ظلّ علم النّفس زمناً طويلاً يعيش في كنف الفلسفة وتحت وصايتها مقيّد الحركة، وبعبارة أخرى كان الابن المدلّل للفلسفة إذا أخذنا بالحسبان علاقة باقي العلوم المختبريّة كالفيزياء والكيمياء والطبّ قبل انفصالها مكوّنة حقولاً مستقلّة بذاتها لها توجّهات بحثها، وأدواتها الّتي تعمل بها.
اقرأ أيضاً بحث عن مفهوم علم النفس اللغوي
مجالات علم النفس
يعدّ ميدان علم النّفس آخر العلوم الّتي انشقّت عن الفلسفة في العام 1779 في جامعة لايبزك في ألمانيا على يد العالم وليم فونت، فقد أنشأ أوّل مختبر متكامل في صورته الأوّليّة لعلم النّفس التّجريبيّ.
ونجح في قياس بعض الظواهر النّفسيّة الّتي كان يعاني منها المجتمع، ويعدّ علم النّفس ميداناً قائماً بذاته ومنفصلاً انفصالاً تامّاً عن الأمّ (الفلسفة)، كان هذا الحدث مثيراً لجدل وضع العلماءَ الأوائلَ بمواجهة مفتوحة مع جوانب واتّهامات عديدة.
أخذ علم النّفس المولود الجديد ينمو بسرعة وقوّة ويتشعّب في اهتماماته وميوله، وسرعان ما جذب له مريدين وأتباعاً وعلماء من مختلف التّخصّصات كالطبّ، والأحياء، وعلم الأعصاب، وعلم وظائف الأعضاء مكوّناً بذلك وسيلة ترابط مهمّة وقويّة بينه وبين باقي العلوم، ومتّخذاً مكاناً قويّاً وحجر أساس بين أقرانه من العلوم.
أخذ يتفرّع وينقسم لحقول عدّة، كلّ حقل يهتمّ بدراسة جانب معيّن، كعلم النّفس للنّجاح، وعلم النّفس السّياسيّ، وعلم النّفس الدّينيّ، وعلم النّفس الصّناعيّ، وعلم النّفس التّجريبيّ، وعلم النّفس الإيجابيّ، وعلم النفس المعرفيّ، كلّ ذلك وفق مدارس ذات أساس بحثيّ رصين كالجشطلت، والسّلوكيّة، والفرويديّة، والإنسانيّة وفروع عدّة.
اقرأ أيضاً علم النفس بين النظرية والتطبيق وأهميته في حياتنا
اهتمامات علم النفس
توزّعت المهام بين علماء النّفس في الفترات السّابقة، وأيضاً تنوّعت مجالات البحوث الّتي اشتغلت عليها المدارس ومنهم وليم فونت، وسكنر، وإدلر، ووليم جيمس، وفرويد، وكارل يونغ، وباندورا، وهوراني.
وغيرهم من القدماء والمجدّدين في بعض نظريّاته مثل آنا فرويد الّتي جدّدت أو غيّرت بعض مفهومات أو تصوّرات فرويد عن بعض الحالات، ودراساته في بعض الأمراض كالهيستريا، ومرض العصاب، والذّهان.
تنوّعت اهتمامات علم النّفس ما بين تجريبيّ ونظريّ، وتضاربت أيضاً مهمّاته ما بين تناقض النّظريّات وتصادمها بالواقع الاجتماعيّ.
وتعذّر نجاح بعضها في عمليّة التّطبيق، ورغم العمر القصير لعلم النّفس تقدر بمدّة 240 سنة مقارنةً بغيره من العلوم، فقد تطوّر بسرعة كبيرة، وتشعبّت كلّ فروعه، وتطوّرت كلّ أدواته وأساليبه وصولاً إلى ما هو عليه اليوم.
وما زال في عمليّة تحديث مستمرّة سواء في منهجه أم في ميادينه أم في معالجته، وأدواته، واختباراته المتّبعة في كشف السّلوك، والإجراءات المتّبعة في إطفائه أو تعزيزه أو تعديله وتكوين نمط سلوكيّ جديد.
اقرأ أيضاً علم النفس..تعريفه وأهميته
انتقادات موجهة لعلم النفس
لاقى علم النّفس مثل غيره من العلوم الكثير من التّهم والأمور الشّعبيّة الدّخيلة الّتي تسيء له كعلم مختبريّ له أسسه.
فمرّة اتّهم بأنّه علم خرافات وسحر نفسيّ يهدف إلى تحصيل شيء ما، وكذلك تعرّض لحملة من التّزييف وزراعة الوهم بين أروقته ممّا صعب على المتّصدّين له دحض هذه الخرافات والحدّ منها، وتشذيب هذا العلم وتسخيره لمصلحة المجتمع والنّهضة به لتحقيق أقصى فائدة ممكنة.
أكثر ما يعاب على هذا العلم هو تعذّر التّطبيق وصعوبته في أحيان أخرى بسبب البيئة المادّية والطّبيعيّة والاجتماعيّة، وقابليّة المجتمع والفرد للأخذ برأيه ودعمه وإسناده.
ففي الوقت الّذي حقّقت البلدان الحديثة طفرات كبيرة وعميقة في تدعيم قواعد علم النّفس والسّعي إلى انتشاره في كلّ مؤسّساتها سواء كانت تربوية أم صناعيّة أم تدريبيّة، وسعي هذه الأنظمة الحثيث إلى بذل جهود عظيمة في التّثقيف نحوه وجعله وسيلة متاحة لكلّ أفراد المجتمع، والعمل على إدخاله في كلّ مفاصلها ودوائرها وتحسين نظرة أفرادها لهذا العلم.
ما زالت عدّة مجتمعات مثل المجتمعات النّامية، والبلدان المتخلّفة تتملّص من واجبها في تقديم الرّعاية النّفسيّة، ونشر معلومات الصّحة النّفسيّة اللّازمة للأفراد حتّى وإن كانت متوفّرة على النّت وفي الكتب.
لكن أن تجري هذه العمليّة من قبل دوائر متخصّصة تعرف دورها وعملها أفضل من أن تترك هذه العمليّة بصورة عشوائيّة وفوضويّة.
اقرأ أيضاً بين علم النفس والباراسيكولوجي وعلوم الطاقة الروحية| وسائل الدفاع النفسية
أسباب انتقاد علم النفس
كذلك الإهمال وقلّة الدّعم للكوادر القائمة بهذه الخدمات، وعدم توفير احتياجاتها، وانعدام دور المؤسّسات الحكوميّة والمجتمعيّة في التّثقيف، كلّ ذلك ساهم بشكل أو بآخر في تحجيم دور علم النّفس وتصغيره وحصر مجالاته في حلقات صغيرة تنفّر النّاس منه.
حتّى أصبح النّاس في هذه التّجمعات البشريّة يحبّذون التّوجّه إلى أيّ شخص يجيد مهارات التّلاعب النّفسيّ والانفعاليّ والخداع النّفسيّ في شفائها من أمراضها.
وتنفق في هذا الصّدد أموالاً طائلة دون فائدة تذكر، ويستمرّ هذا الخداع ويسبّب أعراضاً أكثر خطورة على نفسيّة الإنسان المحتاج لهذه الرّعاية النّفسيّة، وتتأزّم كذلك حالة أسرته الماديّة والنّفسيّة، وهي فوق كلّ هذه تترفّع أو تمتنع عن زيارة المتخصّصين في علم النّفس كيلا توصف بالجنون.
أو لتراعي حسابات اجتماعيّة وعادات سائدة لا تتقّبل هذا النّوع من الرّعاية والخدمات النّفسيّة، وإن تقبّلت هذا الخيار فإنّ المجتمع يأخذ موقفاً من هذه العائلة، وتتشكّل حالة نفور منها، ويتعدّى الأمر إلى أن تعزل الأسرة.
فشل علم النفس في تطبيق منهجه
الجهل الكبير لدى بعض القائمين على العمل النّفسيّ بسبب نقص المعلومات، ونقص الاطّلاع، وندرة البحث عن الجديد في هذا المجال.
وقلّة ترجمة الكتب الجديدة في علم النّفس، والاعتماد على دراسات سابقة استهلكت، ويرجع سبب ذلك إلى قلّة المتخصّصين في ترجمة هذه الكتيّبات إلى اللّغات العربيّة واللّغات الأخرى، وندرة عقد الجلسات الحواريّة أو التّداولية للنّقاش.
تفتقد المجتمعات النّامية إلى منظرين قادرين على بناء نظريّة تتلاءم وتتفّق مع المجتمع واعتباراته ومنطلقاته وأغلب ما يعتمد عليه هو نظريّة الدّول المتقدّمة الّتي كوّنت نظريّات سهلة وممكنة التّطبيق.
لكن في مجتمعات ما زالت تلهث وراء الوهم والزّيف يجعل من التّطبيق أشبه بالمهمّة المستحيلة، كلّ هذه وأسباب أخرى كثيرة تساهم في فشل علم النّفس في تطبيق نظريّاته ومنهجه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.