محمد قرماد: عبقري الخط المغربي وسر البصمة البصرية للتلفزيون والدرهم

في أمسيات السبعينيات والثمانينيات، أضاءت شاشة القناة الأولى للتلفزيون المغربي بيوت المغاربة بخطوط سلسة مدورة تحمل توقيع محمد قرماد، المعلم الأكبر. وبصفتي متابعًا من جيل الستينيات الذي شهد هيمنتها حتى نهاية الثمانينيات قبل إطلاق «دوزيم»، القناة الثانية عام 1989، كانت هذه الخطوط بصمة بارزة في كل نشرة إخبارية، أو برنامج ثقافي، أو سهرة فنية، رمزت إلى الوحدة الوطنية و«التمغربيت»، مُجسِّدةً فنًا يوميًا يربط التراث الإسلامي بالحداثة التصميمية، في سياق بناء الدولة المغربية الحديثة بعد الاستقلال عام 1956.

محمد قرماد ليس خطاطًا عاديًا، بل معمارًا ثقافيًا يستحق إعادة اكتشاف إرثه الجلي، ليُعترف به كرمز حي يجسد تطور الفنون البصرية في المغرب. هذه المقالة تُعيد قراءة مسيرته من منظور أكاديمي، مستندة إلى سياقات تاريخية وثقافية، لتؤكد دوره في تحديث الخط العربي المغربي كأداة للهوية الوطنية.

يُعد محمد قرماد رائد تحديث الخط المغربي السلاسي، إذ صمّم خطوط التلفزيون المغربي في السبعينيات وكتب العبارات الخطية على العملة الوطنية منذ عام 1977، جامعًا بين التراث الإسلامي والتصميم الحديث.

النشأة: من جذور جبلية إلى أكاديمية عالمية

ولد محمد قرماد عام 1950 في قرية ولماس الجبلية بريف المغرب، وقد نشأ في بيئة تقليدية غنية بالفنون الشعبية. حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة على يد خطاطين ريفيين، وهو ما أرسى أساسًا روحيًا لفنه، مستلهمًا من الخطوط الكوفية والمغربية التقليدية التي تُستخدم في المساجد والزخارف الإسلامية.

ولد محمد قرماد عام 1950 في قرية ولماس الجبلية بريف المغرب

وقد شكّل هذا التكوين الأولي، الذي يعكس تأثير المدارس القرآنية في الريف، حساسيته تجاه الانسيابية والتوازن، بعيدًا عن الصرامة الحضرية لبعض الخطوط الكلاسيكية.

في عامي 1967 – 1969، التحق بالأكاديمية الملكية العليا للفنون الجميلة في بلجيكا، وفيها تعلَّم تقنيات الغرافيك الديجيتال المبكر والجينيريك الحديث. عاد إلى المغرب مجهزًا بأدوات تجمع التراث الإسلامي بالتصميم الغربي، ليصبح رائدًا في تحديث «الخط المغربي السلاسي»، ذلك الخط ذو الاستدارة والانسيابية، المستوحى من النسخ والثلث، لكنه مُكيف للوسائط الإعلامية والطباعة النقدية. هذا الاندماج يعكس سياق السبعينيات المغربية، إذ سعى الفنانون إلى بناء هوية وطنية هجينة بعد الاستعمار.

الهيمنة التلفزيونية: بصمة خالدة على القناة الأولى

مع إطلاق التلفزيون المغربي عام 1962 (البث بالأبيض والأسود حتى عام 1980)، دُعي قرماد رسميًا عامي 1969 – 1970 للانضمام كأول خطاط تلفزيوني في تاريخ المغرب. صمَّم خطوط الديكورات والجنيريكات للنشرات الإخبارية اليومية مثل نشرة الساعة 20:00، وبرنامج «فواكه للإهداء» الثقافي، والسهرات الفنية كـ«الليلة الطويلة»، والمسرحيات التلفزيونية. حوَّل الشاشة إلى لوحة فنية يومية، حتى ملأت خطوطه المدورة الفراغ بسلاسة تجسِّد الهوية المغربية – مزيج من الزخارف الأندلسية والحداثة البصرية.

في عصر كان التلفزيون أداة بناء وطني تحت قيادة الحسن الثاني، استمرت هيمنة قرماد طوال السبعينيات والثمانينيات، قبل انتقال بعض الإنتاج إلى القناة الثانية. أصبحت بصمته ذكرى جماعية تعزز الشعور بالانتماء لأجيال كاملة، وتُقارن بتأثير التصميمات التلفزيونية في دول أخرى مثل مصر، مثل خطوط رمضان الأحمدي.

الإرث النقدي: خطاط الدرهم المغربي وأمن الهوية

لم تقتصر عبقريته على الشاشة؛ ففي عام 1977 دعاه بنك المغرب لتصميم خطوط العملة الوطنية بكل فئاتها من 1 إلى 200 درهم، خاصة 5 و10 دراهم. خطَّ بخطه اليدوي العبارة الزجرية: «كل من حرف أوراق البنك أو زورها… سيعاقب طبقًا للقوانين»، مدمجًا زخارف إسلامية تقليدية مع حروف مدورة لتعزيز الأمان والجمال. وحوَّلت تصاميمه في دار السكة إلى برامج إلكترونية دقيقة، وأثرت على النسخ الرقمية حتى اليوم، مثل الدرهم الرقمي الحديث.

في عام 1977 دعا بنك المغرب محمد قرماد لتصميم خطوط العملة الوطنية

يُعد هذا الإرث مثالًا عالميًا للخط العربي في الطباعة النقدية، مقارنةً بتصاميم العملات التركية أو الإيرانية، إذ يجمع قرماد بين الجماليات والوظيفة الأمنية، الأمر الذي يعكس دوره في تعزيز الثقة الوطنية بالعملة.

الإشراق الدولي: سفير الخط المغربي عبر الحدود

امتد تأثير عملاق الخط المغربي محمد قرماد خارجيًا:

  • في بكين، الصين، عام 2008 شارك بلوحة خطية مشتركة طولها 100 متر في الملتقى العالمي لاتحاد الخطاطين، حاصلاً على جائزة شرفية.
  • في تشيلي، سانتياغو وبينا ديل مار، عام 2009 أبهر معرضًا مستوحى من القرآن بدعم سفارة المغرب.
  • عرض أعمالًا في باريس (صور 3D رقمية).
  • ناربون، فرنسا (جائزة ذهبية).
  • مكسيكو، بلجيكا، والعراق (دورات تدريبية)، مقدِّمًا الخط المغربي كهجين يجمع الأصالة بالحداثة.

وقد عززت هذه المشاركات صورة المغرب كمركز فني إسلامي حديث.

الجوائز والتكريمات: اعتراف ملكي وعالمي

تُكَرَّم إنجازاته بجائزة محمد السادس لفن الخط المغربي (9 مارس 2009)، سلَّمها الملك شخصيًا، والجائزة الشرفية في بكين، والجائزة الذهبية من ناربون كأول فائز مغربي. ترأس الجمعية المغربية للخط العربي والزخرفة، ويشارك في معارض الرباط الأخيرة (مارس 2026)، مُبْهِرًا الزوار بلوحات تحاكي الأندلس ومساجد مراكش.

المقارنة والتأثير: من الكلاسيكي إلى الرقمي الهجين

استلهم قرماد ابن مقلة (الثلث، نسب دقيقة)، وابن البواب (النسخ، توازن)، ويـاقوت المستعصمي (الريحان)، لكنه حوَّلها إلى خط مغربي مرن باستدارة حروفه. بينما يلتزم الكلاسيكيون بالقواعد النقطية الصارمة، أدخل قرماد الـ3D والغرافيك، مؤثِّرًا في التصميم الرقمي ومُلهمًا خطاطين شبابًا مثل محمد الشرقاوي لخطوط هجينة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. هذا التطور يُقارن بتحديث الخط في الخليج، لكنه أكثر تمغربيتًا.

أخر أعمال الخطاط محمد قرماد

دعوة وطنية عاجلة للحفاظ على إرث حي

محمد قرماد معدن نفيس من جيل الستينيات، ما زال حيًا في السبعينيات من عمره، ويقيم معرض «سلاسة التراث» حاليًا بقاعة الثقافة بالرباط (مارس 2026)، مُبْهِرًا الزوار بلوحات تحاكي عبق الأندلس ومساجد مراكش. إرثه يمتدُّ من شاشة القناة الأولى إلى جيوبنا عبر الدرهم.

في عصر الرقمنة الذي تُهدِّد فيه الخطوط اللاتينية والذكاء الاصطناعي بالتراث، يصبح الاهتمام به أمرًا عاجلًا ووطنيًا، ويجب منحه تكريمًا رسميًا، وإصدار كتاب يوثِّق مخطوطاته، وتنظيم معرض دائم، وورش عمل بإشرافه، وربما إصدار فيلم وثائقي على «القناة الأولى»، أو طابع بريدي بخطه.

شكرًا لك يا معلم محمد قرماد على عطائك الذي يُضيء تاريخنا، ولكل قارئ يشارك في هذا العرفان. هذا حاضر ينتظر الاحتفاء الوطني ليبقى إرثًا أبديًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة