حوار مع محمود درويش: فلسفة الأمل وتفاصيل الحياة في «لا شيء يعجبني»

يمثل هذا النص حوارًا تخيليًّا مع الشاعر الراحل محمود درويش، منطلقًا من عبارته الأيقونية «لا شيء يعجبني» التي تعبر عن الضجر الوجودي. لكن النص يُعيد صياغة الموقف عبر فلسفة المرونة النفسية، مؤكدًا أن الجمال يختبئ في التفاصيل الإنسانية الصغيرة: صوت الأم، رغيف الخبز، وظل الخير في القلوب، معتبرًا أن الإعجاب بالأشياء هو فعل مقاومة ضد الموت المعنوي.

تُعد قصيدة «لا شيء يعجبني» للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش التي نُشرت ضمن ديوان «أثر الفراشة» إحدى أيقونات الأدب الوجودي التي عبرت عن حالة من التشبع والملل الروحي. لكن النص الذي بين أيدينا اليوم يفتح نافذة مغايرة؛ نافذة لا تنكر على درويش تعبه، لكنها ترفض الاستسلام لعدميته. إنه محاولة لإعادة الاعتبار للتفاصيل الصغيرة التي تمنح الحياة معناها، واحتفاءٌ بالاستقرار النفسي في وجه قسوة الواقع.

ديوان «أثر الفراشة»

لا شيء يعجبني...  

قالها محمود درويش ذات يأس، وكان في صوته شجن من لا يطلب شيئًا، لأنه جرَّب كل شيء، ولم يَسكن قلبه شيء.

وأنا أفهم، يا محمود. أفهم أن يُرهقك العالم حدَّ أن تُطفئ عينيك، أن تُشيح بوجهك عن الزهور، لأنها ذبلت كثيرًا قبل أن تراك. أفهم أن تُغلق الباب على قلبك، حين لا يعود الخارج يستحقه.

ولكن، لو جلستَ إلى جانبي الآن، لهمستُ لك: ما زال هناك ما يُعجب.

يعجبني الذين يسندون أرواحهم إلى الأمل على الرغم من كل الانكسارات، الذين يزرعون وردة في حديقة مهجورة، ويسقونها كما لو كانت آخر ما تبقَّى من الجمال.

يعجبني الذين يحبُّون رغم الخذلان، ويكتبون رغم صمت العالم، ويحلمون رغم أن الكوابيس أوفر حظًا.

يعجبني صوت أمي وهي تُنادي باسمي كأن لا قذيفة سقطت، ولا حرب مرَّت، كأنني ما زلت طفلتها الوحيدة، وسلامها الوحيد.

يعجبني عناق بعد طول غياب، ولقمة خبز حافية في بيت فقير، وحكاية قديمة في حضرة جدٍّ ما زال يتذكَّر الطريق رغم تعب الذاكرة.

يعجبني ظلُّ الله في قلوب الناس، في صدقةٍ خفية، في دعاء لا يعرفه أحد، وفي يدٍ تربِّت على كتف المنكسر دون أن تسأله عن اسمه.

يعجبني الصبر حين لا يُكافأ، والحب حين لا يُعلَن، والكتابة التي تُنزف ولا تُباع.

يا محمود…  

ربما كنتَ على حق، فبعض الأيام لا تُعجب أحدًا، لكنها تمرُّ، ويأتي بعدها يومٌ… فيه وردةٌ تفتَّحت، وقلبٌ عاد يخفق، وقصيدةٌ وُلدت من رحم الغياب.

لستُ من أولئك الذين يُعجبهم كل شيء، لكنني… أحاول أن أُعجب ببعض الشيء، كي لا أموت كليًا وأنا ما زلتُ على قيد الانتظار.

فحتى في العتمة، ثمَّة شيءٌ خافت.. يضيء من أجل من يُؤمن بأن الجمال لا يموت، بل ينام أحيانًا، وينتظر من يوقظه.

في الختام، هذه الرسالة الموجهة إلى محمود درويش ليست كلمات عابرة، بل هي بيان حياة. إنها تؤكد أن الأمل ليس سذاجة، بل هو فعل شجاع يتطلب قوة أكبر من قوة اليأس. قد يكون درويش محقًّا في تعبه، لكن الكاتب محق أيضًّا في محاولته؛ ففي حين كان درويش يخشى أن يموت وحيدًا، يخبرنا هذا النص أننا لا نموت كليًّا ما دمنا نملك القدرة على أن نُعجب بوردة صغيرة تشق طريقها وسط الركام. الجمال لا يموت، بل ينام أحيانًا، وينتظر من يوقظه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

مرحبا بكم جميعا اصدقائي الأوفياء في مشوراتي سعيدة بابداء رايكم حول منشوراتي
وشكراً لكم🌹🤍.
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.