محمد العدناني.. شاعر الألم والثورة وفارس المقاومة النبيل

إذا لم تكن سمعت من قبل عن محمد خورشيد العدناني أحد رموز الكتابة العربية في القرن الـ20، وأحد الكُتاب الكبار في المدرسة الواقعية، وأديب فلسطين الرائع الذي كتب الشعر والقصة والنقد، إضافة إلى كونه أحد علماء اللغة؛ فأنت تحتاج إلى أن تقرأ عن هذا المبدع الكبير، لتتعرَّف إلى عالم شديد التفرد والخصوصية لا يقل أبدًا عن تجربة الشعراء أصحاب الأسماء اللامعة في مشهد الإبداع العربي منذ بداية القرن الـ20 حتى الآن.

وفي هذا المقال نصحبك في جولة سريعة وممتعة وثرية في عالم محمد العدناني الشاعر الفلسطيني الكبير في السطور التالية.

اقرأ أيضًا عاطف الفراية صوت الألم والعذوبة في الشعر الأردني

مولد محمد العدناني والنشأة

وُلِد الشاعر الفلسطيني والعالم اللغوي الكبير محمد فريد عبد الله خورشيد العدناني يوم 26 مارس عام 1903 في مدينة جنين في فلسطين، وكان والده حاكمًا لجنين في عهد الدولة العثمانية؛ ما جعله كثير التنقل بين الأمكنة التي يتولى الإشراف عليها، فقد تنقل محمد العدناني بين مدارس دمشق وغزة وطولكرم في أثناء تعليمه الابتدائي والإعدادي، حتى انتهى من دراسته الثانوية في إحدى مدارس الفنون في مدينة صيدا عام 1920.

كان حُلم الأسرة أن يتعلم الفتى مهنة الطب، وهو ما أدَّى إلى دخول محمد العدناني إلى الجامعة الأمريكية لدراسة الطب، وقضى بها نحو أربع سنوات، لكن حدث أمر في تلك المرحلة، وغيَّر كثيرًا من مسار الفتى الذي يكتب الشعر والقصة؛ فكان أحمد شوقي أمير الشعراء في زيارة إلى لبنان، وفي أثناء اجتماعه بمجموعة من الأدباء الكبار وشباب المنطقة تصادف وجود محمد العدناني بين هؤلاء الشباب، وشاءت الظروف أن يقرأ محمد العدناني بعضًا من شعره، وهو ما أعجب أحمد شوقي كثيرًا، فمدحه وأطرى عليه، وقال له: (أستحلفك يا محمد أن تدرس الأدب بدلًا من الطب)، وهو ما استجاب له محمد العدناني، فقطع دراسة الطب واتجه إلى دراسة الأدب العربي في الجامعة الأمريكية.

حياة محمد العدناني

بدأت حياة الشاب الموهوب بعد تخرجه عام 1927، وبعد حصوله على شهادة في الأدب من الجامعة الأمريكية، وكذلك بعد تغيير اسمه من محمد فريد عبد الله خورشيد إلى محمد العدناني، إذ كان يعد أن اسم خورشيد ليس بعربي، وهو الاسم الذي عرف به بعد ذلك، فصار الناس ينادونه محمد العدناني، فعمل في التدريس في دار المعلمين في بغداد، ثم عاد مرة أخرى إلى فلسطين عام 1931، فكانت القوات الإنجليزية تعتقله كثيرًا؛ نظرًا لأنه يحرض الطلاب في العراق على القيام بمظاهرات ضد الاحتلال.

كان العدناني كثير السفر والترحال فكانت محطاته كثيرة، لكن أحد أهم محطات الشاعر الكبير محمد العدناني في عام 1931، حينما عُيِّن مُدرسًا للأدب في كلية النجاح خلفًا لشاعر فلسطين الكبير إبراهيم طوقان، لكن الأمر لم يستمر طويلًا؛ فغادر نابلس بعدها بعامين إلى القدس ليعمل في الكلية الرشيدية حتى عام 1942، وهي المرحلة المملوءة بالأحداث الساخنة؛ إذ اعتقلته سلطات الاحتلال البريطاني أكثر من مرة، ووضعته في المعتقلات والسجون، لكنه كان دائم الكتابة والإبداع وكأن الكتابة هي طريقته في الحياة والثورة.

نُفِي المبدع الكبير محمد العدناني عام 1942 إلى يافا، وأصبح تحت الإقامة الجبرية حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فعمل في إحدى المدارس في هذه المرحلة، وفي أثناء النكبة عام 1948 كان محمد العدناني نزيلًا في أحد المستشفيات التي هاجمتها العصابات الصهيونية، فغادر مع المرضى والمصابين، ووصل إلى مدينة الزرقاء في الأردن، ثم رحل بعدها إلى سوريا، حيث عمل في جامعة دمشق وفي دار المعلمين، ثم حط الرحال في حلب شمال سوريا.

كانت حلب محطة مهمة جدًّا في حياة العلامة اللغوي والشاعر الكبير محمد العدناني، إذ ذاعت شهرته في الأوساط الثقافية، وبدأ يُشارك في المحافل والمناسبات الأدبية، فبدأ الناس يسمعون شعره، ويعرفون قدره، ويتناقلون أخباره، وينتظرون قصائده في المناسبات الوطنية، فقد كانت تلهب المشاعر وتفجر الحنين إلى فلسطين وتشعل الغضب ضد الاحتلال.

عاش محمد العدناني في حلب حتى تقاعده عن العمل في عام 1964، ثم سافر إلى لبنان ليعمل مديرًا لكلية المقاصد في صيدا، وفي مطلع 1968 انتقل إلى بيروت وتفرَّغ تفرغًا شبه كامل للكتابة الأدبية، وبقي هناك حتى وافته المنية، ويُذكر أنه تولَّى عددًا من المناصب قبل وفاته، فكان رئيس جمعية بالعروة الوثقى، وكان عضوًا شرفيًّا في مجمع اللغة العربية في الأردن.

اقرأ أيضًا حيدر محمود بين ثورة الشعر ودبلوماسية السياسة

أدب محمد العدناني

يُمكننا الحديث عن أدب محمد العدناني بأكثر من طريقة، فهو يكتب الشعر العربي الكلاسيكي التقليدي، بل ويُدافع أيضًا عن هذا الشكل، ويؤسس نصه الشعري على لغة عربية متينة وقوية، وكان شعره أقرب إلى الشعر التحريضي والثوري ضد الاحتلال البريطاني والحركة الصهيونية؛ نظرًا لكونه قد عاصر النكبة وما بعدها من حروب بين العرب وإسرائيل؛ لذا فإن محمد العدناني يُعدُّ من شعراء الكتابة الواقعية في الشعر الفلسطيني، إضافة إلى كونه قاصٌ وباحثٌ مميزٌ وناقدٌ صاحب رؤية ثاقبة، كل ذلك بخلاف كونه عالمًا لغويًّا كبيرًا.

مع أنَّ أدب محمد العدناني كان يرتكز على القضية الفلسطينية، فإنه أيضًا كان يكتب الغزل والرثاء والحنين، وكان يهتم كثيرًا بالمناسبات الاجتماعية والوطنية؛ لذا فإن أدب محمد العدناني يرتبط كثيرًا بسياقه الزمني والجغرافي وبجماليات الكتابة في تلك المرحلة التي كانت تعتمد كثيرًا على الموسيقى وقوة المفردة الشعرية، ولم يكن الشاعر يعتني كثيرًا بأغراض الشعر الحديث.

أكثر ما يُميِّز كتابة الشاعر الكبير محمد العدناني هي قدرته الرائعة على مزج العاطفة بالأسلوب الفخيم بالموضوعات التي يتناولها، وهي خلطة صعبة على كثير من الكتاب الذين يطغى عليهم المكون الشعري، لا سيما أنه شاعر وأستاذ في اللغة العربية، فقد تظن أنه سيجنح حتمًا ما إلى اللغة والمفردات، لكنك تتورط في شلال العاطفة والمشاعر، أضف على ذلك الموضوع الذي يتناوله ولا يغيب أبدًا عن الحضور في كامل النص الشعري بفخامة كبيرة، وكأنها وجبة شهية أعدها طباخ ماهر!

كان محمد العدناني أيضًا يكتب القصة وأدب الطفل، لكن معظم أعماله لم تُنشر إلا بعد موته، إذ نشر ابنه المهندس باهر العدناني أعماله الشعرية الكاملة تحت اسم (العدنانيات) في ثلاثة أجزاء، وكان محمد العدناني قد كتب مقدمات لدواوينه، ولم يعتمد على أحد من الكتاب أو الأدباء الكبار، فكان يقول دائمًا: «أريد الأدباء الأذكياء من قرائي أن يحكموا بأنفسهم على شعري».

وكان له رأي قوي في الشعر الحر وشعر النثر، فكان يقول: «إنها هدم للغة العربية وضعضعة للكيان العربي»، وهو أمر اختلف معه كثير من الكتاب والنقاد، فإن الأمر يجب أن يتعامل معه بواسطة السياق الزمني، إذ كانت اللغة العربية تُعبِّر عن هوية الأمة التي تتعرَّض لهجمات من هنا وهناك، فكان العدناني يُعدُّ نفسه أحد الفرسان المدافعين عن هذه الهوية، فكان يقول بنفسه: «أنا  أريد أن أهدي أمتي شعرًا متين البنيان مثل الحصون، ولا أرغب أن أهديها شعرًا كأكواخ اللاجئين التي لا تكاد الرياح تعطس في وجهها حتى تصبح أنقاضًا».

أعمال محمد العدناني

مع أنَّ الشاعر الكبير محمد العدناني كان يوقع على أشعاره وكتاباته باسم محمد خورشيد، فإنه بدأ التوقيع باسم محمد العدناني منذ عام 1936، وقد حصل على جائزة حرب الطيارات، وهي مسابقة في الشعر تقام بين شعراء الأردن وفلسطين، ثم حصل على درع الثورة للفنون والآداب من منظمة التحرير الفلسطينية عام 1978، ومع أنَّ المبدع الكبير محمد العدناني كان غزير الإنتاج، فإنه توجد عدد من القصائد والقصص وكتابات الأطفال لم تنشر في حياته، ومن أهم أعماله المنشورة:

في مجال الشعر:

- ديوان اللهيب عام 1954 

- ديوان ملحمة الأمومة عام 1957 

- ديوان فجر العروبة عام 1960 

- ديوان الوثوب عام 1965 

- ديوان الروض عام 1965 

مجموعة شعرية بعنوان (العدنانيات) من ثلاثة مجلدات نُشرت في عام 1984. 

أمير الشعراء شوقي

أبو بكر 

في مجال القصة:

في السرير 

أقاصيص للأطفال 

قصص عالمية للأولاد والأحداث

من المؤلفات اللغوية:

كتاب النحو البسيط

كتاب الإعراب

كتاب الروضة للمحفوظات

معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة 

معجم الأخطاء الشائعة 

مقتطفات من شعر محمد العدناني

من قصيدة لولاك:

لولاك لم يشدوا في الأضلاع لولاك    قلبي الذي لقنته الحب عيناك

تيمته فهفت ألحانه أرجا       عرفت في كل حرف منه رياك

روض من الحزن في الزندين زنبقة   والورد أطلعه للروض خداك

والجلنار بدا لي فاه مختضبا   والشهد عبته روحي من ثناياك

من قصيدة وحي العيد:

للأماني في العروق دبيب    وصباح الأمجاد منا قريب 

عجمتنا الأرزاء  دهرا    فألفت أننا لا تنال منا الخطوب 

قد دعونا الزمان حينا فلبى     والرزايا المدويات دروب 

جاءنا بالمنى وقال ردوها   ما لورد المنى لديكم نضوب 

فنقعنا بها الغليل ولما        أقبل العيد والصفاء خصيب 

هدههدتنا النعما على راحتيها  وسرى  في نفوسنا التطريب

من قصيدة فلسطين الحبيبة:

ينازعني وجدا إلى تربك القلب    ويقرع باب الصدر يلهبه الحب

وتوري حنيني لهفة عربية        فتحتدم الأشواق يعيا بها الصب 

وتورق أحلامي فيهفو إلى اللقاء    حديث ولوع ضم أشلاءه الجنب

وتنعش الذكرى فتعبق بالمنى       زاهر أحلام بها أينع اللب

وتومض آمالي في غمر مهجتي    ضياء من الإيمان بالعرب لا يخبو 

فهل أنت مثلي يا فلسطين للأسى   وللشوق والبأساء  بعد النوى  نهب 

وهل تذكرين ابنا يحبك هائما       يحطمه بعد وينقذه قرب

من قصيدة ذكرى بدر:

سلوا التاريخ عما قد فعلنا     وقد دارت رحى بدر طحونا

سحقنا الشرك فيها دون لين    ومزقنا صفوف الكافرينا 

لكل ثلاثة منهم شجاع         من الشوس الأباة المؤمنينا 

إذا شددت كماة العرب مادت   جحافل خصمهم هلعا وهونا

اقرأ أيضًا في ذكرى رحيله.. عبد الوهاب البياتي شاعر الحنين والمنافي

وفاة محمد العدناني 

توفي الشاعر والأديب والناقد الفلسطيني الكبير محمد العدناني يوم 5 أغسطس عام 1981 في مدينة بيروت، ودُفِن في مقبرة الشهداء، ليرحل الأديب واللغوي الكبير تاركًا خلفه إرثًا من النضال والكفاح والأدب والقيم النبيلة التي لا تكون إلا لفارس شجاع كافح من أجل قضية بلاده، وعاش مغتربًا وهائمًا بين المدن، ينادي باسم فلسطين وحق أهلها داخل وخارج البلاد، فسلام على روح الأديب العربي الكبير محمد العدناني.

وفي آخر هذه الجولة القصيرة في عالم محمد العدناني نرجو أن نكون قد قدَّمنا لك المتعة والإضافة، ويُسعدنا أن تُشاركنا رأيك في التعليقات ومقترحاتك عن مقالات أخرى ترغب في قراءتها على جوك.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة