في التاريخ الإنساني، غالبًا ما تكون القصص الأكثر إيلامًا ليست تلك التي كتبتها الكوارث الطبيعية، بل تلك التي خطَّتها يد الإنسان. فالحروب لا تقتل بالرصاص فقط بل بسلاح أكثر فتكًا وصمتًا: الجوع. نغوص في صفحات القرن العشرين المظلمة لنكشف عن أسوأ المجاعات في القرن العشرين التي تسببت فيها الصراعات، وكيف تحول الغذاء إلى سلاح، مخلفًا وراءه ملايين الضحايا ووصمة عار في جبين الإنسانية.
في هذا المقال، نلقي الضوء على أسوأ المجاعات سببتها الحروب والصراعات في القرن العشرين، وكيف خلفت ملايين القتلى ووضعت الإنسانية في قفص الاتهام، وكيف تركت هذه المجاعات آثارها على الشعوب سنوات طويلة.
على مدار التاريخ، عانى الإنسان مجاعات أودت بحياة ملايين البشر التي تعددت أسبابها بين الطبيعي مثل ما يحدث في الكوارث الطبيعية وتغير المناخ وظهور الأوبئة والأمراض على نحو طبيعي، وبين البشري مثل الصراعات والحروب وسوء الإدارة والفساد وغيرها من الأسباب.
تعريف المجاعة
المجاعة حالة من نقص الغذاء مدة طويلة في منطقة سكانية، وهو ما يتسبب في سوء التغذية الحاد الذي يؤدي إلى ارتفاع في معدلات الوفاة، إضافة إلى حدوث عدد من الأمراض مع كثير من المشكلات الفرعية، إذ ينهار النظام الاجتماعي وتتعطل المصالح، ويزداد معدل الجريمة. ويصبح الأمر كارثيًا إذا لم يتم التدخل بسرعة عن طريق توفير الطعام وحصص الغذاء الكافية والمنظمة، مع الاستقرار الأمني لضمان توزيع الحصص ووصولها إلى كل فرد من المستحقين.
وفي الغالب يعود حدوث المجاعات إلى سببين رئيسن وهما: الأسباب الطبيعية والبشرية، لكن الأسباب الطبيعية تبدو مفهومة حين يحدث فيضان أو إعصار أو حالة من حالات الجفاف الموسمي أو حتى حين تتفشى الحشرات والأمراض، وهو ما يمكن عدُّه حدثًا مؤقتًا.
أما الأسباب البشرية فهي الأكثر عنفًا وقسوة التي يتلخص معظمها في الصراعات والاعتداءات والحروب التي تقطع الطرق وتُتلف المحاصيل وتمنع وصول الغذاء إلى المدنيين بسبب قطع الطرق وإيقاف خطوط الإمداد، وهذا يوضح العلاقة المباشرة بين الحروب والمجاعات، وهو ما يتنافى مع أيسر قواعد الإنسانية، إذ تعلو قيم القتل والتشريد والانتقام، وتخبو تمامًا قيم المساعدة والتعاون والعطاء والرحمة.
المجاعات ونظرية فشل الاستحقاق حين لا يكون نقص الغذاء هو السبب
ربما كان تعريف المجاعات سابقًا يرتبط بفكرة انخفاض إنتاج الغذاء في منطقة ما، لكن القرن العشرين شهد تطورًا كبيرًا في تعريف المجاعات وربطها بنقص الغذاء، إذ ظهر مصطلح جديد وهو مصطلح «فشل الاستحقاق»، وهو مفهوم فشل الاستحقاق للمجاعة الذي أرسى قواعده الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل أمارتيا سن (Amartya Sen) في كتابه (الفقر والمجاعات) الذي يعني أن المجاعة لا ترتبط بنقص الغذاء ولكن ترتبط بعدم حصول الشخص على ما يستحق من غذاء وخدمات وسلع، وهو ما يمكن أن يحدث بسبب ظروف اقتصادية أو سياسية، أو في حالتنا قد يحدث بسبب ظروف الحرب.
وفي بلدان عدة، لا يعتمد الفرد في غذائه على الإنتاج المحلي من الغذاء، وإنما يعتمد على شرائه أو استيراده من بلدان أخرى؛ لذا فإن حدوث الصراعات والحروب يؤدي إلى قطع خطوط المواصلات وعدم قدرة الناس على الحصول على غذائهم، وهو أبرز مظاهر تأثير الحروب على الأمن الغذائي، وهو ما يؤدي بدوره إلى مجاعة نتيجة نفاذ المخزون وعدم حصول الفرد على ما يستحقه. وبذلك تظهر حالات سوء التغذية وبعدها حالات الوفاة والأمراض والانهيار في بنية المجتمع في فترة قصيرة.
أسوأ مجاعات الحروب في القرن العشرين 5 كوارث إنسانية
على الرغم من وجود كثير من المجاعات التي خلفتها الحروب والصراعات الإنسانية على مدى التاريخ، فإننا نلقي الضوء على مجاعات القرن العشرين التي شهدها العالم في القرن العشرين نتيجة الحروب والصراعات التي حصلت على أفضل توثيق نتيجة ظهور عدد من وسائل التكنولوجيا مثل التصوير الفوتوغرافي والسينمائي؛ لذا فنحن نتحدث عن مجاعات يمكننا أن نشاهدها ونشاهد آثارها الكارثية دون مبالغة أو تزييف الحقائق. ومن أبرز هذه المجاعات ما يلي:
مجاعة روسيا عام 1921 عندما أكل الناس بعضهم بعضًا
جاءت المجاعة الروسية التي سجلها التاريخ عام 1921 نتيجة أكثر من 6 سنوات من الصراعات والحروب التي خاضتها روسيا التي أدت في النهاية إلى مقتل أكثر من خمسة ملايين شخص في مناطق عدة ما بين نهر الفولغا ونهر الأورال، إضافة إلى عدد من الآثار الأخرى مثل هجرة السكان في محاولة للبحث عن الطعام، وكثير من السلوكيات التي تضع الإنسانية موضع الاتهام مثل لجوء الناس في روسيا إلى أكل الحيوانات الأليفة والتراب، إضافة إلى بعض الحالات التي جرى تسجيلها لأكل لحوم البشر.
وقد يكون وقع الأمر عليك صعبًا وأنت تقرأ هذا المقال وتتخيل كيف كان الناس في روسيا يأكلون بعضهم بعضًا، لكن الجوع ونقص الغذاء يعدان من أصعب التجارب الإنسانية التي تظهر معها كثير من السلوكيات الغريبة التي يعود سببها الرئيس إلى الحروب والصراعات والاضطرابات الاقتصادية الناتجة عن الثورة الروسية والحرب الأهلية، وكثير من التوترات السياسية. أضف إلى ذلك نوبات الجفاف وتغير المناخ، وهو ما أدى في النهاية إلى حالة من حالات الجوع في منطقة يقدر سكانها بالملايين.
وعلى الرغم من المجاعة وزيادة عدد الموتى يومًا بعد يوم؛ فإن الإدارة الروسية رفضت دخول المعونات والمساعدات في بداية المجاعة، لكنها اضطرت في النهاية إلى قبول هذه المساعدات التي كان أبرزها من الولايات المتحدة الأمريكية التي قدمت غذاءً ودواءً لنحو 11 مليون شخص، قبل أن تقل وتيرة المجاعة ويقل عدد الوفيات حتى انتهت المجاعة تمامًا. لكنها تسببت في تغييرات كبيرة وتركت أثرًا هائلًا في نفوس الأشخاص الذين عاشوا بعد المجاعة.
مجاعة الشام عام 1915 سنة الجوع تحت الحصار
بلاد الشام، بلاد الخير والزراعة والأراضي الخضراء، عانت أيضًا من مجاعة كارثية عام 1915، وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، حينما كانت خاضعة للدولة العثمانية؛ إذ ضربت مجاعة الشام 1915 كلًّا من سوريا وحلب وبيروت وجبل لبنان نتيجة مجموعة من الأسباب التي تجمعت لتضرب المنطقة، وتدفع بمئات الآلاف من أهالي الشام إلى الموت نتيجة قلة الطعام وسوء التغذية.
كان الحاكم العسكري للمنطقة «جمال باشا» قد أمر بمصادرة كل المحاصيل الزراعية لمصلحة الجيش، إضافة إلى أوامره بجمع الشباب من كل منطقة في الشام وتجنيدهم إجباريًّا، وهو ما أدى إلى نفاد المحاصيل من المنطقة وبوار الأراضي التي لا تجد من يزرعها، إضافة إلى هروب ما تبقى من الشباب إلى بلدان أخرى خوفًا من التجنيد الإجباري، وهو ما ساعد على خراب ما تبقى من المساحات الزراعية. وبذلك وجد السكان أنفسهم محاصرين بين قلة الطعام وعدم القدرة على زراعة الأراضي، والأسوأ من ذلك هو هجوم أسراب الجراد التي لم تجد من يقاومها، ليصبح الأمر كابوسًا يصعب وصفه بالكلمات.
وكانت السفن الحربية الإنجليزية والفرنسية قد حاصرت شواطئ سوريا ولبنان وفلسطين في وقت المجاعة، وهو ما منع وصول أي إمدادات أو مساعدات للناس في بلاد الشام. إذ كان الغرض هو منع الإمدادات عن القوات العثمانية، لكن الأمر طال السكان في سوريا، فسقط الآلاف من الأطفال وكبار السن، وامتلأت بهم الشوارع. ووصل الأمر إلى أكل الحشائش الجافة والحيوانات الميتة، وأطلق الناس على المجاعة اسم «سنة الجوع».
وأما أعداد القتلى، فلم توجد إحصائية منضبطة أو رسمية، لكن تقدير الأعداد كان بمئات الآلاف. وقيل إن حلب وحدها شهدت موت نحو 80,000 شخص بسبب المجاعة، وفي منطقة جبل لبنان قضت المجاعة على ما يقرب من ثلث السكان، وهو أعلى معدل للموت في الحرب العالمية الأولى. وعلى الرغم محاولة بعض الدول في إرسال المساعدات بشتى الطرق، فإن الكارثة كانت أكبر من أن تحتويها بعض الإمدادات الغذائية التي وصلت إلى سوريا أو لبنان حتى خف الحصار على بلاد الشام في عام 1916 وبدأت الإمدادات في الوصول لتخفيف وطأة المجاعة.
مجاعة البنغال عام 1943 3 ملايين ضحية لسياسات الاستعمار
حين الحديث عن المجاعات التي شهدها القرن العشرين، تبرز مجاعة البنغال كونها أحد أكبر الكوارث الإنسانية التي خلفت أكثر من 3 ملايين قتيل بسبب نقص الطعام وسوء التغذية، إضافة إلى تفشي عدد من الأمراض والأوبئة الأخرى نتيجة المجاعة، وهو ما يعد عددًا هائلًا قياسًا بعدد سكان العالم في ذلك الوقت.
وكانت بداية الحرب العالمية الثانية عام 1942 سببًا في تدهور الأحوال في منطقة البنغال في الهند، وذلك بعد سيطرة اليابان على مناطق في سنغافورة وميانمار، وهو ما منع وصول صادرات الطعام من هذه الدول إلى منطقة البنغال، وعلى رأسها محصول الأرز، إضافة إلى عوامل أخرى مثل حدوث إعصار كبير في المنطقة في أكتوبر 1942، وهو ما أدى بدوره إلى إتلاف باقي محصول الأرز الذي تعتمد عليه منطقة البنغال. وهكذا أصبح السكان الذين يعتمدون على محصول الأرز بنسبة 88% من غذائهم يفتقدون الأرز الذي يزرعونه ويفتقدون الأرز الذي يستوردونه.
وعلى الرغم من النقص الشديد في محصول الأرز، فإن المجاعة لم تحدث بعد. ولكن القوات البريطانية التي كانت تحتل المنطقة كانت تعمل على تخزين المحاصيل الغذائية من أجل توفير مصادر الغذاء للجيش، وهي في حالة صراع مع اليابان. إضافة إلى اتجاه القوات البريطانية إلى مصادرة كل الوسائل الموجودة لدى الصيادين والعمال من قوارب وعربات حتى الفيلة، وهو ما أضر كثيرًا بفكرة التجارة وتوفير الغذاء. وبذلك بدأ نقص الغذاء يظهر مع ارتفاع الأسعار، وحدوث التضخم، وعدم دخول أي مساعدات لإغاثة السكان في البنغال.
وهكذا بدأت الكارثة بالحرب، وضاعفتها الإجراءات البريطانية التي فكرت فقط في قواتها ولم تفكر في السكان بعد أن سلبتهم كل أدوات التجارة وتوفير الغذاء، ليدخل سكان البنغال في كابوس أسود مدة 8 أشهر منذ مارس حتى أكتوبر عام 1943، ويبدأ الناس في التساقط في الشوارع والبيوت دون وجود حلول أو مساعدات ودون أي ذرة إحساس بالألم أو الندم أو الرحمة لدى المستعمر البريطاني.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، وإنما تفشت الأمراض والأوبئة بطريقة مفزعة وسريعة، لينتهي الأمر بمقتل نحو ثلاثة ملايين شخص بسبب الجوع وسوء التغذية والأمراض وقلة الأدوية والرعاية الطبية، وكأنهم محاصرون في سجن طبيعي، ولن يتم الإفراج عنهم حتى تصعد أرواحهم إلى السماء حيث لا حاجة لهم بالطعام ولا وجود للقوات البريطانية.
مجاعة المغرب عام 1944 "عام البون" تحت الاحتلال
في الحرب العالمية الثانية، وفي أثناء الاحتلال الفرنسي للمغرب، تعرضت البلاد لمجاعة هي الأسوأ في تاريخها الحديث، إذ سيطر الجيش الفرنسي على الموارد الغذائية والمعدنية واستغلها لمصلحته في أثناء الحرب. وتحكم الفرنسيون في توزيع المواد الغذائية الأساسية على الشعب المغربي، وهو ما جعل الناس يطلقون على تلك المدة «عام البون»، إذ كان الناس مقيدين بكميات محدودة يحصلون عليها بواسطة البون الذي لم يكن كافيًا لتلبية الحد الأدنى من احتياجاتهم الغذائية.
وتُعد مجاعة المغرب 1944 مثالاً صارخاً على كيفية تضافر سياسات الاستعمار مع ظروف الحرب لتنتج كارثة إنسانية، على غرار ما حدث في مجاعة البنغال والمغرب في الوقت نفسه تقريبًا. فلم تكن مجاعة المغرب مجرد نقص في الغذاء، وإنما تحول الأمر إلى كارثة غذائية مع غياب الأمطار سنوات غدة، وبذلك لم يكن أمام السكان سوى اللجوء إلى النباتات والأعشاب والحشائش للحصول على الغذاء، إضافة إلى اضطرارهم لأكل الجراد، وهو ما يوضح لك مدى سوء الأمر الذي أدى بدوره إلى تفشي عدد من الأمراض نتيجة قلة الغذاء وقلة النظافة والرعاية الطبية، وعلى رأسها داء الحصبة والسل والزهري.
وعلى الرغم من أن المراحل الخطيرة في مجاعة المغرب لم تستمر إلا أشهر عدة، فإن عامل المجاعة خلّف عشرات الآلاف من القتلى وفقًا للأرقام الرسمية التي أعلنتها السلطات الاستعمارية الفرنسية، ومئات الآلاف من القتلى حسب تقدير المعاصرين الذين شاهدوا نزوح قرى كاملة من مناطقها بحثًا عن الغذاء وهربًا من الأمراض، إذ تشير بعض المصادر إلى أن العاصمة المغربية الدار البيضاء استقبلت في أربعة أشهر فقط أكثر من 100 ألف نازح من المجاعة.
وعلى الرغم من تساقط مئات القتلى كل يوم في أثناء مجاعة المغرب، لم تتحرك القوات الفرنسية المحتلة لمحاولة إغاثة الناس والسماح بدخول المساعدات، وإنما احتفظ الجيش الفرنسي بمخازنه المملوءة بالطعام والمواد الطبية. ولم تتحرك فرنسا إلا لفرض القوانين التي تمنع نزوح السكان من القرى إلى المدن، وهو ما جعل سكان الريف محاصرين بين القوانين ونقص الغذاء، فوصل بهم الحال إلى ذبح الحيوانات مثل القطط والحمير والكلاب وأكلها، في ظاهرة غريبة ليست فقط عن المغاربة وإنما عن الإنسانية التي قتلها الإنسان وجلس مرتاح الضمير في ثكناته العسكرية ومكاتب الإدارات السياسية وقصور الرؤساء والزعماء.
مجاعة الصومال عام 1992 عندما دمرت الحرب الأهلية كل شيء
قد تكون دولة الصومال إحدى الدول التي مرت بالكثير من المجاعات بسبب ظروفها الطبيعية، إذ تعاني سيادة المناخ الصحراوي الجاف وندرة الأمطار، إضافة إلى كونها إحدى الدول قليلة الموارد وكثيرة الصراعات. لكن ما حدث للصومال عام 1992 تخطى كل المجاعات الطبيعية إلى إحدى أكبر الكوارث التي صنعها الإنسان في القرن العشرين، حين دخلت البلاد في دوامة من الحروب الأهلية بعد أن أطاح أمراء الحرب العشائريون برئيس البلاد «محمد سياد بري»، وهو الأمر الذي كان بداية لأحداث الكارثة.
لقد كانت مجاعة الصومال 1992 نتيجة مباشرة لانهيار الدولة وتدمير البنية التحتية، وعلى الرغم من أن بوادر المجاعة كانت قد بدأت منذ صيف عام 1990 عندما تعرضت البلاد لموجة من الجفاف الشديد، فإن ظروف الحرب الأهلية عام 1992 أدت بدورها إلى تدمير البنية التحتية الزراعية ونزوح السكان إلى مناطق الزراعة ما بين نهري جوبا وشبيلي، وهي المنطقة التي يعتمد عليها الصوماليون في إنتاج المحاصيل الغذائية.
من ناحية أخرى، فإن القوات المتحاربة قد تصارعت على السيطرة على مخازن الحبوب، وهو ما أدى إلى تدميرها مع الوقت، إضافة إلى تدمير المعدات والمضخات الزراعية نتيجة الحرب، وهو ما أدى في النهاية إلى توقف الزراعة في الصومال كليًّا. أضف إلى ذلك صعوبة وصول الإمدادات والإغاثات بسبب ظروف الحرب الأهلية، وهو ما أدى إلى ارتفاع رهيب في أسعار المواد الغذائية.
وبعد قليل، بدأ الغذاء يختفي تمامًا من معظم مناطق الصومال، وهو ما دعا الأمم المتحدة إلى طلب العون من البلدان الكبرى. حتى أعلن الصليب الأحمر في شهر مارس 1992 أن الصومال قد أصبحت المنطقة الأكثر احتياجًا في العالم، وأن المأساة قد وصلت إلى ذروتها.
وبعد مقتل نحو 300 ألف شخص نتيجة المجاعة في الصومال، بدأ المجتمع الدولي في التحرك، إذ وصلت قوات عسكرية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية إلى الصومال بناءً على قرار الأمم المتحدة الذي أُطلق عليه «حملة إعادة الأمل»، وذلك من أجل إيصال المساعدات والمواد الغذائية للسكان تحت الحماية العسكرية، وهو الأمر الذي قلّت معه وتيرة المجاعة، وعلى الرغم من أن الصراعات العسكرية والحرب الأهلية لم تتوقف. كما دقت مجاعة الصومال ناقوس الخطر في المنطقة التي أصبحت أكثر استعدادًا للكوارث والمجاعات في الفترات القادمة.
الدروس المستفادة: هل يتعلم العالم من التاريخ؟
لقد أدت هذه الكوارث الإنسانية إلى تطورات مهمة، أبرزها تأسيس منظمات دولية مثل برنامج الأغذية العالمي (WFP)، وترسيخ مبدأ أن استخدام التجويع كسلاح حرب هو جريمة حرب بموجب القانون الدولي. ومع ذلك، لا تزال التحذيرات قائمة في القرن الحادي والعشرين في مناطق الصراع حول العالم، ما يثبت أن دروس التاريخ مؤلمة ولكنها ليست دائمًا كافية لمنع تكرار المأساة.
وعلى الرغم من هذه النماذج المفزعة والأرقام المرعبة التي نقلناها في هذا المقال، فإنه توجد كثير من المجاعات التي شهدها القرن العشرين التي تسببت فيها الصراعات والحروب، وسقط خلالها مئات الآلاف من القتلى نتيجة سوء التغذية وقلة الرعاية الصحية وانتشار الأمراض، مثلما حدث في فيتنام عام 1945، ومثلما حدث في السودان عام 1998، وهو ما يوضح قدر الوحشية في المعارك والحروب التي تتجاهل تمامًا احتياجات البشر وحقوق الإنسانية.
في الختام، تُظهر لنا أسوأ المجاعات في القرن العشرين أن الجوع نادرًا ما يكون قضاءً وقدرًا، بل هو في معظم الأحيان قرار سياسي أو نتيجة مباشرة لوحشية الحرب. هذه القصص ليست تاريخ يُروى فحسب، بل هي جرس إنذار دائم بأن الأمن الغذائي حق إنساني أساسي، وأن استخدام التجويع سلاح هو جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم. فهل سنتعلم الدرس قبل أن يكتب التاريخ الإنساني مآسي جديدة؟
وفي نهاية المقال، نأمل أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.