متلازمة الألم العصبي العضلي.. علاج الألم النفسي والجسدي بالكتابة

العلاقة بين العقل والجسد لها قوانين معقدة، فكما أن الطعام يأخذ دورة مدروسة داخل الجسم، فإن المشاعر تأخذ دورتها في العقل أيضًا. لكن ماذا يحدث عندما تُكبَت هذه المشاعر؟ إن ما نسميه الألم الجسدي المزمن قد لا يكون دائمًا بسبب مشكلة عضوية، بل قد يكون تجسيدًا للمشاعر المكبوتة.

في هذا المقال، نكشف العلاقة بين الألم النفسي والجسدي بقصة ملهمة، ونستعرض كيف يمكن للعلاج بالكتابة أن يكون وسيلة فعالة في علاج الآلام المزمنة دون أدوية.

متلازمة التوتر العصبي العضلي (TMS)

متلازمة التوتر العصبي العضلي (TMS) تُعرف طبيًّا بأنها حالة ينشأ فيها الألم الجسدي المزمن نتيجة الضغوط النفسية والمشاعر المكبوتة. والسبب العلمي لذلك أن العقل الباطن عندما يواجه مشاعر قوية مثل الخوف والتوتر فإنه يحولها إلى ألم جسدي؛ حتى يلهي المخ عن الألم النفسي.

 

العقل هنا يتعامل مع المشاعر الصعبة -مثل الغضب، الخوف، الإحباط- كما لو كانت خطرًا كبيرًا على الإنسان، فيحوِّلها إلى أعراض بدنية لإبعاد الانتباه عن الألم النفسي. وقد أطلق على هذه الظاهرة أخصائيون في الطب النفسي اسم الوجع النفسي الجسدي (Psychosomatic Pain).

قصة نيكول ساكس رحلة شفاء من الألم المزمن

نيكول ساكس فتاة في التاسعة عشرة من عمرها، كانت تعاني آلامًا مزمنة في الظهر، أجمع الأطباء على أن حالتها مستعصية، وأنها سوف تعيش حياتها كلها ما بين الأدوية والعمليات الجراحية. لكن نيكول لم تستسلم، وقررت أن تبحث عن علاج لحالتها.

تغيرت حياة نيكول عندما قابلت طبيبًا يُدعى دكتور جون سارنو (Dr. John Sarno) كان يتحدث عن متلازمة التوتر العصبي العضلي (TMS)، وأن كثيرًا من مشاعر الخوف والتوتر والحزن يمكن أن تُترجم في الجسد في صورة آلام جسدية.

اكتشفت نيكول أن ما تعانيه ليس عيبًا في ظهرها فقط، بل هو تعبير عن صراعاتها الداخلية. ومن هنا بدأت رحلة العلاج، ليست بالأدوية أو العلاج، بل عبر ما تسميه JournalSpeak وهي أن تخصص ثلاثين دقيقة في اليوم، منها عشرون دقيقة تقوم فيها بـكتابة المشاعر السلبية.

وبدأ الألم يتلاشى شيئًا فشيئًا إلى أن تعافت تمامًا، ولم تقضِ حياتها ما بين المسكنات والعمليات الجراحية كما أخبرها الأطباء، بل وهي الآن في الثانية والخمسين من عمرها، رياضية جدًا، وأم لثلاثة أطفال، وتعيش حياتها بصحة جيدة، وأصبحت ملهمة لكثير من الناس، وكتبت كتاب (The Cure for Chronic Pain) تتحدث فيه عن تجربتها.

العلاج بالكتابة للتعبير عن المشاعر

تُعد الكتابة العلاجية وسيلة فعالة لـعلاج الآلام المزمنة دون أدوية. وهي تعتمد على التعبير عن المشاعر السلبية التي تُسبب الألم النفسي وأعراضه الجسدية.

الكتابة العلاجية

تقول نيكول ساكس في كتابها إن المشاعر السلبية تمر بعدة مراحل: مشاعر سلبية، ثم تُختزن وتتحول إلى مشاعر مكبوتة، ومن ثم تبدأ تفاعلات جسدية، مثل إفراز هرمون الكورتيزول، وهرمونات الألم، ومن ثم التمثيل الجسدي أي الوجع العضوي.

ويمكن أن تواجه مقاومة في أثناء التعبير عن مشاعرك المكبوتة مثل أن يزداد الألم الجسدي، أو أن يحاول المخ إقناعك أنه لا فائدة من التعبير عن الوجع، أو يحاول إقناعك أن ما تفعله ما إلا إضاعة للوقت، أو أن التعبير عن الألم يدل على ضعفك.

فقط كل ما عليك أن تتجاهل كل تلك الأفكار، وتبدأ بالكتابة، وإذا وجدت حرجًا في التعبير عن مشاعرك، فما عليك إلا أن تكتب أسئلة وتجيب عنها، مثل: لماذا أشعر بالألم؟ ما السبب وراء حزني اليوم؟ هل الأمر يستحق كل هذا؟ هذه الأسئلة ستساعدك على التعبير، ومن ثم تتخلص من الورقة التي كتبتَ فيها مشاعرك.

كيف تمارس الكتابة العلاجية (JournalSpeak)؟

لتطبيق طريقة الكتابة العلاجية لنيكول ساكس بفعالية، اتبع الخطوات التالية:

  1. خصص وقتًا ومكانًا: اختر 20-30 دقيقة يوميًا في مكان هادئ لن يزعجك فيه أحد.

  2. اكتب بحرية مطلقة: اضبط مؤقتًا مدة 20 دقيقة، واكتب دون توقف عن كل ما يثير قلقك، غضبك، حزنك، أو خجلك. لا تفكر في القواعد الإملائية أو النحوية، فقط أفرغ ما في عقلك على الورق.

  3. كن صريحًا وقاسيًا: لا تجمل مشاعرك. اسمح لنفسك بالتعبير عن الأفكار الطفولية، الأنانية، أو "السيئة". الهدف هو إخراج هذه الطاقة المكبوتة.

  4. تخلص من الورقة: بعد انتهاء الوقت، مزِّق الورقة أو حذف الملف. الهدف ليس الاحتفاظ بمذكرات، بل التخلص من هذه المشاعر بشكل رمزي.

من صدمات الحرب إلى اضطراب التحويل

وليس الأمر مقتصرًا على نيكول ساكس فقط، فالتاريخ ممتلئ بأمثلة مشابهة، ففي أثناء الحرب العالمية الأولى، كان الأطباء يستقبلون عشرات الجنود الذين عادوا من ساحة القتال وهم يعانون من أعراض غريبة: بعضهم أصيب بشلل كامل في الساقين أو الذراعين. بعضهم فقد بصره فجأة من غير إصابة عضوية. آخرون أصيبوا برعشة شديدة أو نوبات أشبه بالصرع.

كانت الفحوصات الطبية دائمًا تُظهر أن أجسامهم سليمة، بلا إصابات في الأعصاب ولا تلف في الأعضاء. ومع ذلك، لم يكن الجنود قادرين على الحركة أو الرؤية. الأطباء أطلقوا على هذه الحالة وقتها اسم صدمة القذيفة (Shell shock)، لكننا نعرفها اليوم في الطب النفسي باسم اضطراب التحويل (Conversion Disorder).

فالعقل، تحت ضغط الخوف والرعب وصدمات الحرب، لم يجد مفرًا سوى أن يحوِّل المعاناة النفسية إلى أعراض جسدية تعبر عنها. وبعد أن خضع هؤلاء الجنود لجلسات علاج نفسي، واستطاعوا التحدث عن صدماتهم ومشاعرهم المكبوتة، بدأت وظائفهم الجسدية تعود تدريجيًا. بعضهم تحسَّن حتى عاد للمشي بعد أن كان مشلولًا تمامًا.

أعراض الألم النفسي الجسدي

يُعد الألم النفسي الجسدي ظاهرة شائعة، وتظهر في صورة أعراض جسدية، ومنها:

  • آلام مزمنة في الظهر والرقبة والكتفين.

  • صداع نصفي متكرر أو صداع ضاغط حول الرأس.

  • اضطرابات القولون العصبي ومشكلات في الهضم.

  • شد عضلي وتنميل أو وخز في الأطراف.

  • إرهاق عام وصعوبة في النوم.

إن كثيرًا من أمراض المعدة والقولون والظهر ليست إلا بسبب المشاعر المكبوتة التي تأكلنا من الداخل. فكثير من الناس يجدون حرجًا في التعبير عن مشاعرهم السلبية، ويعدونها ضعفًا حتى تتخزن في الجسد، لتتحول إلى ألم عضوي يصعب شفاؤه.

أعراض الألم النفسي الجسدي

ولكي تتخلص من آلامك الجسدية المتعلقة بالألم النفسي ما عليك إلا أن:

  • العلاج النفسي: مثل العلاج المعرفي السلوكي، أو الكتابة العلاجية (JournalSpeak). وهي تخصيص ثلاثين دقيقة من يومك، منها عشرون دقيقة في كتابة مشاعرك السلبية، وعشر دقائق في التخلص من الورقة -كما هو مذكور في كتاب mind your body للكاتبة الأمريكية نيكول ساكس.
  • العلاج الجسدي: تمارين استرخاء، يوغا، علاج طبيعي.
  • نمط الحياة: نوم منتظم، ممارسة الرياضة، تقليل الكافيين.
  • التعبير عن المشاعر: أهم خطوة هي السماح للنفس بالتفريغ والتعبير بدل الكبت.

إن الألم الجسدي لا يكون دائمًا نتيجة خلل عضوي، بل قد يكون نتيجة لصراعاتنا الداخلية ومشاعرنا المكبوتة. فهم العلاقة بين العقل والجسد يمنحنا طريقًا جديدًا للعلاج، يركز على تحرير النفس من الضغط النفسي بدلًا من الاكتفاء بالمسكنات. التعبير عن المشاعر، والتوازن في نمط الحياة، واللجوء للعلاج النفسي والجسدي، كلها خطوات قادرة على إعادة الصحة والطمأنينة للجسد والعقل معًا.

في النهاية، تعلمنا قصة نيكول ساكس وتاريخ الطب النفسي أن الجسد لا ينسى، إن الألم النفسي الجسدي ليس وهمًا، بل هو لغة يتحدث بها الجسد عندما يعجز العقل الواعي عن التعبير. بأدوات سهلة وقوية مثل العلاج بالكتابة، يمكننا أن نفتح حوارًا مع أنفسنا، ونطلق سراح المشاعر المكبوتة، ونبدأ رحلة حقيقية نحو علاج الآلام المزمنة دون أدوية. إن الشجاعة لمواجهة ما بداخلنا هي الخطوة الأولى نحو استعادة صحتنا وعافيتنا الكاملة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.