محمود درويش الشاعر الذي جعل من الحبر وطنًا

لم يكن محمود درويش شاعرًا عابرًا في دفتر الشعراء، بل كان علامة فارقة، جرحًا ينزف حبرًا، وصوتًا يتردد في قلب كلّ منفيّ، لم تكن قصائده كلماتِه فقط، بل كانت حياتَه وقضاياه ومنافيه وأحلامه المؤجلة، كان إذا كتب تنفّست الأرض، وإذا صمت بَكتْه اللغة.

وُلد في قرية (البروة) في الجليل، وحين داستها الجرافات، اقتُلع منها طفلًا كما تُقتلع شجرة الزيتون من أرضها، ومن ذلك اليوم لم يعرف الاستقرار إلا في الشعر، صار قلمه عصاه، وديوانه خيمته، والكلمات وطنًا بديلًا عن وطنٍ غاب عن العين، لكنه لم يغِب عن القلب.

كتب من بيروت ومن باريس ومن تونس ومن رام الله، وفي كل مدينة ترك قصيدة تشبه حجرًا صغيرًا يُعيد بناء ذاكرة الوطن، كانت حياته سلسلة من الرحيل، لكن قلبه ظلّ واقفًا هناك، في باحة الدار قرب شجرة التين، يستقبل العائدين في القصائد.

قال ذات مرة: «أنا من هناك.. ولي ذكريات»، لكنه لم يكن يتذكّر فقط، بل كان يسترد، كان يعيد فلسطين من يد الغياب إلى دفء المعنى، من خلف الأسوار إلى قلب القصيدة، لم يرفع بندقية، لكنه قاوم ببيته الشعري كما تُقاوم الجيوش بحصونها، جعل من الورقة جبهة، ومن الحبر طلقة، ومن القصيدة نشيدًا لا يصدأ.

وفي الحبّ لم يكن عابرًا، كان عاشقًا على طريقته، بعينين معلقتين على الحدود، وبقلبٍ يعرف أن العاشق لا يصل دومًا إلى محبوبته، كتب لـ (ريتا) كما يُكتب للوطن: «مستحيلًا وجميلًا»، وعلّمنا أن الحبّ أيضًا مقاومة، وأن الحبيبة قد تكون وطنًا آخر، نُحاصرُ دونه.

حين كتب «على هذه الأرض ما يستحق الحياة» لم يكن يزخرف المعاني، بل كان يقدّم بيانًا أخيرًا في وجه اليأس، كان يُمسك بالعاديّ، ويجعله مقدّسًا: قهوة الأم.. رغيف الخبز.. مقعد المدرسة.. ظلّ الجدار.. تفاصيل صغيرة تُصبح حياةً كاملة حين تُؤخذ من يد المحتل.

وفي سنواته الأخيرة لم يطلب شيئًا من أحد، كان قد صار أكبر من الحكاية، دخل غرفة العمليات في صمت كمن يسير إلى لقاء قديم، قال للموت: «خذني، لكن دَع كلماتي تمشي بعدي»، وفعلًا مضى، لكن قصائده بقيت، تُقرأ في المدارس، وتُطبع على الجدران، وتُغنّى في الساحات، وتُتلى كلما تاه الحلم.

محمود درويش لم يكن شاعر قضية فقط، بل كان شاعر الإنسان، كتب عن الأم والطفولة والمنفى والموت والحب والانتظار واللغة والحياة اليومية.. كان يضع قلبه في كل نص، فينبض النصّ حيًا كما لو خرج توًا من صدر رجلٍ يبحث عن ظلّه.

هو الشاهد والشهيد والرمز، رجلٌ جعل من الشعر مرآةً نرى فيها أنفسنا، ومن الوطن قصيدةً نُكملها نحن بعده، بيتًا بيتًا، ودمعةً دمعة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.