كونفوشيوس: حكيم الصين الأعظم وقصة الفلسفة التي شكلت الشرق

لم يكن «كونفوشيوس» مجرد فيلسوف مر عابرًا في تاريخ الصين، بل كان المعماري الأول الذي صاغ الوجدان الأخلاقي والسياسي لشرق آسيا بأكمله.

فعلى مدى أكثر من ألفين وخمسمئة عام، ظلت تعاليمه هي الدستور غير المكتوب الذي ينظم علاقة الفرد ببيته، والمواطن بدولته، والحاكم برعيته.

بدأت رحلته من قلب المعاناة والفقر، لكنها انتهت بصياغة إرث حضاري لا يزال حيًا في سلوكيات الشعوب حتى يومنا هذا. في هذا المقال، نغوص في أعماق سيرة «السيد كونغ»، ونستكشف المبادئ الخمسة التي أسس عليها فلسفته، وكيف استطاع بحكمته أن يحول الطقوس الجامدة إلى دستور أخلاقي يضمن استقرار المجتمعات وتوازنها.

من هو كونفوشيوس؟ المولد والنشأة المتواضعة

أحد أهم مفكري الصين وأبرز حكمائها، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق، ساد تأثيره الأيديولوجي خلال ألفين وخمسمئة سنة، حتى سقوط الإمبراطورية الصينية (1911م)، ولا تزال الدول الواقعة تحت التأثير الصيني في الشرق متشبعة بتعاليمه.

اسمه الصيني هو (كونغ كيو)، أما (كونفوشيوس) فهو الاسم المفرنج انطلاقًا من كلمتي (كونغ غوزي)؛ أي السيد كونغ.

ينحدر كونفوشيوس من سلالة تتصل مباشرة بملوك سلالة (يين) التي أطاحتها سلالة (زهو)، وقد هاجرت عائلته إلى ولاية (لو) إثر اغتيال أحد أجداده على يد ضابط كبير، واستقرت في منطقة (زو).

هذا المصاب جعل العائلة تعيش عيشة متواضعة، ومع أن أباه توصل بحذاقته العسكرية إلى رتبة ضابط كبير، فقد بقي فقيرًا، والتحق كونفوشيوس عند بلوغه السن المطلوبة بسلك الإدارة العامة، مثله مثل كل أبناء الطبقة الأرستقراطية.

ينحدر كونفوشيوس من سلالة تتصل مباشرة بملوك سلالة (يين)

من موظف مخازن بسيط إلى معلم للأجيال

غير أنه اكتفى بوظائف ثانوية، فقد كان موظفًا بسيطًا في مخازن الولاية، وهذا لم يمنعه من تكريس نفسه لدراسة ثقافة عصره والإحاطة بها كلها، وهي ثقافة مؤلفة من منتخبات رسمية من الصيغ التنجيمية ومن القصائد المغناة في المراسم الشعائرية والاستقبالات الأرستقراطية، ومن أرشيفات أعمال الحكومات ومن الحوليات، وقد اكتسب بعض الشهرة لكونه عارفًا بآداب السلوك والتصرف.

أصبح معلمًا بعدها لولدي أحد وزراء والي (لو)، وكان هذا المنصب فرصة له للدخول في حاشية الدوق (لو)، وله من العمر 33 عامًا، غير أن هذا الأخير اضطر إلى الهرب إلى مقاطعة (كي) بعد أن عجز عن وضع حد لتجاوزات ضابط كبير من قبيلة (جي)، فتبعه كونفوشيوس على أمل أن يقبل والي (كي) خدماته، فلم يفلح.

بعد سبع سنوات عاد إلى (لو)، حيث كان قد أطيح في هذه الأثناء حكم زمرة (جي)، وأضحى (هانغ يو) رجل البلاد القوي تحت حكم السيد الجديد الدوق (دينغ)، ومع أنه كان يرغب بالبقاء بعيدًا عن القضايا السياسية، فقد قبل تعيينه مديرًا للعدل في الولاية، واستمر في هذا المنصب ثلاثة أشهر، ثم استقال احتجاجًا على فساد الدوق (دينغ).

