محمد محمود خليل أغنى أغنياء مصر... لكن الحياة لا تعطي كل ما نتمنى!

تطوير متحف محمود خليل وحرمه | المقاولون العرب

تزوّج طه حسين من سوزان الفرنسية، وفي باريس أنجبت أمينة، وفي القاهرة أنجبت مؤنس، وفي الحمل الثالث، كادت تفقد حياتها، ولم يكن هناك سبيلًا أمام الطبيب إلّا التضحية بالجنين، سمح الطبيب لطه حسين بزيارة زوجته؛ جلس إلى جانبها، بينما هي تدنيه منها وتقول له:

"لقد كنت أزور منذ أسابيع حرم صديقنا محمد بك محمود خليل، إنك تعرف قصرهم المطل على النيل، وتعرف ما فيه من روائع وتحف ولوحات أبدعها فنانون من أشهر فناني الدنيا: جوجان وفان جوخ ورودان وغيرهم..

كنت أقول لها إن القصر جميل والمحتويات رائعة، وكانت ترد بابتسامة وديعة وهي تقول: كل هذا يُشترى بالمال، وتترقرق في عينيها الدموع، إنها وزوجها يبذلان بغير شك كل ما يملكان، راضين، كي يكون لهما طفل واحد، ونحن بحمد الله لدينا أمينة، ونحن بحمد الله لدينا مؤنس. "

ويقول طه، ويداها في يديه: "الحمد لله، فإنك أنت الآن في خير حال".

محمد محمود خليل ولد عام 1877م من أسرة ثرية تملك أراضي شاسعة، وبعد دراسة الزراعة، وفي عام 1897م استهواه القانون فسافر إلى فرنسا لدراسة الحقوق بجامعة السوربون..

وفي عام 1901م أثناء إقامته في باريس التقى "إميلين هيكتور لوس" الفنانة الفرنسية التي كانت تدرس الموسيقى بمعهد كونسرفتوار باريس، ونشأت بينهما قصة حب، وهي التي استهوته إلى حبّ الفنون، واقتناء التحف، واللوحات الفنيّة.

تزوّج من إميلين وظلا على زواجهما أكثر من خمسين عام، مثلما زواج طه حسين وسوزان الذي استمر أكثر من خمس وخمسين عام، وبينما أنجب طه حسين كل من أمينة ومؤنس، لم يقدّر الله لمحمد خليل أن يكون له ذرية، ولم ينجب أطفالًا..

وتوفى في ديسمبر 1953م، عين وزيرًا للزراعة عام 1937م ورئيسًا لمجلس الشيوخ عام 1939م، وكانت علاقته بالملك فؤاد غير جيدة لأنه لم يهتم بالتودد له..

ولذا لم يحصل على الباشوية، ولم يحصل عليها أيضًا في عهد الملك فاروق عندما وصل إلى مسامعه أنه قال إن الباشوية ورقة لا تساوي الحبر الذي كتبت به.

كان مهتمًا بالفنون المصرية والعالمية فاشترك عام 1937م بمجموعته الخاصة في معرض مصر- فرنسا في باريس، وأشرف على الجناح المصري في المعرض الدولي للفنون في باريس الذي حضره الملك فاروق..

اهتم خليل بالفن المصري الحديث واقتنى لنفسه وأهدى وزارة المعارف ومتحف الإسكندرية عددًا كبيرًا من القطع الفنية المميزة.

كانت القصور الملكية وقصور الأمراء تعهد إليه بشراء لوحات وتماثيل عالمية لخبرته الواسعة وذوقه المتميّز..

وكان خليل مثقفًا موسوعيًا متحفيا وموسيقيا وأدبيًا، فكان ميعاد الساعة السادسة مساء الأحد من كل أسبوع هو زيارة ثقافية لمنزل طه حسين.

انتخب خليل عام 1948م مراسلًا للأكاديمية الفرنسية للفنون الجميلة، وأصبح عضوًا بها عام 1949م، أوصى خليل قبل وفاته بالقصر ومحتوياته لزوجته..

واتفق معها أن تتبرع بالقصر للدولة المصرية بعد وفاتها، وعاشت زوجته في القصر حتى عام 1960م، وكتبت وصيتها في 11 مايو 1960م وهي تهدي القصر بمحتوياته إلى الدولة المصرية، على أن يستمر متحفًا متاحًا للدخول مجانًا أو بمبالغ زهيدة حتى يستطيع جميع المصريين زيارة المتحف.

وقد تمّ افتتاح القصر بعد تجهيزه للعرض المتحفي في 23 يوليو عام 1962م.

في عام 1972م قرّر الرئيس السادات الذي كان بيته مجاورًا للمتحف اتخاذ المتحف مكتبًا له، فأبقى على النجف والسجاد..

ونقلت اللوحات والأثاث إلى قصر البرنس عمرو باشا إبراهيم في الزمالك، حيث أصبح المقر المؤقت للمتحف لمدّة عشر سنوات، وبعدها عادت الكنوز إلى قصر محمد محمود خليل.

وكان قد تم عمل دليل للمتحف في الأربعينيات، ثم تم طبع دليل آخر في الستينيات أشرف عليه المؤرخ الفني صدقي الجباخنجى وريشار موصيري اليهودي المصري والخبير الفنيّ، الذي كان يساعد محمد محمود خليل في الاقتناء.

زار المتحف مجموعة من الخبراء الفنيين الفرنسيين لمدة 10 أيام من 31 مارس 1989م، لفحص المحتويات والتأكد من أنها أصلية، وتأكدوا من ذلك وسجّلوا شهادات وصف دقيق للوحات..

وسافرت المجموعة التي لم يرها الفرنسيون من قبل في عام 1994م للاشتراك في معرض في باريس، وعادت لمصر مرة أخرى بأمان.

من أهم مأثورات خليل وحرمه متحفهما الفخيم الذي يرجع تاريخه إلى بدايات القرن العشرين، فقد شُيد كقصر في عام 1905م كمقر ريفي للمصرفي الفرنسي الشهير رافييل سوارس، ثم انتقلت ملكيته بعدها إلى أحد أمراء أسرة محمد علي وهو الأمير عمر طوسون..

والذي باعه بدوره إلى المحامي والسياسي المصري الصاعد وقتها محمد محمود خليل؛ وتم تشييد القصر كمقر إقامة للسياسي المصري الذي يحمل اسمه عام 1915م على الطراز الفرنسي.

والقصر مكون من 4 طوابق، وتبلغ مساحته 1400 متر مربع وتحيطه حديقة تبلغ مساحتها نحو 2400 متر مربع، بمساحة إجمالية 8 آلاف متر مربع على النيل في شارع الجيزة، وهو تحفة معمارية وله حديقة رائعة، والذي أصبح متحفًا عامرًا بالمقتنيات الثمينة منذ بداية القرن العشرين.

ويحكى أن أول مقتنيات الثمينة في المتحف كان عن إميلين زوجة خليل في عام 1903م حينما اشترت لوحة للفنان الفرنسي الشهير رينوار "ذات ربطة العنق من التل الأبيض" بمبلغ 400 جنيه..

واعتبر مبلغًا ضخمًا آنذاك، وتقدر اليوم بما يزيد عم خمسون مليون دولار، وهي لوحة ذات حجم متوسط مرسومة بالألوان الزيتية على القماش، تمثل اللوحة سيدة شابة ترتدي ربطة عنق من التُل الأبيض يشوب وجهها الحمرة.

ثم تعددت مقتنيات خليل، وساعده في ذلك اندلاع الحربين العالميتين واضطراب حركة السوق الفنية في أوروبا، ما مكنه من اقتناء عديد الأعمال الفنية لفنانين بارزين بأسعار زهيدة..

واستمر خليل في اقتناء اللوحات لكبار الفنانين حتى أصبح المتحف يحوي 403 لوحات و42 تمثالًا من أعمال 143 فنانًا، ومجموعة من الكتب النادرة، بلغت 2794 كتاب منها 400 كتاب باللغة الفرنسية.

ويضم المتحف مجموعات من أعمال جوجان وفان جوخ ورينوار وجان باتيست ومونيه وألفريد سيسلي وبودان ولاتور فانتان وديجا وديلاكروا، ومن المثالين عدد كبير من تماثيل النحات الفرنسي الأشهر رودان منها تمثال «المفكر» الشهير..

بالإضافة إلى ذلك هناك عدد كبير من الفازات القيمة الأثرية التي لا تقدر بثمن، من فرنسا وتركيا وإيران والصين وغيرها، وعدد كبير من اللوحات الصغيرة والمنمنمات والسجاد والجوبلان والنجف النادر الأثري وكتالوجات الفن المرسومة باليد.

ومن بين مقتنياته مثلاً توجد خمس لوحات لرائد الانطباعية الفرنسي كلود مونيه، وثلاث لوحات لغوغان، بينها لوحة "الحياة والموت" وهي واحدة من أشهر أعماله..

وتوجد أيضاً خمسة أعمال للنحات الفرنسي الشهير أوغست رودان، بينها تمثال للكاتب الفرنسي المعروف بلزاك، وثمة مجموعة من اللوحات الهامة لكل من سيوران وبيسارو.

تعرّضت أغلى لوحة في المتحف للسرقة ثلاث مرات، وهي لوحة زهرة الخشخاش الشهيرة للفنان الأشهر فان جوخ، والتي يقدّر ثمنها بمئات الملايين من الدولارات، في المرة الأولى أخذها طالب بكلية الفنون عام 1960م في فترة تحويل القصر إلى متحف، ولكنه أعادها مرة أخرى..

والمرة الثانية سرقت نفس اللوحة أثناء هجرتها إلى قصر عمرو باشا بالزمالك، لكنها أعيدت مرة أخرى.

وفي المرّة الأخيرة كانت في 21 أغسطس عام 2010م حين اختفت اللوحة من المتحف وأحدث ذلك دويًا عالميًا، ولم يعثر على اللوحة مرّة أخرى..

وتمّت تحقيقات موسعة ومحاكمات وأغلق المتحف لأكثر من 10 سنوات، حتى يتمّ إعادة تجهيزه بأجهزة أمان إلى أن افتتحته الوزيرة الدكتورة إيناس عبد الدايم في إبريل 2021م.

زراعة عين شمس ودورات تدريبيى فى مجال المطارات والنقل الجوى كاتب ذو اكثر من مائة مقال فى مجلات الطيران العربى والطيران المدنى السعودى والقوات الجوية الاماراتية والنقل والمواصلات السعودية ودنيا الطيران المصرية والاهرام الاقتصادى والسياحة والطيران ... ومنذ عام 2012 مهتم بالأنسانيات وله عدد من المقالات تتعلق بالنماذج الانسانية والوان الفنون والاداب والجمال

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

زراعة عين شمس ودورات تدريبيى فى مجال المطارات والنقل الجوى كاتب ذو اكثر من مائة مقال فى مجلات الطيران العربى والطيران المدنى السعودى والقوات الجوية الاماراتية والنقل والمواصلات السعودية ودنيا الطيران المصرية والاهرام الاقتصادى والسياحة والطيران ... ومنذ عام 2012 مهتم بالأنسانيات وله عدد من المقالات تتعلق بالنماذج الانسانية والوان الفنون والاداب والجمال