الريفية. وعلى الرغم من إصرار أهله على استكماله تعليمه الأزهري، فقد أصر على دخول مدرسة الفنون الجميلة التي أسسها الأمير يوسف كمال في القاهرة عام 1908م، وكان ذلك بمثابة فجوة بين مختار وعائلته؛ ما تسبب في انقطاع العلاقة بينهما، وظهر ذلك عندما أسقط اسم عائلته العيساوي واكتفى بلقب «محمود مختار»، ليبدأ مختار بذلك مرحلة أخرى في حياته، وهي دراسة الفن دراسة أكاديمية.
الدراسة الأكاديمية وصقل الموهبة
بدأ الفنان محمود مختار الدراسة في مدرسة الفنون الجميلة في عام 1908م، وكان بعمر 17 عامًا، وأكمل الدراسة هناك حتى عام 1911م. وخلال مدة دراسته تعلَّم مختار الرسم والنحت، وكان متفوقًا؛ وذلك التفوق كان سببًا في حصوله على منحة لدراسة النحت في مدرسة الفنون الجميلة بباريس، حيث تتلمذ على يد نحاتين فرنسيين بارزين مثل كوتا (Jules Coutan) وأنطونان بورديل (Antoine Bourdelle).
تأثر مختار بتيارات الفن الأوروبي الحديث، لكنه طوَّر أسلوبه ليجمع بين التراث المصري القديم والفن الحديث، وقضى مختار سنوات في دراسة الفن دراسة دؤوبة وجادة، وظهرت نتيجة هذه الدراسة في كل منحوتات مختار.
كيف تطور أسلوب محمود مختار في النحت بين القاهرة وباريس؟
بين دراسة الفن في مدرسة الفنون الجميلة في مصر ودراسته في باريس تطوَّر أسلوب مختار؛ فقد جمع بين الفن الشرقي والغربي، وبين الحداثة والحضارة، وبين النحت التقليدي والمعاصر. ولكن ما يميز كل أعمال مختار هو محاولته إبراز الهوية المصرية. عندما كان يدرس في مدرسة الفنون الجميلة في مصر، فقد كان يركز على تسجيل التفاصيل، وإبراز الحركة في الأشكال، وبرز ذلك في تمثاله «ابن البلد» الذي يعبِّر عن الحياة الشعبية بواقعية ساخرة.
عندما سافر إلى باريس تغيَّر أسلوبه، وتفتَّح على جميع الاتجاهات الأوروبية في ذلك الوقت، لكنه لم يكن تابعًا أعمى، بل كان ينتقد تلك الاتجاهات، ووضع فلسفة خاصة ترى ضرورة تطعيم الواقع بدرجة من الخيال، ليظل الفن نابعًا من فكر الفنان ذاته.
لكن مرحلة نضج فن مختار جاءت مع تمثال «نهضة مصر» عام 1920م، فقد جسَّد النهوض الوطني الأصيل بمزج قوة التعبير والفكر الوطني مع الأشكال الواقعية المنظمة. وخلافًا للاعتقاد الشائع، لا يصور التمثال سيدة تحمل وعاءً، بل يجسد فلاحة مصرية تنهض شامخة، وتضع يدها على رأس تمثال أبي الهول، في إشارة رمزية إلى إيقاظ الماضي العريق لبناء مستقبل جديد.
تمثال في منتهى الابتكار والروعة في ذلك الوقت؛ ما يبرز عبقرية النحات. مختار لم يأخذ مكانته وسط فناني مصر والوطن العربي بالصدفة، بل كان نتيجة عبقرية وموهبة فريدة فرضت نفسها.
ما أشهر أعمال محمود مختار الخالدة؟
أبرز تماثيل محمود مختار تتمثل في مجموعة من الأعمال التي جسدت الهوية الوطنية والثورة المصرية. ومن أشهر أعماله هو تمثال «نهضة مصر» عام 1920م الذي يُعد رمزًا للنهوض الوطني بعد ثورة 1919م. كما أبدع تمثال سعد زغلول لمحمود مختار، فنحت تمثالين للزعيم الوطني في القاهرة والإسكندرية بين عامي 1930م و1933م. إضافة إلى أعمال أخرى مثل «ابن البلد»، و«الحزن»، و«بنت الشلال»، و«العروس» التي تعبر عن مشاهد من حياة القرية المصرية.

متحف محمود مختار: إرث فني خالد
لم يقتصر إرث مختار على أعماله المنتشرة في الميادين، بل تم تخليده في متحف يحمل اسمه. يُعد متحف محمود مختار بالقاهرة واحدًا من أهم المتاحف الفنية في مصر، وقد افتُتح عام 1952 بفضل جهود رائدة الحركة النسائية هدى شعراوي. يضم المتحف مجموعة كبيرة من أعماله الأصلية المصنوعة من البرونز والبازلت والرخام، مما يجعله وجهة أساسية لكل محبي الفن والتاريخ المصري الحديث.
وفاة محمود مختار وإرثه الفني
توفي محمود مختار في 27 مارس 1934م عن عمر ناهز 43 عامًا بعد صراع مع المرض، تاركًا وراءه إرثًا فنيًا لا يقدر بثمن. لقد كان مختار لم يكن فنانًا عاديًا، بل يعد رائد النهضة المصرية.
برز مختار بعد ثورة 1919م بتمثال يُنظر إليه إلى يومنا هذا على أنه رمز. هذا هو دور الفنان، فالعلاقة بين ثورة 1919 والفن تجسدت في أعماله، فيظهر الفنان في أوقات الثورات والنهضة ليجسد روح الوطن، وحماسة الشباب، ويكون مرآة لمشاعر الوطن.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن محمود مختار لم يكن مجرد نحات، بل كان مؤرخًا بصريًا سجل ببراعة مرحلة حاسمة من تاريخ مصر. لقد نجح في خلق أسلوب فني مصري خالص، واستطاع أن يحول الحجر الصامت إلى صوت ناطق بآمال أمة. يظل إرثه شاهدًا على أن الفن هو السلاح الأقوى لتخليد الهوية الوطنية، ودعوة مفتوحة للأجيال الجديدة لاستكشاف أعماله في متحفه الخاص والتعرف عن قرب على قصة رائد النحت المصري الحديث.
لماذا يعد محمود مختار رائد النحت المصري الحديث؟
يُعد مختار رائدًا لأنه أول من أسس أسلوبًا مصريًا حديثًا في النحت، متحررًا من القوالب الأوروبية الكلاسيكية. لقد نجح في دمج أصالة التراث المصري القديم مع الروح الوطنية المعاصرة، مما جعل أعماله هوية بصرية لمصر في القرن العشرين.
أين يقع تمثال نهضة مصر الأصلي؟
تمثال نهضة مصر الأصلي المصنوع من الجرانيت الوردي يقع حاليًا في ميدان أمام حديقة الحيوان وبجوار جامعة القاهرة في محافظة الجيزة، بعد أن تم نقله من موقعه الأصلي في ميدان رمسيس.
ما المواد التي استخدمها مختار في نحته؟
استخدم محمود مختار مجموعة متنوعة من المواد الصلبة والدائمة التي تظهر القوة والخلود، وأبرزها الجرانيت الوردي (كما في تمثال نهضة مصر)، والبرونز (كما في تمثالي سعد زغلول)، إضافة إلى الرخام والبازلت والحجر الجيري.
رحل محمود مختار في ريعان عطائه، لكنه ترك إرثًا خالدًا يربط بين الفن والهوية والوطن، لم يكن نحاتًا فحسب، بل رمزًا لنهضة مصر الفنية والفكرية، ومثالًا على قدرة الفن على ترجمة مشاعر الأمة وتاريخها في لحظات التحول الكبرى. اليوم، يبقى تمثال «نهضة مصر» شاهدًا على عبقريته، وعلى الدور الخالد للفن في تكوين الوعي الجمعي للشعوب.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.