الكاتب الصحفي والأديب الساخر محمود السعدني الملقب بالولد الشقي، أحد أبرز علامات الصحافة المصرية والعربية في القرن العشرين، تميز قلمه بالسخرية اللاذعة والقدرة الفائقة على التقاط نبض الشارع المصري والتعبير عن همومه وطموحاته، لم تكن حياته مسيرة صحفية لامعة فقط، بل كانت رحلة حافلة بالتحديات والمواقف الجريئة التي وضعته في مواجهة مباشرة مع السلطة في عصور مختلفة، ما أدى إلى سجنه ونفيه.
يستعرض هذا المقال أهم محطات حياة السعدني، مسيرته الصحفية في مصر وخارجها، علاقته المعقدة بحكام مصر، وأوقات الاضطهاد التي مر بها، وأبرز أعماله الأدبية لمحمود السعدني التي خلدت اسمه بصفته أحد رواد الأدب الساخر في العالم العربي، علاقاته مع حكام مصر، سنوات السجن والمنفى.
ميلاد الكاتب محمود السعدني
ولد محمود السعدني في 20 من شهر نوفمبر في عام 1927 بالجيزة، نشأ في أسرة بسيطة، ودرس في مدارس الجيزة، مبديًا ميلًا مبكرًا للأدب والكتابة.
شقيق الكاتب محمود السعدني
الفنان صلاح السعدني هو الشقيق الأصغر للكاتب الصحفي محمود السعدني وقد قدم صلاح السعدني عددًا من الأعمال السينمائية والتلفزيونية والمسرحية المهمة منها مسلسلات ليالي الحلمية وحلم الجنوبي ورجل في زمن العولمة وأرابيسك.

اعتقال وسجن ونفي الكاتب محمود السعدني
اعتقل وسجن الكاتب محمود السعدني وكذلك نفيه خلال مدد حكم الرئيسين جمال عبد الناصر ومحمد أنور السادات في تعم لعل أبرزها اتهامه بالاشتراك في محاولة قلب نظام الحكم زمن الرئيس محمد أنور السادات، عكست هذه المواجهات بين السعدني والسلطة التحديات التي كان يواجهها الصحفيون في التعبير عن آرائهم بحرية في تلك المدة.
سبب سجن الكاتب محمود السعدني فترة حكم جمال عبد الناصر
أثناء زيارة الكاتب محمود السعدني إلى سوريا طلب أعضاء الحزب الشيوعي بسوريا من الكاتب محمود السعدني إرسال رسالة مغلقة للرئيس المصري جمال عبد الناصر وطلب منه عدم فتحها وبسلامة نية سلم محمود السعدني الرسالة دون أن يعرف فحواها، وللأسف كان فحواها يحمل تهديدًا للرئيس جمال عبد الناصر وألقي القبض وسجنه مدة عامين إلى أن أفرج عنه، وتُظهر هذه الواقعة كيف كانت الظروف السياسية آنذاك تتسم بالحساسية الشديدة تجاه أي تواصل قد يُفسر على أنه معادٍ للسلطة.
سبب سجن ونفي الكاتب محمود السعدني في حكم الرئيس محمد أنور السادات
اتهم الكاتب محمود السعدني بتهمة الانقلاب على نظام الحكم فترة حكم الرئيس محمد أنور السادات وعرض على محكمة الثورة وحكم عليه بالسجن ثم النفي، وكان السعدني من بين مجموعة من الصحفيين والمفكرين والسياسيين الذين شملتهم حملة اعتقالات واسعة في سبتمبر 1981، قبيل اغتيال السادات.
الرئيس مبارك وموقفه من الكاتب محمود السعدني
بعد تولي الرئيس المصري محمد حسني مبارك الحكم صدر قرارًا بعودة الكاتب محمود السعدني من منفاه واستقبله بنفسه.
مسيرة الكاتب محمود السعدني مع العمل بالصحافة
كانت بداية الكاتب محمود السعدني حين عمل في مجلات وجرائد عدة كانت تصدر في شارع محمد علي:
عمل الكاتب محمود السعدني في مجلة (الكشكول) التي كان يرأسها الكاتب مأمون الشناوي.

بعد غلق مجلة (الكشكول) عمل الكاتب محمود السعدني في جريدة كان يصدرها حزب الوفد بعنوان (المصري).
أثناء عمل الكاتب محمود السعدني بجريدة المصري كان يعمل في مؤسسة (دار الهلال) وأصدر مجلة هزلية مع أحد رسامي الكاريكاتير لكنها لم تستمر طويلًا.
عمل الكاتب محمود السعدني صحفي بصحيفة الجمهورية بعد قيام ثورة يوليو، وكان رئيس مجلس إدارة صحيفة الجمهورية في حكم محمد أنور السادات وكان رئيس التحرير هو كامل الشناوي.
بعد الاستغناء عن خدمات الكاتب محمود السعدني في صحيفة (الجمهورية) عمل مدير تحرير في مجلة روز اليوسف التي كان يرأس تحريرها في هذه المدة الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس نجل السيدة فاطمة اليوسف صاحبة المجلة.
بعد تأميم مجلة روز اليوسف ترك الكاتب محمود السعدني العمل بها وانتقل للعمل بمجلة (صباح الخير) وتولى رئاسة تحريرها.

بعد سجن الكاتب محمود السعدني أصدر الرئيس محمد أنور السادات قرارًا جمهوريًّا بفصل الكاتب محمود السعدني من عمله بمجلة (صباح الخير) ومنعه من الكتابة ومنع ظهور اسمه في أي صحيفة أو مجلة مصرية.
بعد التضييق على الكاتب محمود السعدني داخل مصر ومنعه من الكتابة اضطر لترك مصر وسافر إلى لبنان لكن معظم المجلات ببيروت رفضت عمل محمود السعدني بها خوفًا من غضب الرئيس محمد أنور السادات إلى أن وجد عمل بصحيفة السفير بأجر زهيد جدًا.
ترك الكاتب محمود السعدني لبنان واتجه إلى الجماهيرية العربية الليبية، غادر السعدني إلى الجماهيرية العربية الليبية، وهناك عرض عليه الرئيس معمر القذافي العمل بصحيفة (الفجر الجديد) لكنه رفض.
ترك الكاتب محمود السعدني الجماهيرية العربية الليبية واتجه إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بأبو ظبي وهناك تولى مسئولية المسرح المدرسي في وزارة التربية والتعليم في الإمارات، وتولى منصب مدير تحرير صحيفة الفجر الإماراتية وخلال إدارته الصحيفة تسبب في أزمة بين إيران والإمارات، وذلك بعد رفعه شعار (صحيفة الفجر جريدة العرب في الخليج العربي) وكانت إيران تسميه وقتها الخليج الفارسي.
اضطر الكاتب محمود السعدني بعد ضغوطات عليه من إيران إلى ترك أبوظبي واتجه إلى دولة الكويت، وهناك عمل في صحيفة (السياسة الكويتية).
استمرت الضغوطات على الكاتب محمود السعدني في الكويت أيضًا ما اضطره إلى تركها والتوجه إلى لكن الضغوطات لم تتركهمما اضطره لترك العراق والتوجه إلى لندن.
بعد ذهاب الكاتب محمود السعدني إلى لندن شارك في إصدار أول مجلة عربية تصدر بعنوان (مجلة 23 يوليو) في لندن (وكانت أول مجلة عربية تصدر هناك) وحققت نجاحًا كبيرًا لكن النجاح لم يستمر بسبب الضغوطات المالية، فتوقفت المجلة عن الصدور.

عودة محمود السعدني إلى الوطن والاعتزال
عاد الكاتب محمود السعدني إلى مصر بعد اغتيال الرئيس محمد أنور السادات واستقبله الرئيس محمد حسني مبارك لتنتهي أزمات الكاتب محمود السعدني مع السلطة.
اعتزال الكاتب محمود السعدني الصحافة والحياة العامة
اعتزل الكاتب محمود السعدني العمل بالصحافة في عام 2006 بسبب مرضه الشديد وهو لم يعتزل الصحافة وحدها بل اعتزل الحياة العامة، وهو ما فعله شقيقه صلاح السعدني الذي اعتزل هو الآخر الفن والحياة العامة بسبب مرضه بعدما قدم آخر أدواره في مسلسل القاصرات.
أشهر كتب الكاتب محمود السعدني
صدر للكاتب محمود السعدني أعمال وكتب عدة، تنوعت بين السيرة الذاتية الساخرة، والأدب الساخر، وأدب الرحلات، وهي:
- مصر من تاني
- عزبة بنايوتي
- رواية قهوة كتكوت
- مسافر على الرصيف
- ملاعيب الولد الشقي
- السعلوكي في بلاد الإفريكي
- الموكوس في بلد الفلوس
- وداعاً للطواجن
- رحلات ابن عطوطة
- أمريكا يا ويكا
- بالطول والعرض رحلة إلى بلاد الخواجات
- تمام يا فندم
- المضحكون
- حمار من الشرق
- عودة الحمار
- الولد الشقي (الجزء الأول)
- الولد الشقي (الجزء الثاني)
- الولد الشقي في السجن
- الولد الشقي في المنفى
- الطريق إلى زمش

أهم اقتباسات الكاتب محمود السعدني
- سأعيش صحفيًّا وأموت صحفيًّا وسأحشر يوم القيامة في زمرة الصحفيين.
- فنحن في العصر الحميري نفضل استخدام الكنية على الاسم نفسه.. فإسماعيل نسميه أبو السباع، ومحمود نسميه أبو حنفي وأحيانًا أبو طه وسليمان نسميه أبو داود وإبراهيم نسميه أبو خليل ويوسف نسميه أبو حجاج.. والهزيمة نسميها نكسة.
- كلما رأيت عربًا في الخارج اجتاحنى السرور وكلما ناقشتهم ركبنى الهم.. فنحن في الواقع لا نخرج من بلادنا ونعيش في الخارج ولكننا نهاجر إلى الخارج ونعيش في بلادنا.. نطبخ طعامنا الذي تعودنا عليه ونتحدث في الموضوعات الخاصة ببلادنا ولم يحسم النقاش فيها.
- لم يهزمنا الاستعمار الانجليزي ولم يهزمنا العدوان الإسرائيلي ولكن هزمتنا أغذية السيد المستورد عديم الذمة قليل الأصل وطاردونا بسلعهم المغشوشة على شاشة التلفزيون وربحوا الملايين وقتلوا الألوف من شعبنا الله يخرب بيوتهم ويكب زيتهم.
- من المآسي ما يمتد في بطن التاريخ عدة مئات من السنين ولكن أخطر مأساة في التاريخ أن كل خليفة حي هو مصدر الحكمة وينبوع المعرفة ونموذج الكمال، وهو يظل كذلك حتى يموت، فإذا مات فهو منبع الجهل ومصدر الظلم والنموذج الأكبر للفساد والاستبداد.
- ستجدين في كل شارع الف حفرة وحفرة واسمها العلمي مطبات.. ولذلك ستجدين في كل مدينة ألف أعرج وأعوج! ولأنها حفريات أثرية.. فنحن نحافظ عليها بكل ما نملك.
- الموهبة مسألة لا يستطيع أحد أن يختارها وأنت تستطيع أن تكون ضابطًا أو بحارًا، ولكنك لا تستطيع أن يكون دمك خفيف، والسبب في ذلك منذ الميلاد أبوك وأمك.. وخفة الدم لا أحد يختارها لكن ممكن تعمدها ومن تعمدها نهار أبوه أسود ويروح في ستين داهية؛ لأنها موهبة من عند الله.. وأنا لا أتعمد شيئًا وسلوكى في الحياة واحد وأترك الحكم للناس.
- القائد الحقيقي ليس هو الذي يقود في حياته، ولكن هو الذي يترك خلفه مصابيح تضيء الطريق من بعده.
وفاة الكاتب محمود السعدني
توفي محمود السعدني في 4 من مايو في عام 2010 بعد صراع مع المرض.
يظل محمود السعدني الولد الشقي للصحافة المصرية، قامة أدبية وصحفية فريدة، ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ الأدب الساخر والنقد الاجتماعي في العالم العربي، حياته الحافلة بالمواقف الجريئة والسجن والنفي لم تطفئ شعلة قلمه اللاذع الذي عبر بصدق عن آمال وآلام البسطاء.
والأعمال الأدبية لمحمود السعدني وعلى رأسها سلسلة (الولد الشقي) لا تزال شاهدة على عبقريته وقدرته الفذة على المزج بين الضحك والنقد العميق، ما يجعل إرثه مصدر إلهام ودراسة للأجيال القادمة من الكتاب والصحفيين الباحثين عن الحقيقة والحرية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.