محاولة الخروج من الملل


من منّا لا ينتابه الشّعور بالملل أحيانًا؟

الملل أو الزّهق آفّة العصر الحديث الّذي نعيش فيه الآن، عندما حلّت فيه الآلة مكان الإنسان في كثير من مواقع العمل، وأصبحت ظاهرة الاستغناء عن العاملين والموظّفين منتشرة بكثرة في جميع أنحاء العالم .

هذا إلى جانب انتشار التّكنولوجيا والسّرعة، وتقدّم وسائل النّقل والطّعام السّريع، والنّظام العالميّ الموحّد، والشّركات عابرة القارّات، كلّ هذا أدّى إلى رتابة الحياة وروتينيّتها، فالآن عندما تزور أيّ مدينة كبرى في أيّ مكان في العالم سوف ترى تقريبًا نفس المحلّات والمطاعم الشّهيرة بنفس البضائع ونفس التّصميم، بل ونفس السّعر، الاختلاف الوحيد ربما سيكون في نوع عملة الشّراء وقيمتها في سوق الصرف.

في السّتينات والسّبعينات من القرن الماضي عرّف بعض الباحثين الملل بأنّه الشّعور الّذي ينتاب المرء عند أداء مهمّة تتّسم بالتّكرار، وأشارت دراسة إلى أنّ الملل قد يزيد القدرة على الانتباه والاستجابة لكلّ ما يدور حولنا.

وهذه نقطة مهمّة تعاني منها الزّوجات، مثلًا عندما يجلس الرّجل في المنزل، ولا يجد ما يفعله فإنّه ينتبه لكلّ شيء في المنزل ويبدأ بالتّدخّل في عمل الزّوجة، وينتقد كلّ شيء حتّى لو كان تافهًا، كلّ هذا بسبب الملل.

وبفعل نمط الحياة هذا انتشر الملل في كلّ مكان حتّى أصبح آفّة المجتمع المعاصر مع اختلاف ذلك من شخص لآخر، فهناك أشخاص يملّون سريعًا، وهناك أشخاص أكثر صبرًا ولا يملّون بسرعة، بل ويتغلّبون على الملل بطريقتهم الخاصّة بالغناء مثلًا أو باللّعب، ونظرًا لعدد الّذين يمارسون ألعاب الهاتف المحمول والكمبيوتر يتوضّح لنا كم يشعر عدد كبير من النّاس بالملل، ويمارسون هذه الألعاب ليل نهار؛ للقضاء على شعورهم بالملل، والمشكلة أنّ هذه الألعاب الّتي تجعل الإنسان جالسًا لفترات طويلة لا يحرّك إلّا أصابع يده مثلها مثل المُسكّن الّذي يخفّف الألم فترة ولكنه لا يعالج الألم أو المرض، فإذا ما انتهى الشّخص من اللّعب عاد إلى شعوره بالملل، بالإضافة لشعوره بالذّنب لضياع كلّ هذا الوقت بدون فائدة حقيقيّة، وقد ظهر حديثًا ما يسمّى ملل الهاتف عندما تمسك الهاتف كلّ دقيقة تتصفّح المواقع ولا تجد شيئًا ممتعًا أو مثيرًا، وتظلّ تتصفّحه لعلّك تجد شيئًا يشغل تفكيرك ويخرجك من حالة شرود الذّهن المصاحبة للملل.

الشّعور بالملل قد يتطوّر لدى بعض الأشخاص، ولا يستطيع الشّخص التّخلص منه بسهولة، ويؤدّي إلى مرض الاكتئاب، وهو ما عرّفه علماء النّفس بملل عدم الاكتراث، يكون الإنسان فيه ليس سعيدًا وليس حزينًا لا شيء يثير لديه الحزن أو السّعادة، فالأمور كلّها سواء.

الحقيقة أنّ كثرة التّكرار والقوالب الجاهزة في حياتنا دون أيّ تغيير، أو تجديد وإبداع وانطلاق تكون نتيجتها الطّبيعيّة الملل الّذي يؤدّي إلى الاكتئاب والتبلّد.

حتّى العمل الّذي من المفترض أن يقضي على الملل أحيانًا يصبح سببًا للملل عندما يكون رتيبًا روتينيًا لا فائدة منه على المستوى الشّخصيّ الماديّ والمعنوي.

وقد شهدت المحاكم الفرنسيّة منذ فترة قضيّة كانت الأولى من نوعها عندما قاضى موظف رؤساءه السّابقين في العمل، وطالب بتعويض بسبب أنّ وظيفته كانت مملّة، سبّبت له اكتئابًا ممّا دفعه للاستقالة وقد حكمت المحكمة لصالحه.

أحيانًا يصف الأطباء بعض أدوية الاكتئاب للأشخاص الّذين يعانون من الملل الزّائد نظرًا للصّلة بين الملل والاكتئاب، لكن حتّى الآن لا يوجد علاج دوائيّ خاصّ بمعالجة الملل.

ويبقى على عاتق الشّخص نفسه محاولة الخروج من الملل بتجديد حياته، وإيجاد الطّرق والوسائل للقضاء على شعوره بالملل والحياة المملّة بأن ينخرط في نشاطات اجتماعيّة مفيدة ومثمرة، وممارسة الرّياضة والحركة، كما أنّ ممارسة التّفكّر والتّأمّل والقراءة والكتابة تساعد على التّخلص من الملل. 

والأهمّ من هذا هو تنظيم الوقت بعمل جداول للمهام المختلفة، وعدم ممارسة أشياء مثل استخدام الهاتف أو مشاهدة التّلفاز أو سماع الأغاني أو أيّ نشاط آخر لفترات طويلة تؤدّي في النّهاية إلى الملل آفّة العصر الحديث.

بقلم الكاتب


كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

جيّد 🤍

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

تشرفت بمرورك خالص تحياتي لك

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

من اجمل ما قرأة عن الواقع⁦(。・ω・。)ノ♡⁩

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

خالص تحياتي لك 🌹

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية