محمد البساطي.. كاتب المهمشين الذي رفض جوائز الدولة

قلَّما تجد بين المبدعين والكتاب من يحافظ على ثبات موقفه سنوات طويلة، لا سيما إذا تعارض هذا الموقف مع مصالحه الشخصية، فكان الكاتب الكبير محمد البساطي هذا الشخص الذي قاطع جوائز الدولة المصرية منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد حتى قيام ثورة 25 يناير، حتى إنه رفض العلاج على نفقة الدولة في أثناء مرضه الأخير، قائلًا: "أنا أقاطع جوائز الدولة فكيف أقبل العلاج على حسابها"، فكان محمد البساطي يقاطع الظلم والاستبداد التي تمثله الأنظمة السياسية، في حين يحمل على كتفه هموم المواطن البسيط في أعماله وكتاباته.

وفي هذا المقال نتعرَّف على عالم محمد البساطي الروائي والقاص المصري العملاق الذي أطلق عليه «كاتب المهمشين».

اقرأ أيضًا نجيب محفوظ وبعد الجائزة

المولد والنشأة والوظائف

ولد محمد البساطي في الجمالية، وهي بلدة صغيرة تُطل على بحيرة المنزلة بمحافظة الدقهلية، وذلك يوم 1 نوفمبر عام 1937.

تدرج في التعليم حتى حصل على بكالوريوس التجارة عام 1960، وعمل في الجهاز المركزي للمحاسبات حتى وصل إلى منصب مدير عام للجهاز، لكنه ترك الوظيفة وتفرَّغ للأدب، وتولى عدة مهام في سلاسل الهيئة العامة لقصور الثقافة المعنية بالنشر والكتابة، حتى عُيِّن رئيسًا لتحرير سلسلة أصوات الأدبية المسؤولة عن النشر للكتاب والأدباء المصريين من جميع أقاليم مصر، وهي سلسلة تابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة وتصدر في القاهرة.

مع أن محمد البساطي انغمس في الحياة الأدبية والمجتمع الأدبي بسرعة بعد حصوله على شهادة بكالوريوس التجارة، وحصل على أول جائزة له في حياته من نادي القصة بمصر، وهو أحد النوادي العملاقة ذات التاريخ الكبير التي يشارك في فعالياته كبار أدباء مصر، وحصل محمد البساطي على جائزة النادي عام 1962، فإن محمد البساطي عُرِف بمقاطعته لجوائز الدولة بعد معاهدة كامب ديفيد عام 1979، ورفضه للموقف الرسمي المصري، وهو ما جعله يرفض كل التقديرات و التكريمات التي تمنحها له الجهات الحكومية على مدار أكثر من 30 عامًا، حتى حصل على جائزة الدولة التقديرية بعد قيام ثورة يناير وسقوط نظام الرئيس حسني مبارك، وبعد أن أصبح محمد البساطي على بعد خطوات من موته في عام 2012.

ومع أن محمد البساطي كان مُعارضًا بآرائه وأفكاره للأنظمة المختلفة، وكان منحازًا إلى اليسار بوضوح، فإنه لم يحاول أبدًا اتخاذ المواقف التي تصنع الضجيج وتُشير إليه وتروج لكتاباته أو تكسبه قيمة إضافية كما يفعل بعض المعارضين، لا سيما مع الدور الكبير الذي تمثله وسائل الإعلام في الانتشار والتأثير، وإنما كان محمد البساطي يعتمد على قوة نصه المكتوب، ويقف على حدود العالم هادئًا وواثقًا بنفسه، ورافعًا رأسه بكل تواضع وثقة وصدق أثبتته المواقف على مدار السنوات.

اقرأ أيضًا غسان كنفاني.. الكاتب المناضل والأديب الثائر

أدب محمد البساطي

يُعدُّ محمد البساطي من أهم الكتاب المصريين المعاصرين، فهو قاص وروائي عملاق، تنوع إنتاجه بين الرواية والقصة القصيرة، وتميَّزت أعماله بأنها تتحد مع الواقع المصري، وتتبنى قضايا المهمشين، وتتسم بالبساطة في الطرح والعمق الشديد في الرؤية، وهو ما جعلهم يطلقون عليه «كاتب المهمشين»، فكان أبطال رواياته وقصصه دائمًا من الأشخاص البسطاء الذين لا يشغلهم أبدًا التغيرات الكبيرة في السلطة أو التطورات الاجتماعية والسياسية، وإنما كانت تفاصيلهم الخاصة هي مصادر إنتاج الجمال والفن عند محمد البساطي.

يقول الناقد صبري حافظ في حديثه عن محمد البساطي: إن قصصه تتسم بالتكثيف والتركيز الشديد، فتبدو للقارئ وكأنها قصة قصيرة بالغة القصر، فقد لا يزيد طول الواحدة منها عن ثلاث صفحات على الأكثر، لكن هذا القصر يحمل في طياته عددًا من التفاصيل والسطور التي يمكن قراءتها بالوعي والربط، إذ يعتمد محمد البساطي على الحذف ولا يميل إلى الاسترسال والإطناب في كتاباته؛ ما يجعل لها طعمًا ومذاق خاصًّا بين كتاب عصره.

ولعلَّ كثافة الأعمال وقصرها عند محمد البساطي جعلها تميل إلى التصوير والشاعرية، فقد تعتقد وأنت تقرأ إحدى قصص محمد البساطي أنك لا تتابع حدثًا كبيرًا أو تطورات في واقع القصة، لكن الأمر يحتاج إلى بعض التأمل وربط الخيوط، لتدرك أيها القارئ أنك في وسط حكاية عامرة بالأحداث والرؤى والإيحاءات، فيعتمد الكاتب الكبير على شبكة من العلاقات التي تربط اللحظات والجزئيات البسيطة والصغيرة، لتصنع نسيجًا هائلًا على مستوى الأحداث والرموز والدلالات، وبذلك فإن قراءة نصوص محمد البساطي تحتاج إلى بعض الانتباه والوعي للحصول على كامل المتعة.

يمكننا أن نقول إن الكاتب محمد البساطي هو أحد رواد جيل الستينيات الذي تألق بوجود أسماء لامعة، مثل صنع الله إبراهيم ويحيى الطاهر عبد الله وجمال الغيطاني وإبراهيم أصلان، وهو الجيل الأبرز على مستوى كتابة القصة والرواية بين أجيال القرن الـ20 في المشهد الأدبي العربي والمصري، وبذلك فإن بروز اسم محمد البساطي وسط هذا الجيل يدل على حجم الرجل الإبداعي وقيمته الفنية في مشهد الكتابة المصرية والعربية.

ولعلَّ من أهم سمات الأديب الراحل محمد البساطي أنه لم يكن معنيًّا أبدًا بالنظريات الفلسفية والاجتماعية والسياسية، وذلك الجدل الذي انشغل به كثير من الكتاب في مناوشات السرد الكبرى، بل كان الرجل يهتم في الأساس بطبيعة الإنسان المصري والعربي، وينشغل بما يحمل من تناقضات وارتباكات وفوضى ومثالية في تركيبة الإنسان المعاصر؛ لذلك كانت كتابات محمد البساطي محاولة لتصوير هذا الواقع الإنساني، اعتمادًا على ماكينة سرد متجددة وقدرات بلاغية من العيار الثقيل وموهبة استثنائية في الحكي المتولد والمتدفق دون ثرثرة، أو إسهاب، وهو ما أكَّده محمد البساطي في حواره مع صحف المستقبل اللبناني عام 2009، إذ قال بنفسه: «أنا لا أتحمل الثرثرة في الكتابة ولا حتى في الكتب التي أقرؤوها».

يقول الكاتب الكبير جمال الغيطاني وهو يصف أدب محمد البساطي، إنه استطاع أن يؤسس لنفسه عالمًا فريدًا متميزًا، وذلك باحتفاظه برؤية العالم كطفل صغير أو طفل في طور الفتوة، وأن أكثر ما يُميِّز عالم محمد البساطي أنه غني بالبسطاء الذين يتزاحمون على ناصية الحلم والواقع، إضافة إلى الشخصيات التي لا تُنسى في قصص وروايات محمد البساطي، وهو ما يجعل واقعه دائمًا بكرًا وطازجًا للدراسات والتناولات الأدبية، فقد استطاع محمد البساطي أن يُعبِّر عن أدق الأمور بأسهل الأساليب وأصعبها في الوقت نفسه، وهو ما يحتاج إلى قارئ صاحب وعي ودراية للتعامل مع نصوص محمد البساطي.

وبذلك فإن ملامح أدب محمد البساطي تتضح لنا عند قراءة أعماله المختلفة وسماع آراء النقاد الكبار التي تُشير كلها إلى اهتمام محمد البساطي بتفاصيل المهمشين والبسطاء، وابتعاده عن الجدليات الفلسفية والنظريات السياسية والاجتماعية، والتحرك داخل أعماله بطفولة شديدة على مستوى العين التي تصف وترى الأحداث، لكنه يستخدم أدواته الذاتية التي طورها مع كثير من الوعي والموهبة، ليقدم منتجًا مكثفًا ومركزًا وقصيرًا على مستوى المساحة السردية، ولكنه يحمل كثيرًا من التفاصيل واللقطات واللحظات التي تحتاج إلى ربطها للحصول على المشهد والصورة التي يسعى إليها محمد البساطي، وهو ما يجعله مختلفًا ومميزًا في رؤيته وطرحه شكلًا ومضمونًا.

اقرأ أيضًا محمد حافظ رجب: الأديب الصارخ الذي صمت طويلاً ومات أخيراً

جوائز محمد البساطي

مع أن الأديب الكبير كان مقاطعًا لجوائز الدولة في ذلك الوقت، منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد حتى قيام ثورة 25 يناير، لكننا نرصد بعض الجوائز التي حصل عليها:

  • الجائزة الأولى في القصة التي حصل عليها من نادي القصة بالقاهرة عام 1962.
  • جائزة أفضل رواية في معرض القاهرة للكتاب عام 1994 عن روايته صخب في البحيرة.
  • جائزة مؤسسة سلطان العويس في الرواية عام 2001.
  • جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2012.
  • جائزة ساويرس الأدبية عام 2009.

أعمال محمد البساطي

يُعدُّ الأديب محمد البساطي من الأدباء الذين يتمتعون بإنتاج غزير، إذ أصدر 14 رواية، إضافة إلى مجموعاته القصصية العديدة، ويُذكر أن عددًا من أعماله تُرجمت إلى لغات عدة، منها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية، ومن أهم هذه الأعمال:

الأعمال الروائية

  • التاجر والنقاش 1976.
  • المقهى الزجاجي 1978.
  • الأيام الصعبة 1978.
  • بيوت وراء الأشجار 1993.
  • صخب البحيرة 1994.
  • أصوات الليل 1998.
  • ويأتي القطار 1999.
  • ليال أخرى 2000.
  • فردوس 2002.
  • أوراق العائلة 2003.
  • الخالدية 2004.
  • دق الطبول 2005.
  • جوع 2007.
  • أسوار 2008.
  • وسريرهما أخضر 2011.
  • رجال ونساء 2012.

المجموعات القصصية

  • الكبار والصغار 1968.
  • حديث من الطابق الثالث 1970.
  • أحلام رجال قصار العمر 1979.
  • هذا ما كان 1987.
  • منحنى النهر 1990.
  • ضوء ضعيف لا يكشف شيئًا 1993.
  • ساعة مغرب 1996.
  • محابيس 2002.
  • الشرطي يلهو قليلًا 2003.
  • مختارات من القصة القصيرة 2004
  • حكايات لرجل فوق السطح 2007
  • نوافذ صغيرة 2009
  • أضواء على الشاطئ 2011.
  • وجلبابها مشجر 2012.

وفاة محمد البساطي

توفي الأديب الكبير محمد البساطي في يوم 14 يوليو عن 2012 بعد صراع طويل مع مرض سرطان الكبد، وعلى الرغم من محاولات كثيرة من الأدباء والمقربين والمسؤولين في الدولة المصرية لإقناعه بقبول العلاج على حساب الدولة، فإن الأديب الكبير ظل على موقفه حتى النهاية، فقد كان موقفه ضد الأنظمة المستبدة، فقال قولته الشهيرة: «أنا أرفض جوائزهم فكيف أقبل العلاج بأموالهم»، حتى فاضت روحه بعد شهور قليلة من قيام ثورة يناير، التي قبل على إثرها الحصول على جائزة الدولة التقديرية قبل أن يودع عالمنا، تاركًا خلفه جبالًا من الأعمال الأدبية، وتاريخًا من المواقف الشخصية الصادقة والنقية، التي تصلح للتدريس للأجيال القادمة.

وفي الأخير نرجو أن تكون جولتنا في حياة وأدب وأعمال الروائي المصري محمد البساطي، قد قدَّمت لك المتعة والإضافة، ويسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، وكذلك مقترحاتك عن مقالات أخرى ترغب في قراءتها على جوك.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة