تثير متلازمة داون تساؤلات عدة لدى الآباء والمربين والمختصين على حد سواء، عن أسبابها الدقيقة وكيفية اكتشافها مبكرًا. في هذا المقال الشامل، نستعرض بعمق طبيعة هذا الاضطراب الخلقي الناتج عن المادة الوراثية الإضافية، ونوضح أنواعه المختلفة وعلاماته الجسدية والمعرفية. ونقدم [معلومات قيمة عن معدلات الإصابة العالمية وأحدث طرق التشخيص المبكر، إضافة إلى أساليب الرعاية المثلى للأطفال المصابين، لضمان حياة أفضل لهم.
ما هي متلازمة داون؟
متلازمة داون هي اضطراب خِلقي ناتج عن وجود مادة وراثية إضافية من الكروموسوم 21 في الجينوم البشري. قد يرث الفرد المصاب جزءًا إضافيًا من الكروموسوم 21 أو نسخة إضافية كاملة من الكروموسوم 21، وهي حالة تُعرف باسم التثلث الصبغي 21. وصف الطبيب البريطاني جون لانجدون داون السمات الجسدية لمتلازمة داون المرة الأولى في عام 1866، ولذا سُمي الاضطراب باسمه لاحقًا.

علامات متلازمة داون
تتراوح الآثار الجسدية والمعرفية لمتلازمة داون بين الخفيفة والشديدة، وتشمل بعض العلامات الجسدية الشائعة للاضطراب:
- صغر الرأس
- تسطح الوجه
- قصر الرقبة
- ميل العينين للأعلى
- انخفاض موضع الأذنين
- تضخم اللسان والشفتين
- انحدار أسفل الذقن.
وقد تشمل الخصائص الأخرى للاضطراب ضعف العضلات، وتشوهات القلب أو الكلى (أو كليهما)، وأنماط غير طبيعية من الخطوط الجلدية على راحتي اليدين وباطن القدمين.
وتحدث الإعاقة الذهنية لدى جميع الأشخاص المصابين بمتلازمة داون، وعادةً ما تتراوح بين الخفيفة والمتوسطة، وتوجد أمراض القلب الخلقية لدى نحو 40 - 60% من المصابين بمتلازمة داون.
أنواع متلازمة داون.. التثلث الصبغي 21 والفسيفسائية والانتقالية
لمتلازمة داون 3 أنواع:
التثلث الصبغي 21
وهو النوع الأكثر شيوعًا، فتحتوي جميع خلايا الفرد على ثلاث نسخ من الكروموسوم 21، بدلًا من نسختين. والكروموسوم الإضافي الذي حدَّده عالم الوراثة الفرنسي «جيروم جان لويس» عام 1959، هو نتيجة أحداث عشوائية وغير طبيعية في انقسام الخلايا تحدث في أثناء التطور الجنيني أو في أثناء نمو البويضة أو الحيوان المنوي. ويؤدي وجود الكروموسوم الإضافي في الخلايا إلى ظهور علامات وأعراض متلازمة داون.

متلازمة داون الفسيفسائية
وهي نوع نادر من الاضطراب، وتحتوي بعض خلايا الشخص فقط على نسخة ثالثة من الكروموسوم. ونظرًا لوجود بعض الخلايا التي تحتفظ بالكروموسومات الـ 46 الطبيعية، فإن بعض جوانب الاضطراب، مثل الإعاقة الذهنية، لا تكون بالشدة نفسها لدى الأشخاص المصابين بمتلازمة داون الفسيفسائية مقارنةً بالأشخاص المصابين بالتثلث الصبغي 21.
متلازمة داون الانتقالية
وهو النوع الثالث، عندما ينفصل الكروموسوم الإضافي في الزوج 21 ويلتصق بكروموسوم آخر. ومتلازمة داون الانتقالية هي النوع الوحيد الذي قد يُورث، إذ يمكن للوالد الذي يمتلك انتقالًا متوازنًا -إعادة ترتيب للكروموسومات بدون أي مادة وراثية إضافية من الكروموسوم 21- أن ينقل الانتقال إلى نسله، لكن لا تظهر على حاملي الانتقالات المتوازنة علامات أو أعراض الاضطراب، وتتعرض الأمهات الحاملات للانتقال لخطر نقل إعادة الترتيب الجيني إلى نسلهن بنسبة تتراوح بين 10% و12%، في حين يتعرض الآباء الحاملون للانتقال لخطر انتقال بنسبة 3%.
معدل الإصابة بمتلازمة داون وعوامل خطر التشخيص
تحدث متلازمة داون بنسبة 1 من كل 700 إلى 1100 ولادة حية تقريبًا. ويزداد معدل الإصابة بهذا الاضطراب على نحو ملحوظ لدى أطفال النساء فوق سن 35 عامًا. على سبيل المثال، يقل معدل الإصابة بهذا الاضطراب لدى أطفال النساء دون سن 30 عامًا عن 1 من كل 1000، في حين يتراوح معدل الإصابة لدى أطفال النساء فوق سن 40 عامًا بين 1 من كل 100 و1 من كل 30. إضافة إلى ذلك، فإن النساء اللاتي أنجبن طفلًا مصابًا بمتلازمة داون لديهن احتمال بنسبة 1% لإنجاب طفل ثانٍ مصاب بهذا الاضطراب.
التشخيص المبكر لمتلازمة داون.. فحوص ما قبل الولادة
ويمكن الكشف عن معظم حالات متلازمة داون بفحص الموجات فوق الصوتية وتحليل الدم التي تُجرى بين الأسبوعين الحادي عشر والرابع عشر من الحمل.
في الحالات التي يُشتبه فيها بمتلازمة داون، ويمكن تأكيد الإصابة بالاضطراب باستخدام بزل السلى أو أخذ عينة من الزغابات المشيمية. في هذه الاختبارات التشخيصية، تُؤخذ عينات من خلايا الجنين من السائل الأمنيوسي أو من مشيمة الأم، وتُحلل للكشف عن وجود أي كروموسوم غير طبيعي. لكن، نظرًا لخطورة هذه الإجراءات، فإنها ترتبط بزيادة خطر الإجهاض.

ويتوافر أيضًا فحص ما قبل الولادة غير الباضع (NIPT) للكشف المبكر عن متلازمة داون. خلال الحمل، تدخل أعداد صغيرة من خلايا الجنين إلى الدورة الدموية للأم.
ويمكن تحليل عينات دم الأم التي تُجمع بعد الأسبوع العاشر من الحمل، باستخدام أجزاء مُصممة خصيصًا من الحمض النووي (DNA)، تُعرف باسم المسابير، وهي قادرة على التعرف على الحمض النووي للجنين الحامل للكروموسوم الإضافي المرتبط بمتلازمة التثلث الصبغي 21 والارتباط به. ولأن هذه المسابير مُوسومة بعلامة جزيئية (مثل جزيء فلوري أو مشع)، يُمكن اكتشاف خلايا الجنين الحاملة للكروموسوم الإضافي بسهولة في التحليل المختبري.
رعاية الأشخاص المصابين بمتلازمة داون
بفضل الرعاية الطبية الحديثة، يعيش كثير من المصابين بمتلازمة داون حتى سن البلوغ، على الرغم من أن متوسط أعمارهم المتوقع أقصر مقارنةً بالبالغين العاديين، نظرًا لإصابتهم بحالات الشيخوخة التنكسية قبل الأوان، في حين يصل متوسط عمر البالغين العاديين نحو 60 عامًا.
وتشمل المضاعفات المرتبطة بمتلازمة داون عيوبًا قلبية محفوفة بالخطر لا يمكن علاجها جراحيًّا، وعدوى مثل الالتهاب الرئوي، وسرطان الدم، ومرض ألزهايمر المبكر. وبناءً على شدة الإعاقة الذهنية، قد لا يتمكن بعض المصابين بمتلازمة داون من إعالة أنفسهم. ومع ذلك، يمكن تعليم الغالبية منهم الإسهام المفيد في المنزل أو في بيئة عمل أو معيشة محمية بعد بلوغهم.
لا توجد أدوية مصممة لعلاج متلازمة داون، نظرًا لقلة المعلومات المتوافرة عن الآليات الجزيئية الدقيقة التي تُسبب أعراض هذا الاضطراب. ومع ذلك، استكشف العلماء كثيرًا من الخيارات العلاجية المحتملة لمتلازمة داون.
وشملت الدراسات على الحيوانات حقن مواد كيميائية في مناطق محددة من الدماغ، وهي المخيخ أو الحُصين، لدى فئران حديثة الولادة مصابة بمتلازمة داون. وراقب العلماء بعد ذلك الحيوانات بحثًا عن تحسينات وظيفية في التعلم والذاكرة، واستكشفوا إمكانية استخدام تعديل الجينات في الحيوانات والخلايا البشرية للتخلص انتقائيًا من نسخ زائدة كاملة من الكروموسوم 21.
تمثل متلازمة داون تحديًا وراثيًا معقدًا، لكن التقدم الطبي والوعي المجتمعي أسهما في تحسين حياة المصابين بها، وفي حين لا يتوافر علاج نهائي حاليًا، فإن الأبحاث العلمية الحديثة تبشّر بإمكانات جديدة، ما يمنح الأمل في تعزيز قدرات المصابين ودمجهم في المجتمع بنجاح.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.