مترو مصر الجديدة، المسوق العقارى الأول فى مصر

منذ فترة غير طويلة، دبت حركة غير عادية في شارعنا الهادئ، لإعادة رصف و توسعة الشارع، الواسع و الغير محتاج لأي أضافات. جيوش من العمال تجوب الشارع، تُكسر الرصيف، و تنزع طبقة الأسفلت، و أنا و الله لا أري سبباً، لكن ما أدخل الحزن علي قلبي، أنهم نزعوا تماماً قضبان المترو، أخر أثر لمترو مصر الجديدة، و ألغوا مساره تماماً، و لله الحمد تمت توسعة الشارع، الواسع جداً من الأساس.

مترو مصر الجديده له ذكريات مع كل ساكني مصر الجديدة، خصوصاً من منهم فوق الأربعين، لا يوجد منهم من لم يركبه، أو من لا يحمل له عشرات الذكريات، و المعروف أن أغلب الدول تحتفظ بخطوط المترو القديمة، بل و تشتري عربات جديده ليها، لأنها تعتبره جزء من تراث البلد، فمن منا حد لم يسمع عن ترام سان فرنسيكو، و بالمناسبة فالمترو و الترام مسميين لنفس الشئ، و من منا لم ينزل للأسكندرية، و رأي التطورالذي تم في الترام هناك، و الذي تم أعتباره جزء من عوامل الجذب السياحي في مدينة الأسكندرية، بل و أصبح هناك ترام كافيه، و مدعوم بشبكة أنترنت، مما يعني أنه كان من الممكن أن يستمر مترو مصر الجديده، ليصبح عنصر جذب سياحي ، خصوصاً أن أغلب شوارع مصر الجديدة عريضة جداً، و خط المترو لا يمثل أي عائق في عرض الشارع، و أعتقد أن كل سكان مصر الجديدة  سيشاركوني الرأي، لكن أريد أن أخبركم أولاً كيف وصل المترو لشارعنا، و كيف و لماذا تمت أحالته علي المعاش، قبل أن نحكي القصة التاريخية الرائعة لمترو مصر الجديدة . 

في 6 أكتوبر 1981 كانت الحادثة التي لم يتوقعها أشد المتشائمين، و التي كانت الصدمة لمصر كلها، و هي حادثة أغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، بالطبع أنقلبت الأمور رأسها علي عقب في ذلك الوقت، لكن لوجود الرئيس الراحل حسني مبارك في منصب نائب الرئيس في هذا الوقت، كما كان السادات نفسه نائب للرئيس الراحل جمال عبدالناصر، فكان الأمر محسوم بالنسبة لمن الذي سيرأس مصر بعد أنور السادات. فما علاقة كل هذا بموضوعنا اليوم؟ بالطبع يوجد رابط فتلك الحدادثة كانت السبب الوحيد لوصول المترو لشارعنا، و بقاءه هناك لأكثر من 32 سنة. المترو في ذلك الوقت كان يمر بجوار بيت نائب الرئيس حسني مبارك، فلما تحول ليصبح الرئيس حسني مبارك، كان لازم لابد من تحويل مسار خط المترو لكي لا يبقي ملاصق لبيت الرئيس، ففي أقل من شهر تم تحويل المسار لكي يمر من شارعنا، بدلاً من مساره القديم. و هكذا أصبح المترو شريك حياة في شارعنا منذ عام 1981. 

و عندما تم البدء في المرحلة الثالثة من مترو الأنفاق، و الذي يمر أيضاً أسفل شارعنا، بدأ بالتدريج ألغاء خط المترو القديم، لكن ظلت القضبان قائمة حتي تم نزعها منذ عدة أشهر، وقتها كنت أأمل أن تكون هناك نية لتطويره، لكن للأسف لم يحدث أي شئ علي مدار السنوات الماضية، حتي تم ألغاء القضبان و المسار تماماً خلال الفتر ة الماضية.  

الممتع في قصة المترو، هي السبب في أنشاءه، و من الذي أنشئه، و الهدف الخفي وراء كل ذلك، و هذا هو موضوعنا اليوم.  منطقة مصر الجديدة هي منطقة فرعونية في الأساس، بالطبع الكثير منكم سيتعجبون من تلك المعلومة،  لكنها فعلاً منطقة فرعونية،  و الغير مصدق منكم، يمكن أن يشاهد فيلم الوسادة الخالية لعبدالحليم و لبني عبدالعزيز،  في المشاهد التي كانوا يسيرون فيها في المنطقة الواقعة خلف حديقة الميريلاند الشهيرة، و أتمني أن أعرف أين توجد تلك الأثار الآن، هذا بالطبع غير مسلة المطرية، الموجودة في منطقة المطرية، المجاورة لمصر الجديدة، و كان أسم المنطقة في فترة مصر القديمة هو "أون"، و تم تغييره فيما بعد في العصر اليوناني، فأصبح أسم المنطقة "هليوبوليس"، و هو الأسم الذي مازال أهل مصر الجديدة يستخدمونه حتي الآن و هو يعني مدينة الشمس، و لهذا سُميت الجامعة التي أقيمت هناك في المنطقة الواقعة ما بين العباسية و مصر الجديدة عين شمس. 

و نصل لقصة المترو، و نبدأ القصة من مرحلة ما قبل البداية، ففي عام 1905 كان بارون بلجيكي أسمه أدوارد أمبان، صاحب بنك بروكسل البلجيكي، يتريض بحصانه في  تلك المنطقة، لأنها كانت صحراء جرداء في هذا الوقت، و أعجب بالمنطقة، فقرر بالأشتراك مع باغوص نوبار باشا شراء5952 فدان، لكي يقيم عليها مشروع سكني، دعونا نشبهه ببعض الcompounds الموجوده حالياً.

بالطبع أغلبنا عندما يسمع كلمة البارون، يتذكر علي الفور قصر البارون، نعم البارون أمبان هو من بني هذا القصر لنفسه، في بداية المنطقة التي قرر أن يعمرها، و كانت المنطقة السكنية و القصر كلها مبنيه علي الطراز الهندي، لكي تكون المنطقة فريدة من نوعها، و عكس منطقة وسط البلد المبنية علي الطراز الفرنسي، و المناطق العريقة الأسلامية المبنية علي الطراز العربي. وقتها سمي البارون أمبان شركته "شركة واحة هليوبوليس" لأن هليوبوليس أو مصر الجديدة كانت فعلاً أشبه بواحة في الصحرا، و كانت بعيدة بعدة كيلومترات عن أقرب نقطة عمرانية بالنسبه لها و هي العباسية.

وقتها بني البارون في هليوبوليس أكبر فندق في الشرق الأوسط، و هو فندق "هليوبوليس بالاس"، الذي تم تأميمه في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ليتحول لقصر الأتحادية، القصر الرئاسي الرسمي، و أيضاً كان مبنياً علي الطراز الهندي. 

و بالرغم من وفاة البارون في بلجيكا، ألا أنه يبدو أن لحبه الشديد لمصر، أوصي أن يدفن هناك، و بالفعل تم دفنه في كنيسة البازليك التي تتوسط هليوبوليس أو مصر الجديدة، و بالطبع كان هو اللي من بني تلك الكنيسة.

و نصل لقصة المترو، فالبارون أمبان كان سابقاً لعصره في كل شئ، فعندما ما قرر بناء هليوبوليس، كان يعلم جيداً أنها بعيدة جداً عن أقرب عمران، و بالطبع في بداية القرن العشرين كانت نسبة السيارات قليلة جداً في مصر، و هذا سيمثل عامل ضعف في التسويق لها، فكانت فكرته التي لم تخطر علي بال، قام البارون بتأسيس شركة في عام 1910 أسمها " شركة سكك حديد مصر الكهربائية وواحات عين شمس"،  و بدأ بإنشاء أول خط بين القاهرة وهليوبوليس بواسطة الشركة، وكان هذا الخط في البداية بين محطتي كوبري الليمون -ميدان رمسيس حالياً-  و ميدان روكسي، لمسافة 7 كم، و كان هذا أسلوب تسويقي فريد من نوعه، و يحتاج لجرأة كبيرة، إذ أنه أستثمر في مشروع المترو، و تم توصيله لمنطقة صحراوية، قبل البدء في مشروعه الأساسي، لكن المترو كان من أهم عوامل التسويق لضاحية هليوبوليس. 

بالطبع أصبح مشروع المترو فيما بعد ثلاث خطوط بدلاً من خط واحد، و وصلت الخطوط الثلاثة لكل نقطة في هليوبوليس، هذا غير خطين ثانين كانت نقطة بدايتهم من منطقة الدراسة، و أثين أخرين يصلان مدينة نصر بمصر الجديدة، و خطوط الدراسة هي التي تغير مسارها عام 1981، لتتعمر هليوبوليس أو مصر الجديدة بسسب فكرة المترو، و أصبحت واحدة من أرقي و أهم أحياء مصر كلها. . 

أفكار كثيرة يمكن أقتباسها من قصة البارون أمبان و تجربته الناجحة، كان من الممكن أن يستفيد منها كثيراً من أصحاب المشاريع العقارية، لكن للأسف المشاريع العقارية الآن كلها تخاطب فئة ملاك السيارات، و طبقة معينة، أما الطبقة الوسطي، التي تمثل الغالبية العظمي من الشعب، فمتروكة لتحكم أصحاب الميكروباصات و فوضي التكاتك.  رحم الله البارون أمبان، صاحب أنجح تجربة تسويق عقاري في مصر، فقط لأهتمامه بنقطة واحدة، و هي "يا تري الناس محتاجه أيه؟ "

بقلم الكاتب


ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب