في تاريخ الصحافة الثقافية العربية، تقف مجلة (المنهل) علامة فارقة في مسيرة الأدب السعودي الحديث، لم تكن دورية أدبية، بل كانت مشروعًا ثقافيًا متكاملًا أطلقه ورعاه الأديب والمؤرخ عبد القدوس الأنصاري من المدينة المنورة عام 1937. وتميزت المجلة بخطها الرصين ورسالتها السامية التي نأت بنفسها عن المهاترات، وسعت لتكون منبرًا للإبداع الجاد والحوار الهادف.
يستعرض هذا المقال رؤية مجلة (المنهل) التأسيسية، ويسلط الضوء على إحدى أبرز مبادراتها الفكرية: استفتاء عام 1945 الجدلي حول قدرة الأدب السعودي على (التصدير) ومنافسة الآداب العربية الأخرى، وهو السؤال الذي كشف عن هواجس وتطلعات المشهد الأدبي في تلك الفترة المفصلية.
تأسيس ورسالة مجلة (منهل) يخدم الأدب والثقافة والعلم
صدر العدد الأول من مجلة (المنهل) في المدينة المنورة في شهر ذي الحجة 1355هـ / فبراير 1937م، حملت منذ أول عدد صدر منها شعارها الذي سارت عليه حتى اليوم، وهو: «مجلة تخدم الأدب والثقافة والعلم». وحرص الأستاذ عبد القدوس الأنصاري، صاحب مجلة (المنهل) ومؤسسها ورئيس تحريرها، على إبعادها عن جو المهاترات الأدبية، والسمو بها فوق إسفاف السباب، فكتب (رحمه الله) يوضح ذلك الخط الذي انتهجه، يقول في أول عدد من أعداد مجلة (المنهل): «وسنبذل قصارى الجهد في سبيل إحاطة هذا (المنهل) بسياج متين من أسباب الوقاية، حتى لا يتلوث معينه، ولا يتعكر صفوه بجراثيم التراشق والإسفاف».

وقد وفى الأستاذ الأنصاري (رحمه الله) بوعده، والتزم بتعهده، فاستمرت مجلة (المنهل) في جميع أعدادها محافظة على ذلك النهج، ترحب بالحوار الهادف، وتفتح صدر أعدادها وصفحاتها له، ولكنها لا تسمح له بالانحراف عن الاحترام المتبادل في الحوار الموضوعي الحر، بل حافظت على نقاء أساليبها في إطار منهجها الواضح الذي استوحاه صاحب (المنهل) ومؤسسها من مفهومه للأدب، ودور الأديب في الحياة الذي لخَّصه (رحمه الله) في العدد الأول من (المنهل) أيضًا، بقوله: «ليس الأدب أداة تسلية، أو فن لهو وتمضية للوقت، بل إنه من أسمى الفنون الحية التي تنهض الأمم وتنعشها، وكم للأديب المخلص من أثر فعّال في ترقية مستوى الأمة الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والعمراني معًا.
والواقع أن الأدب في أسمى أوصافه، وأصدق ألوانه، هو المحرك الكهربائي، الذي يبعث روح الإصلاح في الشعوب، ويوقظ فيها الفتوة والشعور بالكرامة، ويحفزها إلى المضي في طريق التقدم، ويصقلها صقلًا متقنًا، ويهذب حواشيها، ويوصل بين حاضرها وماضيها وصلاً محكمًا مثمرًا لشتى المنافع. الأدب هو الذي ينمّي مواهب الأمة الفكرية، ويحوك كيانها حوكًا متقنًا، وهو الذي يوحي أسمى الخيالات إلى الأذهان الخاملة، ويثير الحماسة في الصدور إلى اعتناق المثل من الكمال، ويحميها من أن تظل راسبة في مستنقعات الانحطاط الوبيئة، ويجعلها تسعى سعيًا حثيثًا منظّمًا لتكون في طليعة الأمم الراقية، وهو الحادي الجذاب، الذي يولّد بها روح النشاط الدؤوب، كلما أخلدت، أو أوشكت أن تخلد إلى الراحة المضنية، والفتور الموبق، والتقاعس الوبيل».
استفتاء 1945 سؤال الهوية الأدبية بعد الحرب العالمية
ظلت (المنهل) طوال سنوات صدورها وفية لذلك المبدأ، محافظة على مستواها الأدبي الرفيع، وكانت تشجع هواة الأدب من الناشئة، وتأخذ بأيديهم، ولكن توجههم نحو الرصانة والاتزان. وأسهمت مجلة (المنهل) بنجاح في تحقيق النضج الأدبي في هذه البلاد، في كل جنس وميدان من أجناس الأدب وميادينه، شعرًا ونثرًا، وكان صاحب مجلة (المنهل) يحرص على تحريك الأدب وتنشيط الأدباء في ديمومة مستمرة، فكان يجري استفتاءات عن الأدب السعودي وأهليته «للتصدير». أي للانتشار خارج الإطار الإقليمي للمملكة العربية السعودية، كما فعل حينما عادت مجلة (المنهل) للصدور بعد أن توقفت نحو 4 سنوات خلال الحرب العالمية الثانية.

ففي العدد الأول من معاودة الصدور، في سنة 1365هـ / 1945م، نشرت مجلة (المنهل) صيغة ذلك الاستفتاء مع إجابتين من إجابات الأدباء السعوديين عليه، هما الأستاذان: أحمد عبد الجبار، وحسين سرحان.
وجاء في تقديم ذلك الاستفتاء نص صيغته
«نشأ الأدب الحديث في هذه البلاد قبل عشرين عامًا، مزيجًا من تقليد لأدب المصريين، وأدب المهجريين، ولا يزال هذا الأدب مبحوح الصوت، ضئيل الصدى، غير معترف له بوجود لدى أدباء الأقطار العربية المجاورة. وقد شحذت الحرب العالمية الثانية قرائح الأدباء هنا، بما حصل لهم خلالها من استجمام، وبما دعتهم إليه من تحول في مجرى التفكير، وتصحيح في الاتجاه والمقاييس والأهداف، فكان ذلك داعيًا للمنهل لأن تبادر، في عهدها الجديد، باستطلاع آراء فريق من بناة الأدب وشداته في مسلكهم الجديد حيال النهضة المرتقبة منهم بالأدب العربي السعودي، حتى تشع أنواره، ويمتد رواقه في الآفاق.
وقد وجهت إليهم الاستفتاء التالي في ذلك:
يزخر العالم العربي اليوم بطاقة عظيمة من الإنتاج الأدبي القيّم الواسع الانتشار والتصدير، وفي بلادنا لم تتجاوز أصداؤه آفاق هذه البلاد. فهل كان خفوت صوت الأدب عندنا ناشئًا عن أسباب داخلية فيه؟ أم عن بواعث أخرى؟ وأيًا ما كان الأمر، فما هو رأيكم نحو هذا الأدب: هل يصلح للتصدير؟ وإذا كان لا يصلح له، فكيف يصلح؟ نرجو الإجابة بما يميط اللثام عن الداء والدواء».
مجلة المنهل صوت الحداثة المتأنية.. رد الأستاذ أحمد عبد الجبار
كانت أولى الإجابات التي نشرتها مجلة (المنهل) على سؤال ذلك الاستفتاء، رأي الأستاذ أحمد عبد الجبار، الذي كتب يقول: «إن صيغة سؤال المنهل تستدعي إلى أن يسأل المرء نفسه: هل الأدب بضاعة، يجري عليه نظام البيع والشراء "والتصدير" والتوريد؟ وهل أن أدبنا لا يصلح حقًا للتصدير، فنسأل عن الطرق المجدية للوصول إلى هذه الغاية»؟!
الحقيقة أن الأدب الحي لا تُوزن قيمته بالأرطال، ولا يُباع بزيادة الفرق في الإسترليني أو الذهب! وإنما هو الذي يفرض إرادته على سوق القرّاء فرضًا، ويتحكم بالعقول تحكّمًا، وأن الإنتاج الذي يستهدف صاحبه من ورائه المادة الفانية، لا ينال إلا إياها.
والأدب عندنا على نوعين: أدب الحاضرة، وأدب البادية. ولا أظن أن صاحب (المنهل) يودُّ أن يُصدر أية كمية من الشعر النبطي، أو الشعر «الحميني» إلى الأقطار العربية، على الرغم من أن البداة في هذه الأقطار يفهمون -على الغالب- هذا النوع من الشعر البدوي.
وينقسم أدب الحاضرة إلى ثلاثة أقسام:
- قسم يتبع منهج القدماء، ويسلك مسلكهم، سواء في الموضوع، أم الأسلوب.
- قسم وسط، اتخذ أفراده مكانة لهم بين القديم والجديد، معتمدين على أدب المصريين، والسوريين.
- قسم جمح إلى المهجر، فأخذ علومه على يد جبران، ونعيمة، وعريضة، وغيرهم.
نستنتج مما تقدم أن أدبنا «أدب تقليدي»، وهذا راجع بالنسبة إلى الظروف التاريخية التي أحاطت بنا. وليس هناك ما يمنع أن نُبلور ما اقتبسناه في شيء يُبرز شخصيتنا، وما لنا من خصائص ومميزات في أدب حي، يستطيع أن يُثبت له وزنًا ثقافيًا في الأقطار العربية الشقيقة!
والطرق المؤدية إلى مثل هذا تنحصر: أولًا، في تثقيف الأدب. وثانيًا، في تأمين الوسائل لنشر أدبنا.
إن تثقيف الأدب باعتقادنا هو أهم شيء، فليس كل من قرأ كتابًا، أو كتابين في الأدب، وتصفح المعلقات، وحفظ شيئًا من الشعر، ووُهِبَ ملكة النظم، أو سلامة التعبير وتيسّر له أن ينشر، أصبح أديبًا، لا يُشار إليه بالبنان فحسب، وإنما بالأصابع كلها، ويكون له حق رفع الرأس عاليًا، حتى يكاد يعلّق عينيه بأهداب النجوم.
إن الأديب يحتاج إلى التخصص، لكيلا يهيم في كل وادٍ، ويتخبط ما بين الأدب، والشعر والحكمة والتاريخ، دون أن يعرف حدود كل فن من هذه الفنون، وما يتطلبه من إدراك، وفهم، وتمعّن. وفيما لو فرضنا أن الأديب عندنا أصبح له ثقافة كافية، وفرض نفسه على محيطه، كرجل له قيمة علمية، ووزن ثقافي ثابت في هذا البلد، فكيف يتاح له أن يفرض نفسه على الأقطار العربية، ويمكن أن يقف في صف عمالقة الأدب فيها؟
يحتاج الأمر إلى توافر الشرط الثاني، وهو تأمين الوسائل لنشر الأدب، والدعاية له، وهذه لا تخفى على القارئ، وأهمها الصحافة القوية، والتأليف القيّم النافع. ولتحقيق جودة هذه الوسائل، لا بد لنا من ابتكار المواضيع، والتفنن، والخروج من الدائرة الضيقة التي رسمتها لنا مدرسة الأدب القديمة، ويجب أن نسمو بأدبنا من المادة إلى الروح، ومن التصوير الحسّي إلى الخيالي المعنوي. وأن نلاحظ دائمًا متانة وحلاوة المبنى والمعنى في التركيب.
مجلة المنهل صوت الثقة والتحدي.. رد الأستاذ حسين سرحان
أما الإجابة الثانية التي نُشرت ردًا على سؤال استفتاء (المنهل) في ذلك العدد الأول بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فكانت رأي الأستاذ حسين سرحان، الذي كتب يقول: «هل يصلح أدبنا للتصدير؟».
أجل: يصلح، ويصلح: وفي عين الحسود عود، وأرجو ألا يكون الأستاذ صاحب (المنهل) هو الحسود، فإنه إذًا لا يحسد إلا نفسه!
إن أدباءنا ينتظمون أوسع المجالات في إنشاء المقالات، وإنهم لأرباب القصائد الجيائد، ذوات المعاني الفرائد، وإنهم يبحثون فيُوغِلون، ويكتبون فيُبدِعون. فلماذا لا يصلح هذا الأدب للتصدير؟ وإن الأستاذ نفسه صاحب (المنهل) ليعلم هذا -أو بعض هذا- تمامًا، ولكنه يستمرئ مغالطة نفسه، وأحسب أنه بهذه المغالطة المبتكرة لا يريد إلا أن يستزيد ويستفيد!
إذا كان زيدان، وضياء، وقنديل، والعامودي، والكتبي، وتوفيق، وشحاتة، وعوّاد، والفقِي، والآشي، والعطّار، والغزّاوي، والعريف، والمغربي، إذا كان هؤلاء الجمهرة لا يستطيعون أن يصدروا أدبهم الموثّق الجميل، فنصيحتنا إليهم أن يُحطّموا أقلامهم، ويشدّوا بنات أفكارهم، ويركنوا إلى الراحة، ويخلدوا إلى الصمت! فذلك -لعمري- خير ما يمكن أن يفعلوه للتواري والانزواء.
إن الشعر، والنثر، والأقصوصة، والرواية، قد نضجت عندنا، وآتت أكلها أضعافًا مضاعفة، فما غريبٌ أن لا تجد الطريق إلى الظهور، أو تحتجب وأخواتها في تبرّج وسفور. ذلك لأن الأدب العربي الحديث وجد الأداة والوسيلة، والجو، والتشجيع، والتقدير في البلاد التي قُدّر لها أن تسبقنا في الطباعة والصحافة والتعليم، فانتشر أدبها، طيّبه ورديئه، وراج علمها خبيثه ومريئه، واشتهرت أقلام ما كانت لتشتهر، لولا الميادين الفسيحة، والمطابع الفاخرة، والصحافة الرفيعة، والإقبال الهائل، وشيوع التعليم بين طبقات الأمة، مما كان يمحو الفوارق ويلغيها إلغاءً تامًا، وصُدّر إلينا أدب العراق، ومصر، والشام، حتى أدب السودان، وإفريقيا، والهند، فلو وجد أدبنا من التنظيم، والحث، والوسائل، ما وجدته تلك الآداب – أو قل بعضها – لكان الأدب الطنّان الرنّان، ولكان له شأن أيما شأن.
وقد اجتهد بعض الأدباء أن يكتبوا لكبريات الصحف الأدبية بمصر، كـ(الهلال)، و(الثقافة)، و(الرسالة)، ولكن الصحف المصرية تنظر إلى الأسماء، فإن وجدتها زنانة كالذبابة، طنانة كالنحلة، نشرت، وزادتها هي زنينًا وطنينًا، وإلا فهي ملقاة مع الأكوام. وقد اعتذرت (الرسالة) عن ذلك، ونفته، ولكن نفي الأمر الواقع، لا يزيد إلا وقوعًا وتأكيدًا.

أفكل ما تنشره (الرسالة)، و(الثقافة)، و(الهلال) رفيع، أو جيّد، أو بديع؟! إن الأدب جسم وروح، فأما الجسم فهو الأسلوب، وأما الروح فهو ما يحتويه ذلك الأسلوب من معانٍ، وآراء، وأفكار.
أما الأسلوب في أدبنا فهو يختلف بين المتانة والسلاسة، ولا يهبط عن هذين إلا في أدب بعض الناشئين والشداة، على أنه في طريقه إلى القسوة والتمكين. وأما الروح فهي تتفاوت بين اللطافة والعمق، وبين السداد في الرأي، أو المقاربة إليه، ولا يُحتَّم على الأدب أن يحتفظ -دائمًا- بمستوى واحد لا يعدوه، ولا يسفّ عنه، فطالما قرأنا لأعلام الأدباء، كالمازني، والعقّاد، وطه، وغيرهم أشياء، لولا تواقيعهم عليها، لشككنا في أن ينزلوا بعد تحليق، ويخطئوا بعد توفيق، إلى ذلك الحد العجيب.
ارسموا للأدب نهجه، ووفّروا وسائله، وشجّعوه، وصدّروه بعد ذلك، فإن جاءكم نقد أو ملام، فبادروني بالكلام.
لم يكن استفتاء مجلة المنهل مجرد سؤال عابر، بل كان عملية تشخيص عميقة للحالة الأدبية السعودية في منتصف القرن العشرين، إن الردين المتباينين للأستاذين أحمد عبد الجبار وحسين سرحان يمثلان قطبي النقاش الأدبي في تلك الفترة؛ بين من يرى أن الأولوية هي للنضج الداخلي وتثقيف الأديب أولًا، ومن يرى أن الأدب ناضج بالفعل لكنه يفتقر إلى البنية التحتية من صحافة قوية ودعم مؤسسي. وبهذا، لم تكن المنهل ناشر للأدب، بل كانت محركًا فكريًّا ومنصة حيوية أسهمت في بلورة هوية الأدب السعودي وتحديد تطلعاته المستقبلي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.