محكمة رقم 1

في نهاية يوم عمل طويل ألقيت بجسد منهك على مقعد قطار لندني كان لحسن حظي جديد ومن طراز حديث ومزوّد بالإضافة إلى تقنيات اخرى بفيشات كهربائية مثبتة تحت كل مقعد مخصصة لشحن الهواتف النقالة فاخرجت في الحال هاتفي الذي كان هو الآخر منهكا ومتعبا وقد خفتت أضواء شاشته وشارفت على الإظلام التام واوصلته بمصدر الطاقة لتدب فيه الحياة وأشرع بدوري في تفقد ما فاتني من رسائل ومكالمات ... 
في مقدمة الرسائل وعلى تطبيق الماسنجر قرأت كلمات لطفية جاءت كنسمة خفيفة من ارض الوطن من طرابلس عروس البحر وموطن الاهل والاصدقاء والاحباب في شكل دعوة كريمة من رئيس تحرير صحيفة العدالة يدعوني فيها للكتابة على صفحات هذه الصحيفة ويمنحني مشكورا هذه الفرصة الجميلة لان اتواصل معكم ايها القراء الاعزاء عبر رسائلي المغتربة التي ارجو ان تكون هذه اولها وان يكون من بعدها تواصل للتراسل والتواصل ... 
قمت في الحال بواجب الشكر والامتنان لهذه الدعوة الكريمة من صحفية العدالة، وبعدها وبدون تكلف او تردد وبكل تلقائية وجدت نفسي انقر الحروف على شاشة الهاتف واكتب لكم رسالة البداية لتاتي هي الاخرى منسجمة من حيث موضوعها مع روح العدالة ... 
خبرتي الشخصية في دخول قاعات المحاكم وساحات العدالة اعترف بأنها محدودة جدا فلم يتم بحمد الله إستدعائي للمحاكم او جرجرتي اليها ابدا لكنني دخلتها مختارا في حياتي مرتين ... كانت الاولى في تسعينات القرن الماضي عندما اخترت أن أقف بين يدي "سيدي القاضي" في قاعة محكمة يفرن الإبتدائية وكان صديقا وزميل دراسة قمت بزيارة مجاملة له في مكان عمله بعيد الدوام الرسمي ... 
اما الثانية وهي موضوع رسالتي المغتربة هذه فكانت في مدينة لندن منذ خمس سنوات عندما شرعت ذات صباح في قراءة رسائلي البريدية المعتادة لأجد بينها رسالة من إدارة القضاء الانجليزي تتعلق بإستدعائي الى المحكمة دون جريرة مني واصل الحكاية ان نظام القضاء الانجليزي يعتمد في احد أركانه على ما يعرف بالمحلفين وهم مجموعة اناس عاديين يتم اختيارهم بشكل عشوائي من واقع سجلات المقيمين في إنجلترا ويلزمهم القانون بحضور جلسات المحكمة والاستماع الى مداولاتها والاطلاع على تفاصيلها والتداول بينهم بخصوصها ثم اتخاذ القرار بتبرئة المتهم او إدانته وتسليم قرارهم للقاضي ليقوم بدوره وفي ضوء ما توفر لديه من أدلة القرائن إضافية بإصدار الحكم النهائي في القضية ... 
لم تكن لي طبعا اية معرفة سابقة بهذه الأمور فشرعت اقرأ عنها وفهمت انه ينبغي عليّ تعبئة النموذج الذي جاءني في الرسالة وإعادة ارساله الى ادارة القضاء ثم إنتظار الرد فإن رأت الإدارة المختصة انني الرجل المناسب لأكون محلفاّ فستقوم بإعلامي بذلك في بحر اسبوعين وستعلمني بمكان المحكمة التي يتعين علي حضور جلساتها ... 
كنت اتمنى ان لا توافق إدارة القضاء على إختياري العشوائي الذي قام به جهاز الكمبيوتر عديم الذوق وان لا تتم جرجرتي الى المحاكم كما يقول إخوتنا المصريون لكن المسؤلين الإنجليز في إدارة القضاء كان رأيهم مختلفا فبعد حوالى عشرة أيام جأتني رسالة تؤكد إستدعائي لان اكون عضوا في هيئة المحلفين ليس في المحكمة الابتدائية القريبة من مكان سكناي كما كنت اتوقع وأتمنى، بل في أكبر وأشهر واقدم مجمع للمحاكم في بريطانيا وهو محكمة الجنايات المركزية والمشهور بإسم "محاكم أولد بيلي" نسبة للشارع الذي يقع به في قلب مدينة لندن، وكنت قد سمعت عن هذه المحاكم أول مرة ربما عندما قرأت رواية تشارلز ديكنز الشهيرة بين مدينتين في يوم ربيعي مشمس من ايام طرابلس الغرب وسمعت عنها بعد ذلك مرارا وتكرارا في نشرات الاخبار وعلى صفحات الجرائد وهي تنقل تفاصيل أصعب واعقد واشهر المعارك القضائية في بريطانيا ... 

في اليوم المحدد لبدء مداولات القضية دخلت عبر إجراءات أمنية مشددة إلى داخل المبنى الفسيح الذي يمتد على طول شارع أولد بيلي ويحتوي على ثمانية عشرة قاعة محكمة يختص أغلبها في مرافعات قضايا صعبة وخطيرة من قتل واغتصاب وإرهاب وفساد مالي ... الخ 
كان المبنى من الداخل فخماً ومهيباً وفسيحاً ولكي لا أتوه في ممراته ودهاليزه قررت ان استعمل المصعد الى الدور الثالث حيث توجد قاعة إستقبال المحلفين الذين قد اصبحت منهم فضعطت على الزر وانتظرت قليلا وعندما فتح المصعد ابوابه وجدته مكتظا بالمحامين والقضاة وهم يرتدون ارديتهم السوداء ذات الحواشي المذهبة وشعورهم المستعارة البيضاء الطويلة التي لم ارى مثلها الا في الافلام السينمائية او محاكمات المسلسلات البوليسية التي تجسد بعض شخصيات روايات اغاتا كريستي. 

جلست في صالة كبيرة تكتظ بالمحلفين والمحلفات وتتوفر فيها أسباب الراحة فالإقامة هنا قد تطول او تقصر بحسب نوع القضية وتعقيداتها وهذا أمر ربما سأعرفه من القاضي بعد قليل عندما يتم إستدعائي لدخول إحدى قاعات المحاكمة الثمانية عشر ... 

كنت أرشف فنجان قهوتي الاول عندما نادى المنادي على خمسة عشر إسما كنت من بينهم وطلب منا ان نتبعه عبر ممر قصير يفضي إلى قاعة فخمة مزدانة بنقوشها البديعة وسقفها العالي مطعم بالخشب المنقوش بالرسوم الجميلة والحروف اللاتينية القديمة وكنا نسير عبر القاعة الفسيحة في إتجاه باب خشبي ضخم عندما أعلن مرافقنا ودليلنا اننا في طريقنا إلى قاعة المحكمة رقم واحد ... 

صدمتني المفاجاة وغمرتني مشاعر مختلطة ومر في ذهني شريط لقصص واخبار وقراءات سمعتها وقرأتها عن هذا المكان المهيب الذي تقودني اليه الاقدار ولم اتوقع انني سادخل إليه في يوم من الأيام ... 

قاعة المحكمة رقم واحد في لندن هي اشهر محكمة في العالم يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر وتم نقلها إلى مكانها الحالي في عام 1907 وفيها تمت محاكمة أعتى المجرمين والقتلة بما فيهم السيدة روث إليس وهي آخر إمرأة نفذ فيها حكم الإعدام قبل إلغائه في بريطانيا... 
دفع دليلنا الباب ودخلت قاعة المحكمة رقم 1 وجلست في المكان المخصص للمحلفين وهو عبارة عن منصة من مقاعد حشبية مرتبة في صفوف وتقع على يمين القاضي وعلى يسارها يقع قفص الاتهام حيث كان التهم يقف مطأطأ الرأس ... 
إخترت القرآن الكريم كتابي المقدس وأختار زملائي المحلفين كلٌ كتابه وادينا القسم القانونية وصرت بذلك محلفا في المحكمة الانجليزية رقم 1. 

اسبوع كامل أمضيته في الاستماع إلى مداولات القضية ومرافعات الدفاع ونكران المتهم وتناولت مع زملائي المحلفين تفاصيل القضية بالبحث والتقصي وناقشنا حيثياتها بحياد وتجرد وبعيدا عن كل المؤثرات وقمنا بواجبنا بما يمليه الضمير والقانون وسلمنا قرارنا للقاضي الذي شكرنا وأعلن عن تسريحنا وأذن لنا بالمغادرة في انتظار الحكم النهائي الذي سيصدره القاضي في وقت لاحق ... 
خرجت الى الشارع ورأسي يعج ويضج باحداث الايام السابقة وتفاصيلها المثيرة وشعرت اني مدين لجهاز الكومبيوتر الذي إختارني لخوض هذه التجربة الفريدة والمفيدة والتي جعلتني اكثر إيمانا واقتناعا بان العدل هو اساس الملك وان الدول التي لا توفر العدالة لأبناءها محكوم عليها بالفشل والسقوط في أتون الفوضى وغياهب الزوال ... 

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب