محاكمة الرؤساء هي اللحظة الفاصلة التي يتساوى فيها الحاكم والمحكوم أمام القانون، قد يمثل خضوع الرؤساء للمحاكمة مشهدًا مثيرًا للرأي العام ودافعًا للاهتمام الكبير والمتابعة من قبل عدد كبير من الناس. لكن محاكمة الرؤساء تُعد شيئًا نادرًا ولا تتكرر كثيرًا؛ لذا فإنها تحظى باهتمام غير عادي على مستوى متابعة الجماهير.
وعلى مستوى تناول التاريخ للحدث الذي قد يؤدي إلى سجن الرجل الذي كان يقود البلاد في يوم من الأيام ضمن قصص صعود وسقوط قادة العالم، وفي العصر الحديث خضع كثير من الرؤساء للمحاكمات ومواجهة الاتهامات لأسباب عدة أبرزها قضايا فساد رؤساء الدول.
في هذا المقال نعرض لك قصص محاكمات رؤساء دول في العصر الحديث التي حظيت باهتمام كبير، وأدى بعضها إلى دخول السجن، فنرى رؤساء دخلوا السجن فعلًا، وبعضها كان سببًا في الابتعاد عن كرسي الرئاسة.
محاكمة ريتشارد نيكسون
لماذا استقال ريتشارد نيكسون وما قصة ووترغيت؟ محاكمة ريتشارد نيكسون هي الأشهر في التاريخ الأمريكي، وكانت فضيحة ووترغيت من أكبر الفضائح السياسية التي عاشتها الولايات المتحدة في القرن العشرين وتسبب فيها الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وأدت إلى محاكمته بعد أن قدم استقالته اضطراريًّا من رئاسة الولايات المتحدة. فما قصة فضيحة ووترغيت التي أدت إلى استقالة الرئيس الأمريكي وتقديمه للمحاكمة؟

كان الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون قد فاز في سباق الرئاسة الأمريكي عام 1968 بفارق ضئيل عن منافسه (هيوبرت همفري) مرشح الحزب الديمقراطي، فقد كانت المنافسة قوية على كرسي الرئاسة؛ لذا كان الرئيس الأمريكي يحمل هم انتخابات التجديد بعد أربعة أعوام. وعلى الرغم من أن سباق الرئاسة التالي عام 1972 كان ضد (جورج ماكغفرن)، فإن الأمر لا يتعلق بالمنافس بقدر ما يتعلق بقوة الحزب الديمقراطي وشعبيته في ذلك الوقت.
ولذلك اتخذ الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون قرارًا غريبًا وشديد الخطر في الوقت نفسه بالتجسس على الحزب الديمقراطي المنافس له -في واحدة من أخطر قضايا الفساد السياسي الأمريكي- الذي كانت مكاتبه في مبنى ووترغيت، فقد زرع أجهزة التنصت والتسجيل؛ وهو ما أدى إلى إلقاء القبض على مجموعة من الأشخاص الذين يعملون لمصلحة الرئيس الأمريكي وهم ينصبون أجهزة التجسس، وهو ما أدى إلى تفجير الأزمة التي أصبحت فضيحة كبيرة.
وبلا شك، أدت التحقيقات مع هؤلاء الأشخاص إلى الإشارة إلى الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون الذي يُعد من أبرز رؤساء واجهوا التحقيق، ولم يجد ما يفعله غير تقديم استقالته من الرئاسة الأمريكية، وذلك في أغسطس عام 1974، بعد أن أصبحت فضيحة ووترغيت هي حديث العالم، وليس حديث الرأي العام الأمريكي فقط.
ومع محاكمة الرئيس الأمريكي، تم توجيه الاتهام إلى 69 شخصًا كانوا يساعدون الرئيس في عملية التجسس، وقد أدانت المحكمة 48 شخصًا منهم، وهي القائمة التي شملت مجموعة من كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية، وجرى توجيه تهم متعددة لهم تتضمن زرع أجهزة التجسس، ومساعدة الرئيس في أعمال غير شرعية، واستغلال مكتب التحقيق الفيدرالي ووكالة المخابرات المركزية ودائرة الإيرادات الداخلية في أعمال غير قانونية.
وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي جيرالد فورد قد أصدر عفوًا عن الرئيس السابق ريتشارد نيكسون في سبتمبر 1974، فإن عواقب فضيحة ووترجيت كانت كبيرة على صورة السياسة الأمريكية، وأدت إلى فقدان الحزب الجمهوري خمسة مقاعد في الكونغرس، بالإضافة إلى فقدانه 49 مقعدًا في مجلس النواب؛ وهو الأمر الذي انعكس بمكاسب كبيرة أيضًا على الحزب الديمقراطي، لتصبح محاكمة الرئيس ريتشارد نيكسون إحدى أبرز محاكمات الرؤساء في العصر الحديث.
كيف جرت محاكمة برلسكوني وما أبرز التهم؟
يُعَدُّ رئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلسكوني من أكثر الشخصيات شهرةً وإثارةً للجدل في العالم وكان بطل قضايا سياسية أثارت الجدل. فهو رجل السياسة الشهير الذي تولى أرفع منصب سياسي في بلاده، وهو رئاسة الوزراء، وهو رئيس أحد أكبر أندية كرة القدم في العالم، وهو نادي ميلان الإيطالي، إضافة إلى كونه أحد أغنى وأشهر رجال الأعمال في العالم لسنوات طويلة.

وعلى الرغم من ذلك، فقد لاحقته الفضائح والاتهامات في كل مكان، ولم يتوقف الصخب حول برلسكوني حتى موته عام 2023 وهو في الـ 86 من عمره، بعد حياة طويلة مليئة بالنجاحات الكبيرة، والفضائح الكبيرة أيضًا.
وكان بيرلسكوني قد تولى منصب رئيس وزراء إيطاليا ثلاث مرات بعد أن تدرج من عضو في مجلس الشيوخ إلى رئيس لحزب (فورتسا إيطاليا) إلى أن أصبح شريكًا في الحكومة الائتلافية، حتى أصبح أحد قادة البلاد، وتولى رئاسة وزرائها لثلاث فترات منذ عام 1994 حتى عام 2011، وهو ما ساعده عليه كونه أحد أثرياء إيطاليا والعالم، فقد كانت ثروته تتجاوز 6.4 مليار يورو، إضافة إلى امتلاكه شبكات تلفزيونية وأدوات قوية جعلت منه ذلك الشخص المشهور القوي الذي يحظى بإعجاب كثيرين وكراهية كثيرين في الوقت نفسه.
وبعد التالق في رئاسة وزراء إيطاليا، والشهرة الكبيرة التي حققها الرجل، والمكانة الهائلة التي احتلها في قلوب الإيطاليين، كان عليه أن يواجه مجموعة، ومن أبرز التهم المتتالية في محاكمة سيلفيو برلسكوني الشهيرة فضيحة (بونجا بونجا) التي اتُّهم فيها بالتحرش الجنسي واستغلال القاصرات، وهو ما تطور في شكل اتهامات وتحقيقات متتالية أدت إلى إصدار حكم بالسجن على رئيس وزراء إيطاليا السابق مدة سبع سنوات، بعد أن أدانته المحكمة بإساءة استغلال السلطة وممارسة الدعارة مع القاصرات.
وعلى الرغم من تبرئة بيرلسكوني من التهمة في عام 2015، فإن تهمًا أخرى لاحقته مثل استغلال النفوذ ودفع الرشوة لشهود من أجل الكذب في التحقيقات. وعلى الرغم من أنه سعى كثيرًا للإفلات من هذه التهم وإثبات براءته على مدار سنوات، فإن صورته كانت قد تعرضت بالفعل أمام الرأي العام الإيطالي والعالمي، إضافة إلى أنه أصبح مثارًا للسخرية في سنواته الأخيرة فيما يتعلق بمحاولاته لتحسين مظهره، مثل إجرائه عمليات زرع الشعر، ومرافقته الصديقات الصغيرات على الرغم من كبر سنه، وهو ما لا يليق من وجهة نظر كثيرين برجل كان يعتلي كرسي رئاسة الوزراء في إيطاليا في يوم من الأيام.
لماذا سُجن جاك شيراك؟
كان جاك شيراك الرئيس الفرنسي الشهير هو أول رئيس من فرنسا يخضع لمحاكمة سياسية منذ زمن الحرب العالمية الثانية، وذلك بعد إدانته بتهم تتعلق بالفساد وتبديد المال العام عام 2011. في محاكمة جاك شيراك حُكم عليه بعامين، وجرى تخفيف الحكم إلى وقف التنفيذ، وهو ما لا يمنع ثبوت التهمة على الرئيس الفرنسي الذي خدم في الجيش في أثناء الحرب، وكان يتخذ من الزعيم شارل ديغول مثلًا أعلى.

كان الرئيس الفرنسي جاك شيراك قد شغل منصب مساعد رئيس الوزراء في ستينيات القرن الماضي قبل أن يصبح وزيرًا في عام 1967. وفي السبعينيات، أسَّس حزبًا جديدًا تحت اسم التجمع من أجل الجمهورية الذي انضم إلى مجموعة أخرى من الأحزاب التي شكلت حزب الاتحاد للحركة الشعبية. ومع الوقت، أصبح شيراك أحد الوجوه البارزة في السياسة الفرنسية قبل أن يترشح للانتخابات الرئاسية أعوام 1981 و1988 ويتعرض للخسارة.
وفي عام 1995 فاز جاك شيراك برئاسة فرنسا، وحصل على مدة رئاسة ثانية منذ عام 2002 حتى عام 2007. وعلى الرغم من ذلك فقد كان أحد أقل الرؤساء الفرنسيين شعبية في التاريخ الحديث، وبعد أن خرج من الرئاسة ثارت حوله بعض الأمور التي تحولت إلى اتهامات قانونية من قبل محكمة باريس عام 2011، التي وجهت إليه تهمة استغلال الثقة العامة وتحويل المال العام، وهو ما يمكن الإشارة إليه بأنه فساد سياسي قائم على استغلال السلطة للحصول على مكاسب غير قانونية.
وبعد مدة طويلة من التحقيقات التي تضمنت شخصيات أخرى كثيرة بجانب جاك شيراك، صدر قرار المحكمة بالحكم على جاك شيراك بأنه مذنب بالفساد وتبديد المال العام واستغلال ثقة الشعب والخروج عن النزاهة المطلوبة من المسؤولين العاملين في الحقل العام. وأعلن القاضي الحكم على جاك شيراك بالسجن مدة عامين مع إيقاف التنفيذ، وربما كانت تلك الاعتبارات تتعلق بسن الرئيس الفرنسي السابق، الذي كان يبلغ في ذلك الوقت 79 عامًا.
أسباب عزل وسجن بارك جيون هاي في كوريا الجنوبية
قد تكون مسألة محاكمة رئيس البلاد مسألة غريبة في أي دولة في العالم، لكنها تعد أكثر غرابة في كوريا الجنوبية التي تُعد من أفضل اقتصادات العالم ومن أكثر البلاد نزاهة على مستوى الإجراءات السياسية والاقتصادية؛ لذا كان القبض على رئيسة وزراء البلاد السابقة بارك جيون هاي ومحاكمتها أمرًا غريبًا ومشهدًا لم يعتد عليه المواطن في كوريا الجنوبية في واحدة من أهم أشهر الرؤساء الذين واجهوا تهم الفساد. وشملت الصورة أيضًا إدانة رئيس شركة سامسونج الذي صدر بحقه حكم مدة خمس سنوات في القضية نفسها.

وكان البرلمان في كوريا الجنوبية قد صوَّت عام 2016 لإقالة رئيسة الوزراء في ذلك الوقت بارك غيون هاي بعد توجيه الاتهام لها بعدد من الممارسات غير القانونية التي تندرج تحت الفساد ما أدى إلى محاكمة بارك جيون هاي، وهو ما أيدته المحكمة الدستورية في كوريا الجنوبية، وبالتالي أُقيلت رئيسة الوزراء وحوكمت بالتهم المنسوبة إليها.
وكانت رئيسة الوزراء السابقة قد استغلت منصبها وتواطأت مع إحدى صديقاتها بغرض الحصول على مبالغ طائلة من شركات كبرى لتمويل أعمال ومؤسسات من المفترض أنها غير ربحية تملكها تلك الصديقة، وهو ما يعد استغلالًا للمنصب واستغلالًا للنفوذ السياسي. أيضًا فهذه الأموال الطائلة التي تدفعها الشركات الكبرى تعد رشوة سياسية تُدفع عن طريق تمويل تلك الشركات والمؤسسات غير الربحية لصديقة رئيسة الوزراء التي سُجنت أيضًا ضمن القضية نفسها.
وعلى الرغم من أن المحكمة الكورية قد حكمت على رئيسة الوزراء بالسجن مدة 24 عامًا ودفع 17 مليون دولار غرامة، فإن الرئيس الكوري الجنوبي أصدر عفوًا رئاسيًا عن رئيسة الوزراء السابقة بعد أن أمضت خمس سنوات في السجن، وعادت إلى منزلها في مارس عام 2022. وسُجن في القضية نفسها مجموعة من كبار رجال الأعمال وأصحاب الشركات ليكونوا جميعًا عبرة لمن يخرج عن القانون ويستغل السلطة مهما كان وضعه في كوريا الجنوبية.
قصة سجن ومحاكمة لولا دا سيلفا وعودته للرئاسة
يُعَدُّ الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا أحد أشهر رجال السياسة في العصر الحديث، وأحد أكثر الرؤساء المحبوبين في تاريخ البرازيل. حتى إنه معروف في البرازيل بأنه رجل الدولة ذو اللسان الفضي. وقد بدأت تجربته السياسية من خلال نشاطه في الحزب الشيوعي البرازيلي، ومع الوقت ظهرت مواهبه في الخطابة والمفاوضات والنشاط النقابي، قبل أن ينجح في أن يكون شخصية قيادية طموحة، ويترشح للرئاسة في البرازيل مرتين قبل أن يفوز في المرة الثالثة عام 2002 ويصبح رئيسًا لبلاد السامبا.

ومع الشعبية الكبيرة التي حظي بها لولا دا سيلفا، فقد حصل على فترة رئاسة ثانية عام 2006 انتهت عام 2011، لذا لم يكن له الحق في البقاء في السلطة أكثر من ولايتين متتاليتين. ليخرج الرئيس المحبوب من قصر الرئاسة ليواجه مجموعة من التهم تتضمن قضايا فساد ورشاوى تتعلق بنقود شركات النفط وشركات البناء التي عُدَّت أكبر فضيحة فساد في القارة اللاتينية. وجرى توجيه تهم مباشرة للرئيس البرازيلي السابق بأنه تلقى خدمات من شركات خاصة، وشارك في غسل الأموال.
وفي النهاية، صدر حكم المحكمة على الرئيس السابق بالسجن مدة 12 عامًا في عام 2018، وصدر حكم آخر بـ 12 عامًا أخرى في عام 2019، على الرغم من إنكار لولا دا سيلفا لجميع التهم الموجهة إليه، وقوله إنها مؤامرات من أجل منعه من العودة إلى رئاسة البلاد مرة أخرى والترشح في انتخابات عام 2018.
الغريب في الأمر أن قاضي المحكمة البرازيلية العليا قد أصدر حكمًا ببراءة لولا دا سيلفا من التهم الموجهة إليه عام 2022، بعد أن قضى نحو 18 شهرًا في السجن بسبب أخطاء عدة في الإجراءات القضائية والقانونية التي اتبعت في محاكمته.
والأغرب من ذلك أن لولا دا سيلفا خرج من السجن ليعود مرة أخرى إلى رئاسة البرازيل، وحصل على مدة رئاسته الثالثة في يناير عام 2023 ليكون بذلك إحدى أغرب حالات محاكمات الرؤساء في العصر الحديث، فهو الرئيس الذي خرج من قصر الرئاسة إلى السجن، وخرج من السجن ليعود إلى قصر الرئاسة.
وفي نهاية هذا المقال الذي حاولنا من خلاله إلقاء الضوء على أبرز محاكمات الرؤساء في العصر الحديث، نأمل أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.