مجاعة البطاطس مصطلح أشبه بعنوان فيلم كوميدي أو رواية هزلية، لكن مجاعة البطاطس أو كما يطلق عليها (مجاعة أيرلندا الكبرى) كانت حدثًا مروعًا، أدى إلى مقتل نحو مليون شخص، وهجرة مليون آخر من جزيرة أيرلندا، إضافة إلى مجموعة من التداعيات السلبية التي لم تشهدها البلاد في تاريخها، بسبب آفة زراعية قضت على محاصيل البطاطس في قارة أوروبا، لكن أيرلندا كان لها وضع خاص في هذه الأزمة التي تحولت إلى مجاعة.
فلماذا تأثرت أيرلندا خاصة بمجاعة البطاطس؟ وكيف وصل الأمر إلى أن تفقد الجزيرة الأيرلندية ربع سكانها؟ وكيف انتهت مجاعة البطاطس في القارة العجوز؟
أسئلة تجد إجاباتها في هذا المقال الذي يصحبك في جولة في القرن التاسع عشر، للتعرف على تفاصيل مجاعة البطاطس في أيرلندا في السطور التالية.
نظرة على أيرلندا قبل مجاعة البطاطس
كانت أيرلندا تحظى بوضع خاص بين الأراضي التي تحكمها بريطانيا، فكانت الأقلية البروتستانتية في أيرلندا هي من تتحكم في الأوضاع بل وتمارس الاضطهاد على الأكثرية الكاثوليكية، وهو ما أصبح واضحًا في القرنين الـ17 والـ18 بمجموعة من القوانين الغريبة التي سلبت الكاثوليك الحق في التعليم والانتخاب وتملك الأراضي، إضافة إلى قانون أغرب فيما يخص التركة والمواريث، فكان الميراث يُوزع بالتساوي على الأبناء، أما في حالة إذا غير أحد الأبناء مذهبه إلى البروتستانتية فإنه يحصل على كل شيء.
ومع بداية حكم المملكة المتحدة للجزيرة الأيرلندية في بداية القرن التاسع عشر، مارست إنجلترا الاحتكار الاقتصادي مع أيرلندا، وهو ما جعل الظروف الصعبة تزداد صعوبة على الأيرلنديين، على الرغم من أن انجلترا قامت بمحاولات عدة للمساواة بين البروتستانت والكاثوليك، ومنحتهم مجموعة من الحقوق السياسية، وجعلت لهم ممثلين في مجلس اللوردات ومجلس العموم البريطاني.

وهكذا يتضح لنا أن الأيرلنديين عاشوا أوقاتًا سيئة وكان معظمهم من الفقراء الجائعين الذين يفتقرون الحد الأدنى من الحياة الكريمة، إضافة إلى استغلال ملاك الأراضي العمال الأيرلنديين الفقراء، فقد كان الملاك يقيمون في إنجلترا، في حين يتولى وكلاؤهم جمع الأموال والإيجارات من المزارعين، وهو ما أدى إلى مزيد من ظلم الوكلاء والوسطاء.
حكاية البطاطس مع أيرلندا
كانت البطاطس في البداية نباتًا للزينة، أحضروه من أمريكا الجنوبية، حيث كان يزرع في الحدائق، إلى أنه تحول بعد ذلك إلى طعام أساسي وشائع في أيرلندا لا سيما في فصل الشتاء، فكانت البطاطس الصديق الوفي للمزارعين الفقراء في أيرلندا، وهو ما جعلهم يهملون زراعة كثير من المحاصيل في مقابل زراعة البطاطس، إضافة إلى استخدامه علفًا للماشية، إذ تشير الأرقام إلى أن أكثر من ثلث محصول البطاطس كان يستخدم للماشية، وهو ما يوضح ارتباط البطاطس بحياة الأيرلنديين الفقراء.

وحينئذ يتضح لنا أن مجاعة البطاطس حينما حدثت في أوروبا نتيجة إحدى الآفات التي أصابت نبات البطاطس، كان لها تأثير خاص في أيرلندا، وعلى الرغم من أنها أثرت في محصول البطاطس في القارة العجوز بالكامل، فإن أيرلندا، بوضعها الاقتصادي والاجتماعي الذي شرحناه آنفًا، كانت ترتبط بالبطاطس ارتباطًا هائلًا، وهو ما جعل مجاعة البطاطس تبدو أكثر عمقًا وحدَّة وتأثيرًا في أيرلندا عن غيرها من دول أوروبا ذات المحاصيل المتنوعة، والوضع الاقتصادي الذي يسمح بالتعامل مع المشكلة.
أحداث مجاعة البطاطس
بدأت أحداث مجاعة البطاطس عام 1845، حينما انتشرت (آفة اللفحة المتأخرة) التي تعود إلى وادي تولكا في المكسيك، وبدأت الآفة تزحف من أمريكا الشمالية إلى أوروبا من طريق السفن التجارية، ومن وسط وشمال أوروبا، بدأت اللفحة تنتشر في الحقول في هولندا وبلجيكا وجنوب إنجلترا وشمال فرنسا، حتى وصلت إلى كل الأراضي الأوروبية، ومن بينها الأراضي الأيرلندية التي كانت تعتمد كليًا على البطاطس.

كانت آفة اللفحة المتأخرة التي أصابت محصول البطاطس لا تظهر من الخارج، فيبدو نبات البطاطس طبيعيًا وسليمًا، ولا يمكن التحقق من كونه مصابًا أم لا، ولذا لا يظهر المرض إلا عندما تخرج البطاطس وقت الحصاد، وحينها يعرف الفلاحون أن البطاطس فاسدة وغير صالحة للاستخدام، وهو ما استمر 5 سنوات متتالية، فيما عُرف بعد ذلك بمجاعة البطاطس أو مجاعة أيرلندا الكبرى.
بدأ الشعب الأيرلندي يعيش في مأساة كبيرة نتيجة غياب البطاطس، محصولًا اقتصاديًا، وغذاء للإنسان والحيوان، وعلى هذا بدأ الأيرلنديون يبحثون عن النجدة والمساعدة من الحكومة البريطانية، لكنها لم تكن على المستوى المطلوب، وتركت مجاعة البطاطس تقضي على سكان أيرلندا.
ورفضت الحكومة البريطانية أيضًا إصدار قوانين لحظر الاستيراد من أيرلندا، وهو ما عده سكان أيرلندا عاملًا مضاعفًا لآثار مجاعة البطاطس، فكان على بريطانيا أن تصدر قوانين منع استيراد الحبوب والأغذية من أيرلندا، وهو ما كان كفيلًا بضبط الأسعار ومنح الأيرلنديين فرصة للمعيشة والغذاء، لكن بريطانيا لم تلتفت إلى الشعب الجائع والعاطل على الجزيرة الأيرلندية.
الأسوأ من ذلك أن بريطانيا استغلت المجاعة وخلقت مزيدًا من فرص العمل بأجور منخفضة جدًا، مقابل أعمال شاقة جدًا بطريقة برجماتية مجردة من الإنسانية، فاضطر كثير من الأيرلنديين إلى قبول فرص العمل بالرواتب المنخفضة، على الرغم من أنهم كانوا في منتهى الضعف نتيجة عدم حصولهم على كميات كافية من الطعام، فكانوا يعملون أكثر من 12 ساعة في اليوم، و6 أيام في الأسبوع، براتب لا يكفي لشراء المواد الغذائية.
مطابخ الحساء وملاجئ الفقراء
قد يبدو الحديث وكأنه عن إحدى دول إفريقيا السوداء، لكن الحديث عن أيرلندا -تلك الجزيرة التي تعد جزءًا من المملكة المتحدة- وضربتها مجاعة البطاطس في منتصف القرن التاسع عشر، وبحلول عام 1846، كانت أعداد الوفيات بسبب المجاعة كبيرة جدًا في أيرلندا، وبدأ الوضع يتحول إلى مأساة إنسانية كبيرة، فكيف تدخلت بريطانيا لمساعدة أيرلندا؟

في الحقيقة كان تدخل بريطانيا هزيلًا جدًّا، فأنشأت ما سُمي بـ(مطابخ الحساء) من أجل إطعام الناس الجوعى والفقراء في أيرلندا في صيف عام 1847، وهو ما لم يستمر سوى 6 أشهر فقط، قبل أن تنسحب بريطانيا وتنتهي مطابخ الحساء، ويعود الأيرلنديون إلى البحث عن الطعام في ملاجئ الفقراء وفي دور رعاية المسنين التي تتسم في الأساس بكونها من أسوأ المؤسسات في تقديم الخدمات في أيرلندا، لكن مجاعة البطاطس وتخلي بريطانيا دفع الناس إلى الأسوأ.
إضافة إلى الحكومة البريطانية، كان هناك بعض المساعدات وجهود الإغاثة من قبل جهات عدة، فجمع الجنود الأيرلنديون والموظفون في الشركات خارج أيرلندا نحو 14 ألف جنيه إسترليني لمساعدة الفقراء.
وتبرعت الملكة فيكتوريا بـ2000 جنيه إسترليني، إضافة إلى مبالغ مالية أخرى من أمريكا وأستراليا، تبرعات مالية من أفراد ومؤسسات.
وتبرع السلطان العثماني عبد المجيد الأول بـ10 آلاف جنيه إسترليني، لكن ملكة بريطانيا طلبت منه أن يجعلها ألفًا فقط لأنها لم تتبرع بأكثر من ألفي جنيه إسترليني، فتبرع السلطان عبد المجيد الأول بـ1000 جنيه، إضافة إلى 3 سفن محملة بالطعام، والأغرب من كل ذلك أن الهنود الحمر جمعوا مبلغًا من المال لمساعدة فقراء أيرلندا قدر بنحو 710 جنيهات إسترلينية.
خسائر مجاعة البطاطس
أدت مجاعة البطاطس التي استمرت ما بين عام 1845 وعام 1852 إلى تدمير محصول البطاطس الذي يعتمد عليه أكثر من نصف سكان أيرلندا طوال هذه السنوات، إضافة إلى موت نحو مليون شخص، معظمهم من الفقراء والمشردين، إضافة إلى هجرة أكثر من مليون ونصف شخص من أيرلندا، معظمهم في اتجاه أمريكا الشمالية، هربًا من أزمة الغذاء وبحثًا عن فرصة للحياة.
وإذا جمعنا عدد الوفيات بجانب عدد الأشخاص الذين هاجروا، نجد أن أيرلندا فقدت أكثر من ربع سكان البلاد، فكان عدد الأيرلنديين قبل المجاعة نحو 8.5 مليون نسمة، وهو رقم لم تصل إليه أيرلندا إلى الآن، وهو ما كان له تأثير كبير في التركيبة السكانية والمشهد الثقافي والسياسي في البلاد.

إضافةً إلى الخسائر البشرية والمادية والنفسية في أيرلندا، فإن مجاعة البطاطس قد تركت أثرًا كبيرًا في العلاقة بين أيرلندا وإنجلترا من قبل الأيرلنديين الذين رأوا أن إنجلترا لم تتدخل لمساعدتهم على الرغم من كونها تحكم البلاد، وهو ما كان له تأثيرات كبيرة في الأحداث السياسية في السنوات اللاحقة.
وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن جولة تاريخية في القرن التاسع عشر، فحصدت مجاعة البطاطس أرواح أكثر من مليون إنسان في أيرلندا، وتسببت في هجرة نحو مليون ونصف مليون إنسان إلى خارج البلاد، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.