متى تنتهي صراعات الآباء مع الأبناء؟

كثيرة هي الصراعات التي يخوضها الآباء والأمهات مع أبنائهم يوميًّا، من أجل حثهم على التصرف على نحو مقبول، وهو ما قد يزعج الأبناء ويجعلهم يغضبون ويحنقون على الوالدين.

قد يعود السبب في ذلك إلى تناقض الرغبات والحاجات لدى الطرفين، ففي الوقت الذي يرغب فيه الوالدان الحفاظ على النظافة الشخصية وترتيب البيت والتحدث بأدب وغيرها من القيم والأخلاقيات المقبولة.

فإن هذه الأشياء للأبناء ليست على القدر نفسه من الأهمية، فهم يرغبون في التصرف وفق أهوائهم ورغباتهم، وبذلك تحدث الخلافات والمشادات وتتطاير الأحذية والنعال في أرجاء البيت السعيد.

اسأل نفسك أولًا

إذا سألنا أنفسنا عدة أسئلة، من قبيل: كم عدد الأبناء الذين يرغبون بالاستحمام وحدهم دون أن يطلب منهم الأبوان ذلك؟ كم نسبة الأبناء الذين يبدؤون حديثهم عند الطلب: "من فضلك" أو "لو سمحت"؟ ماذا عن الأبناء الذين يرفضون غسل أسنانهم بالفرشاة والمعجون قبل النوم؟

وغيرها من الأسئلة التي تعبر عن صراعاتنا اليومية مع أبنائنا.

الحقيقة أن معظم الآباء يحاولون دفع أبنائهم نحو الانضباط والالتزام بالمعايير الاجتماعية التي يقبلها المجتمع، لمَ لا؟

والبيت هو المدرسة الأولى في حياة الطفل يتعلم فيها وبداخلها الأخلاق والقيم والعادات المقبولة في المجتمع الذي ينشأ ويترعرع فيه، كي قبله المجتمع عضوًّا، والأب هو ذاك المعلم الأول في حياة طفله، منه يتشرب العادات والتقاليد والقيم والأخلاقيات ويصير هو القدوة والنموذج الذي يُحتذى.

كلما كان الوالدان أكثر إصرارًا على أن يتشرب الأبناء هذه العادات والتقاليد والأخلاقيات المقبولة مجتمعيًّا، كان إصرار وعناد الأبناء على تحدي ذلك أكبر، فالأطفال يحاولون إطلاق العنان لرغباتهم وشهواتهم التي بكل تأكيد يعارضها المجتمع.

الطفل الذي يرفض أن يلعب أشقاؤه وأبناء عمومته بألعابه، في حين هو يعد كل ما تقع عليه عينه ملكًا له وحده، هو طفل أناني لا يحب سوى نفسه فقط، كيف له أن يكوِّن صداقات مع أقرانه؟ وكيف له أن يقيم علاقات اجتماعية وتفاعلات مع المحيطين به إذا كانت في مصلحته فقط؟

هذا يعني أنه يتعين على هذا الطفل التخلص من سلوك الأنانية، إذا أراد أن يكون عضوًا مقبولًا في مجتمعه، وإذا كانت العلاقات تقوم على المصالح، فيجب أن تراعى مصالح الغير، وليست مصلحتي الشخصية فحسب، كي يتمكن الآخرون من إقامة علاقات وتكوين صداقات معي.

عدوة أبنائها!

تقول إحدى الأمهات إن إصرارها على تكوين العادات والقيم الصحيحة والمقبولة مجتمعيًّا لدى أبنائها، جعلها عدوة لهم، يرفضون التحدث إليها، أو بث همومهم ومشكلاتهم إليها؛ كونها تأمرهم بأشياء لا يحبونها، وتمنع عنهم أشياء أخرى يرغبون في فعلها.

وكأن لسان حال الأبناء بنبرة كلها تحدٍّ: "سنفعل ما يحلو لنا". في المقابل تؤكد الأم أنه لن يحدث إلا ما تريده منهم، ما يؤجج الصراعات والخلافات مع الأبناء داخل البيت، بالتأكيد هذه أجواء مشحونة غير صحية بالمرة لإخراج طفل سوي.

وإذا كان من لوم، فاللوم والعتاب يقع على الآباء وليس الأبناء، فقد يكون الهدف نبيلًا والغاية مقبولة، ولكن الخطأ يكمن في الوسيلة التي توصلنا لهذه الغاية، وكما يقال "الشيطان يكمن في التفاصيل". لذلك على الآباء اختيار الوسائل المناسبة لتحقيق الأهداف التي يرغبونها، دون فرض أو إجبار الأبناء على ذلك.

ليس من المناسب إطلاقًا أن يدخل الآباء في صراعات مع أبنائهم، أو حتى يصلوا إلى هذه المرحلة شديدة الخطر من الشد والجذب، للدرجة التي تصل فيها العلاقة بين الطرفين إلى عداء كما تصفه إحدى الأمهات، وإلا فأخبروني كيف لشخص أن يسمع لنصيحة عدو أو من يتخذه عدوًا؟

الحب جوهر العلاقات

إن العلاقات الإنسانية عمومًا، والعلاقة بين الأبناء ووالديهم، إن لم تكن مغلفة بالحب، فسوف تضعف حتى تذبل؛ لأن الحب هو جوهر العلاقات الإنسانية، والمحب لمن يحب مطيع.

قد يسمع الأبناء كلام الآباء ليس خوفًا منهم أو من عقابهم إن هم خالفوا تعليماته، لكن حبًّا لهم، وحرصًا على حزنهم إن لم يقوموا بهذا التصرف، وهذا هو المطلوب في التربية.

أن يفعل أبناؤك ما تحب، ويتجنبوا ما تكره؛ محبةً لك وفيك، وليس خوفًا منك، فالاحترام والحب يدوم، والخوف لا يلبث أن يزول بمجرد أن يكبر الأبناء، فيصبح لهم كلمة وشأن، وقد يستغنون بالكلية عن الآباء خاصة في الحصول على الأموال التي تمكنهم من تلبية احتياجاتهم، بعد ما صار بإمكانهم العمل وكسب المال.

السؤال الآن: كيف أجعل أبنائي يتعاونون معي ويستجيبون لي؟

دعنا نبدأ من نقطة البداية، وهي أن تضع نفسك مكان ولدك، وأن تشعر بما يشعر به وهو يتلقى سيلًا من الأوامر والتعليمات والنواهي والمحظورات، واللوم والانتقادات، كيف سيكون شعورك حينها؟

بالتأكيد لقد مررت بهذه التجارب والخبرات عندما كنت طفلًا صغيرًا، ويكفي فقط أن تتذكر وقع تلك الأوامر والنواهي والانتقادات التي كنت تتلقاها من والديك عليك، لكي تشعر بما فيه ولدك اليوم.

لنكن واضحين، فالأبناء لا يقبلون توجيه الاتهامات من الوالدين، كأن يقول الأب لابنه: أنت غبي لا يمكنك حل واجباتك بنفسك، انظر إلى أخيك الأصغر وتعلم منه كيف يحل واجباته بنفسه دون أن يعتمد على أحد.

لذلك فالمعلومات هنا أكثر فائدة وأهمية من الاتهامات، فالابن قد يقبل منك أن تخبره بأنه يتعين عليه قراءة الدرس أولًا وفهمه جيدًا، ثم حل الواجبات عليه لكي تثبت المعلومة في عقله، وعندما تقف أمامه مسألة، وقتها تعالَ اشرحها لكن دون اتهامات بالغباء أو التقصير، أو بأفضلية أخيه عليه، حتى لا تزرع بذور العداوة والبغضاء بين الإخوة دون أن تشعر فتحصد ثمارها عندما يكبرون.

تقول مقولة جميلة "خير الكلام ما قل ودل". يحتاج الوالدان لتطبيق هذه المقولة مع أبنائهم، فكثير من الخلافات والمشادات تقع بسبب كثرة الكلام وتكراره حتى يمله الصغار.

فبدلًا من القول: لقد طلبت منك بدل المرة ألف مرة أن ترتدي ثيابًا أخرى غير تلك الثياب المتسخة، لماذا لا تسمع الكلام؟ هل يتعين عليَّ أن أكرر كلامي ألف ومئة مرة كي تنفذ ما أقوله؟ أم تنتظر أن أضربك؟ ماذا تريد بالضبط؟

أنت في غنى عن كل هذه المحاضرة الطويلة؛ لأنك يمكنك ببساطة أن توجزها في طلب بسيط موجز "من فضلك، غيِّر ملابسك المتسخة". الأبناء لا يحبون المحاضرات الطويلة، بل ويملون منها، ولا يكترثون بها؛ لذلك على الوالدين تخير الكلمات البسيطة الموجزة المعبرة عما يريد من الأبناء فعله.

وأنتم أعزائي القراء من الآباء والأمهات، شاركونا آراءكم في التعليقات أسفل هذه المقالة: كيف نجحتم في جعل أبنائكم يتعاونون معكم، ويستجيبون لطلباتكم؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة