متلازمة التصاحب الحسي: كيف يتذوق بعضنا الكلمات ويشمون الألوان؟

متلازمة التصاحب الحسي واحدة من أكثر الظواهر العصبية إثارة للجدل والفضول في الأوساط العلمية والأدبية على حد سواء، تمثل هذه الحالة الفريدة نوعًا من تداخل الحواس، فيختبر المصابون بها اندماجًا غير مألوف يجعلهم يرون النغمات الموسيقية كألوان نابضة بالحياة، أو يتذوقون الكلمات المقروءة بنكهات ملموسة. 

في هذا المقال الشامل، سنغوص في أعماق التركيبة العصبية لأصحاب متلازمة تداخل الحواس، مستعرضين تجارب حية لشهادات واقعية، ومحللين الجذور التاريخية والإحصاءات العلمية التي تحول هذه الحالة من اضطراب متخيل إلى هبة إبداعية استثنائية تفتح آفاقاً جديدة لفهم العقل البشري.

هل يمكنك تخيل أن يكون لصوت مغنيك المفضل ملمس «سترة ضيقة باردة ورطبة»، أو أن تشعر بطعم «الفلفل الأحمر الحار» حين قراءة مسرحية لشكسبير؟ 

قد تبدو هذه الأوصاف ضربًا من الخيال الأدبي، لكنها في الواقع توثيق لتجارب واقعية يعيشها أشخاص يمتلكون تركيبة عصبية فريدة تنتمي إلى ظاهرة تُعرف بـ «التصاحب الحسي» أو «تداخل الحواس» (Synesthesia).

وتختلف تركيبة الدماغ ووظائفه لدى المصابين بهذه الحالة العصبية باختلافات هيكلية واسعة النطاق وفقًا لـدراسة علمية منشورة في منصة PubMed، ما يثبت أن المصابين بها يمتلكون مسارات عصبية مترابطة فيزيائيًّا حقيقيًّا وليس تهيؤات أو تخيلات نفسية عابرة، وهي هبة عصبية تفتح أمامنا أبوابًا جديدة لفهم أعمق لآلية عمل الدماغ البشري وقدراته غير المحدودة.

ما هو التصاحب الحسي (Synesthesia)؟

التصاحب الحسي (ويُعرف أيضًا بالحس المرافق أو التوحد الحسي) هو حالة عصبية مزمنة وتلقائية، تتمثل في اتحاد لا إرادي للحواس الخمس. 

في هذه الحالة، يقوم الدماغ بتوجيه المعلومات الحسية عبر مسارات متعددة غير مترابطة في آنٍ واحد؛ فتنبه حاسة معينة يؤدي تلقائيًا إلى استجابة في حاسة أخرى.

يتجلى هذا التشابك بطرق متعددة؛ فقد يرتبط الملمس بالبصر، أو ترتبط الروائح والمذاقات بالموسيقى، وهو ما يجعل العالم للمصابين بهذه الحالة تجربة غنية ومعقدة تتجاوز الإدراك البشري المعتاد، حيث تتشابك الإشارات العصبية لتخلق واقعًا موازيًا يضج بالحياة.

ومن أكثر الأشكال شيوعًا ربط الأشياء الروتينية كالحروف والأرقام والأشهر بألوان محددة، بحيث يرى المصابون بهذه المتلازمة الألوان عند سماع الأصوات، ويشمون الضوضاء، ويتذوقون الأشكال والنكهات عند التفكير في الأرقام.

التصاحب الحسي حالة عصبية تربط الحواس بتجارب إدراكية متداخلة ومعقدة

تجارب حية من عالم «الحس المرافق»

تقول الكاتبة والمخرجة (جولز جرين):

«صوت غناء المجموعة في أغنية «شكلك» للمغني إد شيران لا يروق لي؛ لأنني أشعر أنه كسترة ضيقة باردة ورطبة تضغط على ذراعيَّ، إنه حقًا إحساس غير مريح».

«في الصف العاشر بالمدرسة كنتُ أُجبر نفسي على الانتهاء من قراءة رواية «1984» للكاتب جورج أورويل؛ لأنها تجعلني أسمع أغنية «مرغوبة» للمغنية إيجي أزاليا في كل مكان بمنزلي، وبسبب ضيقي من الأغنية كنت أشعر أنها كلطخات من الطين على جدران المنزل، لذا ليس من الغريب أنني كنت في مزاج عكر طول الوقت.

وقد جرى رصد وتأكيد عدد من هذه الأوصاف الحسية الاستثنائية التي تتداخل فيها الحواس تلقائيًّا وفقًا مقال توثيقي للكاتبة جولز جرين على منصة Medium الذي يظهر بدقة التداخل الحسي المعقد والمستمر بين قراءة الأعمال الأدبية والمشاعر الجسدية الملموسة.

تؤكد هذه الأوصاف الدقيقة أن تداخل الحواس ليس مجرد خيال أدبي، بل هو تفاعل عصبي مادي يفرض نفسه بقوة على الحالة المزاجية والنفسية للشخص، ما يجعل بعض الأعمال الفنية أو الأدبية مصدرًا للانزعاج الجسدي المباشر.

من ناحية أخرى، فإن رواية «فرانكنشتاين» للكاتبة الإنجليزية ماري شيلي طعمها يشبه الفاكهة المجففة، وعندما أستمع إلى أغنيتي المفضلة «احتفال» لفرقة نيو أوردر أرى عاصفة ثلجية شتوية، وأشعر بوخزة خفيفة على خدي، وكأنها من رياح باردة».

«إيقاع أغنية «تعرق الدم والدموع» لفرقة (بي تي إس) هو شريط أحمر من قماش الساتان يتحرك مع الإيقاع، أما صوت آلة الساكسفون في أغنية «همسة مهملة» للمغني (جورج مايكل) فيبدو وكأنه بطانية تلتف حولي».

هذا المزج العجيب بين السمع والملمس والبصر يؤكد أن الدماغ البشري يمتلك قدرة فائقة على ترجمة الترددات الصوتية إلى تجارب بصرية وملموسة، تخلق واقعًا موازيًا يعيشه الفرد بكل تفاصيله الدقيقة.

«منذ كنت طفلة وأنا مولعة بالقراءة، ويمكن القول إنني كنت جائعة للكلمات، ويمكن أن يُفسَّر هذا أيضًا جزءًا من افتتاني بشكسبير، فمزج الكلمات وترتيبها بشكل معين يخلق لديَّ إحساسًا مختلطًا بتذوق عصير «السموذي»، وقد يكون هذا لأنني أقرأ بسرعة شديدة، أنا لا أفهم حقًا كيف يحدث ذلك، أما قراءة مسرحية «ماكبث» فتجعلني أشعر بمذاق الفلفل الأحمر الحار».

كانت تلك أجزاءً من مقال للكاتبة والمخرجة (جولز جرين) بمدونة (ميديام). وعلى الرغم من أن المقال يبدو وكأنه من خيال الكاتبة، فإنه في واقع الأمر يوثِّق تجارب شخصية واقعية تمامًا. من المدهش أن جولز جرين ليست وحدها التي تشعر بهذه الأحاسيس الغريبة، فكثيرون غيرها يواجهون تجارب أكثر غرابة.

نشرت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» في 20 فبراير (شباط) عام 2012 لقاءً مع (ليلى دايتون)، التي حكت تجربتها قائلة: «أول شخص اكتشف سرِّي كانت أختي، كنتُ قد قلتُ لها في محادثة هاتفية روتينية: أتعرفين عندما يخبرك شخص ما قصةً، ويحصل لك هذا الشعور المذهل في فروة رأسك، كأن كلماته تدلِّك عقلك؟ يمكنني أن أتخيَّل وجهها المندهش وهي تقول: ماذا؟ هل أنتِ مجنونة؟ لستُ متأكدة من سبب انتظاري حتى أصبحتُ في العشرينيات من عمري لأخبر أحدًا أنني أشعر بدغدغة في رأسي عند سماع أصوات معينة، ربما كنتُ أفترض دائمًا أن ذلك يحدث للجميع، أو ربما لأن ذلك الشعور كان حميميًا للغاية، إنه كما لو أن جرسًا يرن، أو صوت نغمات البيانو، أو همسة من شخص يلمسني حرفيًا».

وقد أشار مقال في موقع لوس أنجلوس تايمز (Los Angeles Times) إلى تجربة ليلى دايتون، موثقاً كيف يتفاعل دماغها جسديًّا مع محفزات صوتية روتينية لتوليد إحساس ملموس في فروة الرأس يشبه التدليك الفيزيائي.

أما (كيلي كيلر)، مديرة تحرير موقع (ديزاين سبونج)، فتحكي تجربتها الشخصية قائلة: «اسمي بالنسبة لي لونه أصفر، وهذا لأن الحرف الأول من اسمي أصفر في دماغي، وبالتالي فهو يلوِّن بقية اسمي باللون الأصفر، الرقم (1) أزرق اللون، والرقم (2) أحمر، و(3) أخضر، أما أغنية «أوز طريق بيفرلي» لفرقتي المفضلة (ذي ناشيونال) فهي مزيج من الألوان الخضراء الزمردية العميقة وبقع ذهبية، وهذه الألوان ترقص في عقلي، في وعيي وشعوري، عندما تتبادر الأغنية إلى ذهني أو أقرأ كلماتها أو أشاهدها.

غالبًا ما يُطرح عليَّ سؤال يتعلق بالموسيقى وكيف تتداخل مع الألوان في ذهني، وأفضل طريقة لشرح ذلك هي تشبيه هذه التجربة بشاشة التوقف على جهاز الكمبيوتر عندما تتركه مدة دون استخدام، حيث تظهر رسوم متغيرة الألوان على خلفية سوداء، ويبدو الأمر كشيء من هذا القبيل.

يحدث هذا عندما أستمع إلى الموسيقى، أو ببساطة إذا كانت هناك أغنية عالقة في رأسي، وأشعر بالراحة أكثر مع الأغاني أو النغمات التي تجعل الألوان التي تظهر لي خضراء داكنة وزرقاء وأرجوانية، وتلك هي الأغاني التي أعود لسماعها مرارًا وتكرارًا، لكنني لست متيقِّنة من السبب».

كل ما سبق، على الرغم من غرابته، هو تجارب يومية حقيقية يعيشها أشخاص من حولنا، وربما تزداد دهشتك إذا علمت أن تلك التجارب متغيرة للغاية من شخص إلى آخر؛ فأحدهم يقول إن بإمكانه رؤية الصوت أو لمسه، وآخر يسمع صوت بوق سيارة في كل مرة يأكل فيها تفاحة، وثالث يتحول العالم أمامه إلى اللون البرتقالي عندما يسمع تغريد طائر.

هؤلاء الناس مصابون بما يُسمى «الحس المرافق»، وهي حالة عصبية تتمثل في أن حاستين أو أكثر من الحواس الخمس تكون متشابكة معًا.

الجذور التاريخية لمتلازمة التصاحب الحسي

أقدم حالة مُسجَّلة للحس المرافق ترجع إلى الأكاديمي والفيلسوف بجامعة أوكسفورد (جون لوك) الذي قدَّم تقريرًا عام 1690 عن رجل أعمى قال إنه رأى اللون القرمزي عندما سمع صوت البوق، وفي الواقع هناك خلاف حول ما إذا كان (لوك) قد وصف حالة فعلية من الحس المرافق، أو أن العبارة وردت على سبيل الاستعارة.

وعمومًا، فإن أول حالة مثبتة للحس المرافق كانت موثقة على يد الطبيب الألماني (جورج توبياس لودفيغ ساكس) عام 1812.

يعتقد العلماء أن الحس المرافق حالة تصيب واحدًا من كل 25 شخصًا، أي إنها حالة شائعة جدًا، برغم كونها غير متداولة في أحاديثنا، ثم إن المصابين بالحس المرافق من النساء يزيدون ثلاثة أضعاف على الرجال، ويبدو أنه متوارث؛ إذ وُجد أنه ينتقل من جيل إلى آخر داخل العائلة نفسها.

وقد ساعدت التطورات الحديثة في تقنيات تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي الوظيفي في إثبات هذه الإحصائيات، حيث تم رصد نشاط فعلي وملموس في مناطق متعددة من الدماغ في نفس اللحظة عند تعرض هؤلاء الأشخاص لمؤثر حسي واحد.

الحس المرافق ظاهرة شائعة وراثية مثبتة بتقنيات تصوير الدماغ الحديثة

حقائق وإحصائيات: هل هو مرض أم هبة؟

يعتقد العلماء اليوم أن التصاحب الحسي حالة شائعة بشكل غير متوقع، حيث تصيب شخصًا واحدًا من بين كل 25 شخصًا، وتنتشر بين النساء بمعدل يزيد بثلاثة أضعاف مقارنة بالرجال. كما تشير الدراسات إلى أن المتلازمة ذات عامل وراثي، إذ تنتقل غالبًا من جيل إلى آخر داخل العائلة نفسها.

إحصائيات سريعة عن متلازمة التصاحب الحسي

  • نسبة الانتشار: 1 من كل 25 شخصًا.
    الجنس الأكثر إصابة: النساء (3 أضعاف الرجال).
    الطبيعة: حالة عصبية وراثية ومزمنة.

وقد أشارت دراسة في موقع المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية - NCBI إلى أن متلازمة التصاحب الحسي قابلة للقياس عبر بطاريات اختبار معتمدة، وأن نسبة انتشارها بين السكان تتوافق مع التقديرات العلمية المستقرة، مؤكدة أنها حالة موثقة وعصبية بامتياز وليست ناتجة عن اضطرابات عقلية.

في الماضي، كان يُنظر إلى المصابين بالتصاحب الحسي على أنهم يعانون من الجنون أو الهلوسة. أما اليوم، فقد أثبت العلم الحديث أنهم أصحاء تمامًا. والمثير في الأمر أن أغلب المصابين بهذه الحالة لا يعدونها مرضًا ولا يبحثون عن علاج أو شفاء منها؛ فبعد أن قضوا طفولتهم يظنون أن الجميع يرى العالم بالطريقة نفسها، باتوا يدركون اليوم أنهم يمتلكون «حاسة سادسة» فريدة، وهبة استثنائية لا يريدون خسارتها.

ويرى بعض العلماء أن حالة الحس المرافق قد تكون مفيدة للبشرية بصورة أو بأخرى، وأن دراسة هذه الحالة والوقوف على أسباب حدوثها قد يساعدان العلماء على فهمٍ أفضل لكيفية عمل العقل البشري.

تظل متلازمة التصاحب الحسي أو ما يُسمى تداخل الحواس واحدة من أروع الأسرار التي يحتفظ بها الدماغ البشري في طياته المعقدة. إنها تذكرنا دائمًا بأن الواقع الذي نعيشه ونختبره ليس نسخة ثابتة وموحدة للجميع، بل هو طيف واسع من التجارب الملونة والممتزجة التي تختلف جذريًا من شخص لآخر.

وباستمرار البحث العلمي المتعمق في هذا المجال العصبي الدقيق، قد نتمكن يومًا ما من فك شفرة هذا التشابك الحسي، مما سيعزز بلا شك فهمنا لتعقيدات العقل البشري ويفتح آفاقًا علاجية وإدراكية جديدة في مجالات الطب النفسي والعصبي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.