سنوات الاغتراب ونشر فكرة إرجاع المؤسسات القديمة

وشرع بالتطواف في الولايات المجاورة من 500 إلى 484 ق.م محاطًا بأتباعه، وناشرًا في كل مكان فكرة إعادة المؤسسات والممارسات القديمة، لكن دون جدوى، فطور مضمونها وقيمتها في تعاليمه، وفي سن الثامنة والستين عاد إلى (لو)، لكنه فضل البقاء على هامش الحياة العامة، وظل حتى موته يمارس تعليم تفسيره التراث لنحو ثلاثة آلاف مستمع، سيخرج منهم 72 تلميذًا، ويقال 76 مخلصين تمامًا لتعاليمه.

لم يبن كونفوشيوس نظامًا فكريًا خاصا به، بل أعاد صياغة الأرثوذكسية الصينية نفسها، فعمله ارتكز على إعطاء شكل وتماسك جديدين للأفكار والمؤسسات والممارسات الاجتماعية التي كانت قائمة في عصر المملكة القديمة؛ لذا في الصين لا يقال كونفوشيوسة، بل ثقافة المتعلمين، أو مدرسة المتعلمين.

وقد صاغ مؤلَفه الكبير (حوليات بلاد لو)، ويشار له بالصينية بـ (حوليات الربيعات والخريفات)، وهي المرحلة الممتدة من 722 إلى 481 ق.م، وفيها اتخذ شكل مجموعة دروس عن التاريخ من شأنها توعية معاصريه بضرورة إرجاع النظام الاجتماعي الذي كان سائدًا في بداية حكم سلالة (زهو) المؤسَّسة في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد.

صاغ مؤلَفه الكبير (حوليات بلاد لو)، ويشار له بالصينية بـ (حوليات الربيعات والخريفات)

تلك كانت مرحلة السلطة الملكية القوية القائمة على نظام إقطاعي مستند على العلاقات التراثية للقرابة (حسب قواعد عبادة الأجداد)، وقد ضعفت هذه الملكية بعد الغزوات البربرية في 770 ق.م، وفقدت كل سلطة على الولايات الكبرى التي انتهى بها الأمر إلى التحول إلى دول مستقلة في العصر المسمى (الممالك المتحاربة).

وترافق هذا التحول مع تغير في البنى الأسرية والثقافية في المجتمع الصيني، وبدأ نمط من الحكومات المحلية يتطور بناء على تنظيم إداري منفصل، وضمن سياسة تتجه نحو الانفصال عن السلطة المركزية، سياسيًا واقتصاديًا وإداريًا.

ما هي فلسفة كونفوشيوس؟

تقوم فلسفته، المعروفة بالكونفوشيوسية، على مبدأ الإصلاح الاجتماعي من خلال الأخلاق الفردية. هي فلسفة أخلاقية واجتماعية وليست دينًا بالمعنى التقليدي، حيث تركز على استقرار المجتمع من خلال طاعة الوالدين، واحترام التقاليد، والولاء للحاكم، مؤمنة بأن صلاح المجتمع يبدأ من صلاح الفرد وتعامله بصدق وإخلاص مع المحيطين به.

مبادئ كونفوشيوس الخمسة

وضع كونفوشيوس خمسة مبادئ أساسية (الفضائل الخمس) لتنظيم حياة الإنسان وهي:

  • الإنسانية (Ren): وتعني المحبة والرحمة تجاه الآخرين.
  • العدالة (Yi): الالتزام بفعل ما هو صحيح أخلاقيًا.
  • اللياقة (Li): الالتزام بالطقوس، والآداب، وحسن السلوك.
  • الحكمة (Zhi): القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ.
  • النزاهة (Xin): الصدق والأمانة في التعامل والوفاء بالوعود.

جوهر الفلسفة الكونفوشيوسية: الإصلاح عبر الأخلاق

طبع عمل كونفوشيوس التراث الصيني بعمق في ثلاثة جوانب رئيسة:

  1. نزع الصفة الرسمية عن الكتابة.
  2. منهجة الطقوس.
  3. إعادة الحساب للمبادئ السياسية والنظام الاجتماعي للصين القديمة، واستيعابها داخلها.

أولًا: نزع الصفة الرسمية عن الكتابة

رغم أن ظهور الكتابة يعود إلى أواسط القرن الثاني قبل الميلاد، فإن استعمالها في الصين كان وقفًا على تسجيل الممارسات الطقسية والرسمية، ولحفظ أرشيفات التنجيم والحكومات، والحوليات، والأناشيد الشعائرية والشعبية، وكانت تعد أداة مقدسة دينيًا، وكاشفة للمعنى السري للأشياء، ولم يكن حينها مؤلفون، بل مسجلون فقط، وأول من خرج عن هذا التقليد كونفوشيوس، الذي كان مقتنعًا بأنه مكلف من السماء بمهمة إعادة النظام الاجتماعي، فاستخدم الكتابة لتوعية معاصريه بالمبادئ التي يجب أن تسود المجتمع، وأعطى نفسه الحق في إعادة كتابة حوليات بلاده، ومنذئذٍ نشأ تراث كتابة مجموعة القواعد الكونفوشيوسية، وبعدها الطاوية، وغيرها، ثم التعليقات ومجموعات الدروس المشابهة لـ (المختارات الكونفوشيوسية) والشروحات، وظهور كتابات متعددة من التيارات كلها، وقد أطلق عليها اسم (مرحلة المئة مدرسة).

ثانيًا: منهجة الطقوس

في وسط ازدهار المدارس تميزت الكونفوشيوسية بإعطاء الطقوس مكانة ووظيفة خاصتين، وكان نقد خصومها يتركز خاصة على هذه الطقسية، فعندما يحاكم كونفوشيوس سلوكًا، أو تصرفًا، أو رأيًا، أو مؤسسةً ما فكلمته الأخيرة ليحسم رأيه، تتعلق بقدر توافقها أو عدم توافقها مع الطقوس.

تميزت الكونفوشيوسية بإعطاء الطقوس مكانة ووظيفة خاصتين

كيف أصبح السلوك نموذجًا للتوافق الكوني؟

وما يميز الكونفوشيوسية هو أنها لا تناقش من الدين إلا هذه الأشكال الطقسية الفارغة من أي محتوي إيماني، وقد كانت الديانة الصينية ديانة شكلية نتيجة تطور طويل لعب فيه التنجيم دورًا مهمًا، فتنفيذ الاحتفالات المتعلقة بعبادة الأجداد كان من اختصاص الابن المبكر بوصفه كذلك، ولم تكن الشعائر تبدع مكانًا لتدخل كهنة متخصصين، وبسبب عدم وجود طبقة كهنوتية (إكليروس) لم تنشأ الظروف الموضوعية لنشأة فكر لاهوتي عميق وصرف، وبالمقابل كان المنفذ يلجأ إلى التنجيم لمعرفة كيف يتصرف في المراسم الطقسية، وهكذا فإن اللجوء إلى التنجيم كشف بالتدريج القواعد الشعائرية المتعلقة بالكيفية الشكلية الصرفة لتقديم القرابين، كتحديد نوع الحيوان، وعدد الضحايا، وفي أي وقت، وفي أي مكان وبأي طريقة.

ثم تطور التفكير التأملي المتعلق بالتماسك الشكلي لعناصر الشعائر، وأعدت نظرية الأشكال الطقسية، ما جعل التنجيم غير ضروري؛ لأن علم الطقوس يسمح من الآن فصاعدًا وبكل الظروف بالتعرف إلى شكل السلوك الذي يجب اتباعه بالاستخلاص من القواعد الثابتة للحالات النمطية.

هذا الشكل من التفكير الذي وُلِدَ من تأمل معنى أشكال العبادة، لم يغير فقط من الوعي الديني، بل تجاوزه لينطبق على مجالات النشاط الإنساني كلها، وقد ضبطت بوساطة الطقوس؛ أي بوساطة نماذج شكلية صرفة من السلوك ليس فقط تصرفات الأشخاص تجاه القوى الغامضة التي تسود الكون وحسب، بل التصرفات الإنسانية كلها أيا كانت، ومع كونفوشيوس أنجزت الطقسية توسعها غير المحدود هذا، ويمكن استخلاصه من المنتجات الكونفوشيوسية، فيجري ذكر الطقوس باستمرار على أنها نماذج تعطي للسلوك شكله التام، ذلك أنها تشكلت بالأصل عبر التنجيم، على توافق مع المغزى الأكثر عمقًا والأكثر خصوصية للأشياء، والتقيد بها يعني التوافق مع نظام العالم.

ثالثًا: إعادة الحساب للمبادئ السياسية والنظام الاجتماعي للصين القديمة

الطقسية هي إذن بحث عن التطابقات الشكلية العميقة بين الظواهر من الاتساق كله، بهدف الحفاظ على التوافق الكوني، ولا يمكن عدها شكلًا من أشكال النقص الأخلاقي، يختزل متطلبات الأخلاق إلى التزام وحيد هو مجرد التوافق أو الامتثال الخارجي، فالأشكال المطلوب الامتثال إليها هي أشكال المغزى الخفي للأشياء، وليس الأشكال الخارجية المصطنعة، والمطلوب تقمصها ضمن حركة داخلية صادقة، وليس تصنع احترامها من الخارج.

الأخلاق السياسية: معاملة الأمير كأمير والأب كأب

إعادة توطيد طقوس المملكة القديمة، يعني إذن بالنسبة لكونفوشيوس استبطان شكل المجتمع المشكل للدولة الصينية القديمة باستبطان الطقوس التي كانت تعبيرًا عنه، والقسم الأكبر من المنتخبات مكرس لرسم الفضائل الأخلاقية التي يجب تنفيذ الطقوس بروحها، وأول الفضائل، وإليها يمكن إرجاع بقية الفضائل حب الوالدين وروح التعاون والصدق، إلخ..؛ أي ما يمكن ترجمته بالإنسانية، وتعني سلامة العلاقات التي يقيمها فيما بينهما رجلان يعرفان الطقوس حسب موقع كل منهما بالنسبة للآخر، والفضيلة هي معرفة تمييز خصوصية كل علاقة بين إنسانين في تفردها، تبعًا لبعد علاقات القربى أو قربها، والأجيال والعمر والجنس والموقع الاجتماعي.. إلخ؛ أي كما يقول كونفوشيوس معرفة «معاملة الأمير كأمير، والمرؤوس كمرؤوس، والأب كأب، والابن كابن».

هذا هو مبدأ الأخلاق الكونفوشيوسية التي تنوع تنوعًا غير نهائي، فالواجبات حسب الموقع الاجتماعي، وهي أخلاق سياسية تحتل فيها مثل الأسرة دورًا راجحًا كون كونفوشيوس استمدها من مؤسسات مملكة (زهو) الأولى المستندة إلى نمط إقطاعي تنظمه علاقات القربى.

ومع أن جهود كونفوشيوس لإرجاع المؤسسات القديمة قد فشلت، فإن انتقال الأخلاق الأسرية إلى مستوى الدولة، بقي في الصين الإمبراطورية مفتاح الأيديولوجية الرسمية المحافظة، ولعل هذا ما دفع زعماء الصين الثوريين إلى رفض الكونفوشيوسية رفضًا جذريًا بعدّها أداة أيديولوجية خطيرة في أيدي الرجعيين ومناهضي التغيير السياسي الاجتماعي.

أشهر أقوال كونفوشيوس: حكم خالدة من قلب التاريخ

  • «لا يهم مدى بطء حركتك ما دمت لا تتوقف».
  • «الحياة بسيطة حقًا، لكننا نصر على جعلها معقدة».
  • «عظمتنا الكبرى لا تكمن في عدم السقوط أبدًا، بل في النهوض في كل مرة نسقط فيها».
  • «كل شيء له جماله، ولكن ليس كل شخص يراه».
  • «أسمع فأنسى، أرى فأتذكر، أفعل فأفهم».
  • «المعرفة الحقيقية هي أن تعرف مدى جهلك».
  • «أينما ذهبت، اذهب بكل قلبك».
  • «الصمت صديق حقيقي لا يخون أبدًا».
  • «ادرس الماضي إذا كنت ترغب في التنبؤ بالمستقبل».
  • «ما لا تريده لنفسك، لا تفعله للآخرين».

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة