قراءة نقدية إنسانية في رواية مجانين أم كلثوم لشريف صالح

رواية «مجانين أم كلثوم» لشريف صالح ليست عن أم كلثوم نفسها، بل عن أثر صوتها في بشر عاديين وجدوا في الغناء ملاذًا وجوديًا حين خذلهم الواقع. الجنون هنا اختيار عاطفي ومعرفي، والصوت يصبح وعيًا وزمنًا وذاكرة، لا مجرد خلفية جمالية.

الشخصيات ليست للتقديس ولا للسخرية، بل للإنصات إليها، والغناء عنصر سردي يختصر ما تعجز عنه الجملة الروائية. الرواية تمثل فضاءً إنسانيًا عميقًا حيث يصبح الفن وسيلة لفهم الحياة وتخفيف قسوتها، من خلال تجربة بشرية صادقة ومتصلة بالذاكرة والحنين.

في هذا المقال، لا يستدعي الكاتب شريف صالح كوكب الشرق ليُعيد سرد أسطورتها، بل ليختبر من خلالها قدرة الفن على ترميم انكسارات الواقع.

نبذة عن الكاتب شريف صالح

 شريف صالح هو كاتب وصحفي وأكاديمي مصري بارز، اشتُهر بروايته الأحدث «مجانين أم كلثوم» التي صدرت عام 2025 عن الدار المصرية اللبنانية.

الكاتب شريف صالح

السيرة الذاتية والتعليمية

وُلد في محافظة دمياط عام 1972، وحاصل على ليسانس من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، ودرجة الماجستير والدكتوراة في النقد الأدبي من أكاديمية الفنون.

يعمل مديرًا لتحرير مجلة «عالم الكتاب» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وهو كاتب صحفي في عدة منصات دولية مثل «النهار» اللبنانية، و«الشرق بلومبرغ»، ومنصة «شهرزاد». ولديه خبرة طويلة في الصحافة الخليجية، حيث عمل في الكويت لأكثر من عشرين عامًا في صحف مثل الأنباء، والسياسة، والنهار الكويتية.

أبرز أعماله الأخرى

صدر له نحو 20 كتابًا تنوعت بين الرواية، والقصة القصيرة، والمسرح، والنقد، منها:

  • روايات: «حارس الفيسبوك»، «ابتسامة بوذا»، ورواية للناشئة بعنوان «سوشانا والحذاء الطائر».
  • مجموعات قصصية: «مثلث العشق»، «بيضة على الشاطئ»، «شق الثعبان»، و«مدن تأكل نفسها».
  • دراسات نقدية: «نجيب محفوظ وتحولات الحكاية»، و«مصر الفنانة».

الجوائز والتقديرات

نال العديد من الجوائز العربية المرموقة، منها:

  • جائزة ساويرس في القصة القصيرة عن مجموعة «مثلث العشق» عام 2011.
  • جائزة دبي الثقافية عن مجموعة «بيضة على الشاطئ».
  • جائزة الشارقة للإبداع العربي عن مسرحية «رقصة الديك».
  • وصلت مجموعته «مدن تأكل نفسها» إلى القائمة القصيرة لجائزة الملتقى للقصة القصيرة في الكويت.

عن رواية «مجانين أم كلثوم»

لا تبدو «مجانين أم كلثوم» رواية عن أم كلثوم، ولا تحاول أن تكون كذلك. من يفتح النص باحثًا عن سيرة أو عن إعادة سرد للأسطورة سيكتشف سريعًا أنه أخطأ الباب.

عن رواية «مجانين أم كلثوم»

شريف صالح لا يستدعي أم كلثوم ليكتب تاريخها، بل ليكتب بها؛ أو بالأحرى ليختبر من خلالها أثر الصوت في بشر وجدوا فيه ما لم يجدوه في الواقع.

لا تنطلق هذه القراءة من موقع الحياد البارد، ولا تدَّعي مسافة وهمية بين النص وقارئه. فصوت أم كلثوم ليس مجرد مادة ثقافية يمكن تحليلها، بل حضورٌ متغلغل في الذاكرة العامة والخاصة؛ صوت عاش في البيوت، ورافق لحظات التعب والانتظار، وسد فجوات صمتٍ لم يكن الواقع قادرًا على ملئها. لذلك اقتربت من الرواية بوصفها مساحة لإصغاء إنساني قبل أي تحليل، وسؤال محوري: ماذا يفعل الفن بالبشر حين يخيبهم العالم؟

الجنون بوصفه اختيارًا

بداية من العنوان، يضعنا النص أمام مفارقة كاشفة. «مجانين أم كلثوم» لا تشير إلى اختلال عقلي ولا إلى شغف عابر، بل إلى انحياز كامل، وإلى اختيار عاطفي ومعرفي في آنٍ واحد. الجنون هنا أقرب إلى التصوف: تعلُّق يصل حد الفناء، لا في شخص، بل في صوت. العنوان لا يصف الشخصيات بقدر ما يكشف علاقتها بالعالم؛ عالم لم يعد كافيًا، فاستعاروا من الغناء قدرة إضافية على الاحتمال.

أم كلثوم: من الأيقونة إلى القوة الخفية

أحد أهم مكاسب الرواية أنها لا تقع في فخ التقديس السهل. أم كلثوم لا تظهر بوصفها رمزًا مكتملًا أو صورة محفوظة في الذاكرة الجمعية، بل كقوة غير مرئية تعيد ترتيب العلاقات والذكريات والزمن. هي ليست شخصية روائية، بل مجال تأثير. لذلك لا تُحاصر داخل المتن، بل تتسلل إلى الهوامش، والإهداء، وبنية النص نفسها، وكأن الرواية تتحرك داخل مدارها لا العكس.

أم كلثوم

المتن والهامش: وعي بالبناء لا استعراض تقني

البناء المزدوج (متن/ هامش) ليس ترفًا شكليًا. الهامش في «مجانين أم كلثوم» لا يشرح فقط، بل يناقش ويعلِّق ويعارض أحيانًا، ويسخر أحيانًا أخرى، ويشكك في الحكاية ذاتها. هذا التداخل يذكِّر القارئ بأن ما يُروى ليس حقيقة واحدة، وأن الظواهر الكبرى لا يمكن الإمساك بها من زاوية واحدة. الهامش هنا شاهد إضافي، وصوت آخر، وربما ضمير النص حين يرفض الاطمئنان إلى سرد مستقر.

جلال: بطل بلا بطولة

لا تُقدِّم الرواية جلال بوصفه بطلًا تقليديًا، ولا تسعى الرواية إلى منحه مركزية مصطنعة. هو أقرب إلى وعاء تمرُّ عبره التجربة، إلى جسد يستقبل الصوت ويعيد إنتاجه في علاقاته وذاكرته وخيباته. حياته لا تُفهم بعيدًا عن الأغاني التي رافقته: في الطفولة، في العلاقة بالأم، في الحب الأول، وفي محاولات الفهم المتأخرة. الزمن هنا لا يسير خطيًا، بل يتراكم، وتتحول الأغنية إلى علامة نفسية وزمنية في آنٍ واحد.

جماعة المحبين: بشر على حافة المعنى

شخصيات جماعة محبي أم كلثوم، بما تحمله من غرابة وطرافة، لا تُقدَّم للسخرية منها، بل للإنصات إليها. قبطان هارب من ذاكرته، تاجر أنفق عمره في المقاهي، راهب ملتبس، عالم فلك ساخر. جميعهم يشتركون في بحث واحد: معنى لا يمنحه الواقع بسهولة. السخرية المحيطة بهم ليست قاسية، بل رحيمة؛ سخرية كاتب يعرف أن الإفراط في الجدية قد يكون شكلًا آخر من العمى.

الغناء: عنصر سردي لا خلفية

الأغاني في الرواية لا تعمل كزينة أو خلفية صوتية، بل كعناصر بنائية. فكل أغنية تُستدعى في لحظة محسوبة لتكشف ما تعجز الجملة السردية عن قوله: «افرح يا قلبي» تلتقط لحظة تصديق نادرة، «اسأل روحك» تفتح باب مراجعة مؤلمة، و«فكروني» لا تستدعي الحنين فقط، بل تختبر ذاكرة مدينة كاملة. كأن الرواية تعترف بأن بعض المشاعر لا تُكتب، بل تُغنَّى.

الصوت وأفقه الصوفي

في العمق، تنفتح الرواية على أفق صوفي واضح: التكرار، الذِّكر، الفناء في الصوت. أم كلثوم تظهر كقطب رمزي لا لأنها فوق البشر، بل لأنها تمثل أقصى ما يمكن أن يبلغه الفن حين يتحول إلى معنى جامع: الأم، الوطن، الذاكرة، والحنان. المشهد الأخير، حيث تتداخل صورة الأم مع صوت أم كلثوم، لا يبدو افتعالًا، بل نتيجة منطقية لمسار جعل الصوت بيتًا أخيرًا للإنسان.

أخيرًا فإن «مجانين أم كلثوم» ليست رواية عن الماضي ولا عن الحنين وحده، بل عن الأثر؛ عن بشر عاديين وجدوا في الفن ما لم يجدوه في السياسة، ولا في الحب، ولا في الشعارات الكبرى. شريف صالح لا يقدِّم خلاصًا، لكنه يكتب نصًا يعرف أن الفن لا يغيِّر العالم، لكنه قد يجعل العيش فيه أقل قسوة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة